اضطراب الأمر على عثمان ثم أخبار مقتله

و يجب أن نذكر في هذا الموضع ابتداء اضطراب الأمر على عثمان إلى أن قتل . و أصح ما ذكر في ذلك ما أورده أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ . و خلاصة ذلك أن عثمان أحدث أحداثا مشهورة نقمها الناس عليه من تأمير بني أمية و لا سيما الفساق منهم و أرباب السفه و قلة الدين و إخراج مال الفي‏ء إليهم و ما جرى في أمر عمار و أبي ذر و عبد الله بن مسعود و غير ذلك من الأمور التي جرت في أواخر خلافته ثم اتفق أن الوليد بن عقبة لما كان عامله على الكوفة و شهد عليه بشرب الخمر صرفه و ولى سعيد بن العاص مكانه فقدم سعيد الكوفة و استخلص من أهلها قوما يسمرون عنده فقال سعيد يوما إن السواد بستان للقريش و بني أمية فقال الأشتر النخعي و تزعم أن السواد الذي أفاءه الله على المسلمين بأسيافنا بستان لك و لقومك فقال صاحب شرطته أ ترد على الأمير مقالته و أغلظ له فقال الأشتر لمن كان حوله من النخع و غيرهم من أشراف الكوفة أ لا تسمعون فوثبوا عليه بحضرة سعيد فوطئوه وطأ عنيفا و جروا برجله فغلظ ذلك على سعيد و أبعد سماره فلم يأذن بعد لهم فجعلوا يشتمون سعيدا في مجالسهم ثم تعدوا ذلك إلى شتم عثمان و اجتمع إليهم ناس كثير حتى غلظ أمرهم فكتب سعيد إلى عثمان في أمرهم فكتب إليه أن يسيرهم إلى الشام لئلا يفسدوا أهل الكوفة و كتب إلى معاوية و هو والي الشام أن نفرا من أهل الكوفة

[ 130 ]

قد هموا بإثارة الفتنة و قد سيرتهم إليك فانههم فإن آنست منهم رشدا فأحسن إليهم و ارددهم إلى بلادهم فلما قدموا على معاوية و كانوا الأشتر و مالك بن كعب الأرحبي و الأسود بن يزيد النخعي و علقمة بن قيس النخعي و صعصعة بن صوحان العبدي و غيرهم جمعهم يوما و قال لهم إنكم قوم من العرب ذوو أسنان و ألسنة و قد أدركتم بالإسلام شرفا و غلبتم الأمم و حويتم مواريثهم و قد بلغني أنكم ذممتم قريشا و نقمتم على الولاة فيها و لو لا قريش لكنتم أذلة إن أئمتكم لكم جنة فلا تفرقوا عن جنتكم إن أئمتكم ليصبرون لكم على الجور و يحتملون منكم العتاب و الله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم الخسف و لا يحمدكم على الصبر ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم و بعد وفاتكم . فقال له صعصعة بن صوحان أما قريش فإنها لم تكن أكثر العرب و لا أمنعها في الجاهلية و إن غيرها من العرب لأكثر منها كان و أمنع . فقال معاوية إنك لخطيب القوم و لا أرى لك عقلا و قد عرفتكم الآن و علمت أن الذي أغراكم قلة العقول أعظم عليكم أمر الإسلام فتذكرني الجاهلية أخزى الله قوما عظموا أمركم فقهوا عني و لا أظنكم تفقهون إن قريشا لم تعز في جاهلية و لا إسلام إلا بالله وحده لم تكن بأكثر العرب و لا أشدها و لكنهم كانوا أكرمهم أحسابا و أمحضهم أنسابا و أكملهم مروءة و لم يمتنعوا في الجاهلية و الناس يأكل بعضهم بعضا إلا بالله فبوأهم حرما آمنا يتخطف الناس من حوله هل تعرفون عربا أو عجما أو سودا أو حمرا إلا و قد أصابهم الدهر في بلدهم و حرمهم إلا ما كان من قريش فإنه لم يردهم أحد من الناس بكيد إلا جعل الله خده الأسفل حتى أراد الله تعالى أن يستنقذ من أكرمه باتباع دينه من هوان الدنيا و سوء مرد الآخرة فارتضى لذلك خير

[ 131 ]

