استطراد بذكر كلام لابن نباتة في الجهاد

و اعلم أن التحريض على الجهاد و الحض عليه قد قال فيه الناس فأكثروا و كلهم أخذوا من كلام أمير المؤمنين ع فمن جيد ذلك ما قاله ابن نباتة الخطيب أيها الناس إلى كم تسمعون الذكر فلا تعون و إلى كم تقرعون بالزجر فلا تقلعون كأن أسماعكم تمج ودائع الوعظ و كأن قلوبكم بها استكبار عن الحفظ و عدوكم يعمل

[ 81 ]

في دياركم عمله و يبلغ بتخلفكم عن جهاده أمله و صرخ بهم الشيطان إلى باطله فأجابوه و ندبكم الرحمن إلى حقه فخالفتموه و هذه البهائم تناضل عن ذمارها و هذه الطير تموت حمية دون أوكارها بلا كتاب أنزل عليها و لا رسول أرسل إليها و أنتم أهل العقول و الأفهام و أهل الشرائع و الأحكام تندون من عدوكم نديد الإبل و تدرعون له مدارع العجز و الفشل و أنتم و الله أولى بالغزو إليهم و أحرى بالمغار عليهم لأنكم أمناء الله على كتابه و المصدقون بعقابه و ثوابه خصكم الله بالنجدة و البأس و جعلكم خير أمة أخرجت للناس فأين حمية الإيمان و أين بصيرة الإيقان و أين الإشفاق من لهب النيران و أين الثقة بضمان الرحمن فقد قال الله عز و جل في القرآن بَلى‏ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فاشترط عليكم التقوى و الصبر و ضمن لكم المعونة و النصر أ فتتهمونه في ضمانه أم تشكون في عدله و إحسانه فسابقوا رحمكم الله إلى الجهاد بقلوب نقية و نفوس أبية و أعمال رضية و وجوه مضية و خذوا بعزائم التشميز و اكشفوا عن رءوسكم عار التقصير و هبوا نفوسكم لمن هو أملك بها منكم و لا تركنوا إلى الجزع فإنه لا يدفع الموت عنكم لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي اَلْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَ ما قُتِلُوا فالجهاد الجهاد أيها الموقنون و الظفر الظفر أيها الصابرون و الجنة الجنة أيها الراغبون و النار النار أيها الراهبون فإن الجهاد أثبت قواعد الإيمان و أوسع أبواب الرضوان و أرفع درجات الجنان و إن من ناصح الله لبين منزلتين مرغوب فيهما مجمع على تفضيلهما إما السعادة بالظفر في العاجل و إما الفوز بالشهادة في الأجل و أكره المنزلتين إليكم أعظمهما نعمة

[ 82 ]

عليكم فانصروا الله فإن نصره حرز من الهلكات حريز وَ لَيَنْصُرَنَّ اَللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اَللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . هذا آخر خطبة ابن نباتة فانظر إليها و إلى خطبته ع بعين الإنصاف تجدها بالنسبة إليها كمخنث بالنسبة إلى فحل أو كسيف من رصاص بالإضافة إلى سيف من حديد و انظر ما عليها من أثر التوليد و شين التكلف و فجاجة كثير من الألفاظ أ لا ترى إلى فجاجة قوله كأن أسماعكم تمج ودائع الوعظ و كأن قلوبكم بها استكبار عن الحفظ و كذلك ليس يخفى نزول قوله تندون من عدوكم نديد الإبل و تدرعون له مدارع العجز و الفشل . و فيها كثير من هذا الجنس إذا تأمله الخبير عرفه و مع هذا فهي مسروقة من كلام أمير المؤمنين ع أ لا ترى أن قوله ع أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة قد سرقه ابن نباتة فقال فإن الجهاد أثبت قواعد الإيمان و أوسع أبواب الرضوان و أرفع درجات الجنان و قوله ع من اجتماع هؤلاء على باطلهم و تفرقكم عن حقكم سرقه أيضا فقال صرخ بهم الشيطان إلى باطله فأجابوه و ندبكم الرحمن إلى حقه فخالفتموه و قوله ع قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم إلى آخره سرقه أيضا فقال كم تسمعون الذكر فلا تعون و تقرعون بالزجر فلا تقلعون و قوله ع حتى شنت عليكم الغارات و ملكت عليكم الأوطان سرقه أيضا و قال و عدوكم يعمل في دياركم عمله و يبلغ بتخلفكم عن جهاده أمله و أما باقي خطبة ابن نباتة فمسروق من خطب لأمير المؤمنين ع أخر سيأتي ذكرها .

[ 83 ]

و اعلم أني أضرب لك مثلا تتخذه دستورا في كلام أمير المؤمنين ع و كلام الكتاب و الخطباء بعده كابن نباتة و الصابي و غيرهما انظر نسبة شعر أبي تمام و البحتري و أبي نواس و مسلم إلى شعر إمرئ القيس و النابغة و زهير و الأعشى هل إذا تأملت أشعار هؤلاء و أشعار هؤلاء تجد نفسك حاكمة بتساوي القبيلين أو بتفضيل أبي نواس و أصحابه عليهم ما أظن أن ذلك مما تقوله أنت و لا قاله غيرك و لا يقوله إلا من لا يعرف علم البيان و ماهية الفصاحة و كنه البلاغة و فضيلة المطبوع على المصنوع و مزية المتقدم على المتأخر فإذا أقررت من نفسك بالفرق و الفضل و عرفت فضل الفاضل و نقص الناقص فاعلم أن نسبة كلام أمير المؤمنين ع إلى هؤلاء هذه النسبة بل أظهر لأنك تجد في شعر إمرئ القيس و أصحابه من التعجرف و الكلام الحوشي و اللفظ الغريب المستكره شيئا كثيرا و لا تجد من ذلك في كلام أمير المؤمنين ع شيئا و أكثر فساد الكلام و نزوله إنما هو باستعمال ذلك . فإن شئت أن تزداد استبصارا فانظر القرآن العزيز و اعلم أن الناس قد اتفقوا على أنه في أعلى طبقات الفصاحة و تأمله تأملا شافيا و انظر إلى ما خص به من مزية الفصاحة و البعد عن التقعير و التقعيب و الكلام الوحشي الغريب و انظر كلام أمير المؤمنين ع فإنك تجده مشتقا من ألفاظه و مقتضبا من معانيه و مذاهبه و محذوا به حذوه و مسلوكا به في منهاجه فهو و إن لم يكن نظيرا و لا ندا يصلح أن يقال إنه ليس بعده كلام أفصح منه و لا أجزل و لا أعلى و لا أفخم و لا أنبل إلا أن يكون كلام ابن عمه ع و هذا أمر لا يعلمه إلا من ثبتت له قدم راسخة في علم هذه الصناعة و ليس كل الناس يصلح لانتقاد الجوهر بل و لا لانتقاد الذهب و لكل صناعة أهل و لكل عمل رجال . و من خطب ابن نباتة التي يحرض فيها على الجهاد

[ 84 ]

ألا و إن الجهاد كنز وفر الله منه أقسامكم و حرز طهر الله به أجسامكم و عز أظهر الله به إسلامكم فإن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم فانفروا رحمكم الله جميعا و ثبات و شنوا على أعدائكم الغارات و تمسكوا بعصم الإقدام و معاقل الثبات و أخلصوا في جهاد عدوكم حقائق النيات فإنه و الله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا و لا قعدوا عن صون ديارهم إلا اضمحلوا و اعلموا أنه لا يصلح الجهاد بغير اجتهاد كما لا يصلح السفر بغير زاد فقدموا مجاهدة القلوب قبل مشاهدة الحروب و مغالبة الأهواء قبل محاربة الأعداء و بادروا بإصلاح السرائر فإنها من أنفس العدد و الذخائر و اعتاضوا من حياة لا بد من فنائها بالحياة التي لا ريب في بقائها و كونوا ممن أطاع الله و شمر في مرضاته و سابقوا بالجهاد إلى تملك جناته فإن للجنة بابا حدوده تطهير الأعمال و تشييده إنفاق الأموال و ساحته زحف الرجال و طريقه غمغمة الأبطال و مفتاحه الثبات في معترك القتال و مدخله من مشرعة الصوارم و النبال . فلينظر الناظر في هذا الكلام فإنه و إن كان قد أخذ من صناعة البديع بنصيب إلا أنه في حضيض الأرض و كلام أمير المؤمنين ع في أوج السماء فإنه لا ينكر لزومه فيه لما لا يلزمه اقتدارا و قوة و كتابة نحو قوله كنز فإنه بإزاء حرز و عز و قوله مشاهدة بإزاء قوله مجاهدة و مغالبة بإزاء محاربة و حدوده بإزاء تشييده لكن مثله بالقياس إلى كلام أمير المؤمنين ع كدار مبنية من اللبن و الطين مموهة الجدران بالنقوش و التصاوير مزخرفة بالذهب من فوق الجص و الإسفيداج بالقياس إلى دار مبنية بالصخر الأصم الصلد المسبوك بينه عمد الرصاص و النحاس المذاب و هي مكشوفة غير مموهة و لا مزخرفة فإن بين هاتين الدارين بونا بعيدا و فرقا عظيما و انظر قوله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا كيف تصيح من بين الخطبة صياحا و تنادي على نفسها نداء فصيحا و تعلم سامعها أنها ليست من المعدن

[ 85 ]

الذي خرج باقي الكلام منه و لا من الخاطر الذي صدر ذلك السجع عنه و لعمر الله لقد جملت الخطبة و حسنتها وزانتها و ما مثلها فيها إلا كآية من الكتاب العزيز يتمثل بها في رسالة أو خطبة فإنها تكون كاللؤلؤة المضيئة تزهر و تنير و تقوم بنفسها و تكتسي الرسالة بها رونقا و تكتسب بها ديباجة . و إذا أردت تحقيق ذلك فانظر إلى السجعة الثانية التي تكلفها ليوازنها بها و هي قوله و لا قعدوا عن صون ديارهم إلا اضمحلوا فإنك إذا نظرت إليها وجدت عليها من التكلف و الغثاثة ما يقوى عندك صدق ما قلته لك . على أن في كلام ابن نباتة في هذا الفصل ما ليس بجيد و هو قوله و حرز طهر الله به أجسامكم فإنه لا يقال في الحرز إنه يطهر الأجسام و لو قال عوض طهر حصن الله به أجسامكم لكان أليق لكنه أراد أن يقول طهر ليكون بإزاء وفر و بإزاء أظهر فأداه حب التقابل إلى ما ليس بجيد