خلقه ثم ارتضى له أصحابا و كان خيارهم قريشا ثم بنى هذا الملك عليهم و جعل هذه الخلافة فيهم فلا يصلح الأمر إلا بهم و قد كان الله يحوطهم في الجاهلية و هم على كفرهم أ فتراه لا يحوطهم و هم على دينه أف لك و لأصحابك أما أنت يا صعصعة فإن قريتك شر القرى أنتنها نبتا و أعمقها واديا و ألأمها جيرانا و أعرفها بالشر لم يسكنها شريف قط و لا وضيع إلا سب بها نزاع الأمم و عبيد فارس و أنت شر قومك أ حين أبرزك الإسلام و خلطك بالناس أقبلت تبغي دين الله عوجا و تنزع إلى الغواية إنه لن يضر ذلك قريشا و لا يضعهم و لا يمنعهم من تأدية ما عليهم إن الشيطان عنكم لغير غافل قد عرفكم بالشر فأغراكم بالناس و هو صارعكم و إنكم لا تدركون بالشر أمرا إلا فتح عليكم شر منه و أخزى قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم لا ينفع الله بكم أحدا أبدا و لا يضره و لستم برجال منفعة و لا مضرة فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتكم و لا تبطرنكم النعمة فإن البطر لا يجر خيرا اذهبوا حيث شئتم فسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم . و كتب إلى عثمان أنه قدم علي قوم ليست لهم عقول و لا أديان أضجرهم العدل لا يريدون الله بشي‏ء و لا يتكلمون بحجة إنما همهم الفتنة و الله مبتليهم ثم فاضحهم و ليسوا بالذين نخاف نكايتهم و ليسوا بأكثر ممن له شغب و نكير . ثم أخرجهم من الشام . و روى أبو الحسن المدائني أنه كان لهم مع معاوية بالشام مجالس طالت فيها المحاورات و المخاطبات بينهم و أن معاوية قال لهم في جملة ما قاله إن قريشا قد عرفت أن أبا سفيان

[ 132 ]

كان أكرمها و ابن أكرمها إلا ما جعل الله لنبيه ص فإنه انتجبه و أكرمه و لو أن أبا سفيان ولد الناس كلهم لكانوا حلماء . فقال له صعصعة بن صوحان كذبت قد ولدهم خير من أبي سفيان من خلقه الله بيده و نفخ فيه من روحه و أمر الملائكة فسجدوا له فكان فيهم البر و الفاجر و الكيس و الأحمق . قال و من المجالس التي دارت بينهم أن معاوية قال لهم أيها القوم ردوا خيرا أو اسكتوا و تفكروا و انظروا فيما ينفعكم و المسلمين فاطلبوه و أطيعوني . فقال له صعصعة لست بأهل ذلك و لا كرامة لك أن تطاع في معصية الله . فقال إن أول كلام ابتدأت به أن أمرتكم بتقوى الله و طاعة رسوله و أن تعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا . فقالوا بل أمرت بالفرقة و خلاف ما جاء به النبي ص . فقال إن كنت فعلت فإني الآن أتوب و آمركم بتقوى الله و طاعته و لزوم الجماعة و أن توقروا أئمتكم و تطيعوهم . فقال صعصعة إن كنت تبت فإنا نأمرك أن تعتزل عملك فإن في المسلمين من هو أحق به منك ممن كان أبوه أحسن أثرا في الإسلام من أبيك و هو أحسن قدما في الإسلام منك . فقال معاوية إن لي في الإسلام لقدما و إن كان غيري أحسن قدما مني لكنه

[ 133 ]

ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه مني و لقد رأى عمر بن الخطاب ذلك فلو كان غيري أقوى مني لم يكن عند عمر هوادة لي و لا لغيري و لم أحدث ما ينبغي له أن أعتزل عملي فلو رأى ذلك أمير المؤمنين لكتب إلي بخط يده فاعتزلت عمله فمهلا فإن في دون ما أنتم فيه ما يأمر فيه الشيطان و ينهى و لعمري لو كانت الأمور تقضى على رأيكم و أهوائكم ما استقام الأمر لأهل الإسلام يوما و لا ليلة فعاودوا الخير و قولوه فإن الله ذو سطوات و إني خائف عليكم أن تتتابعوا إلى مطاوعة الشيطان و معصية الرحمن فيحلكم ذلك دار الهون في العاجل و الآجل . فوثبوا على معاوية فأخذوا برأسه و لحيته فقال مه إن هذه ليست بأرض الكوفة و الله لو رأى أهل الشام ما صنعتم بي و أنا إمامهم ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم فلعمري إن صنيعكم يشبه بعضه بعضا . ثم قام من عندهم و كتب إلى عثمان في أمرهم فكتب إليه أن ردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة فردهم فأطلقوا ألسنتهم في ذمه و ذم عثمان و عيبهما فكتب إليه عثمان أن يسيرهم إلى حمص إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فسيرهم إليها .

[ 134 ]

و روى الواقدي قال لما سير بالنفر الذين طردهم عثمان عن الكوفة إلى حمص و هم الأشتر و ثابت بن قيس الهمداني و كميل بن زياد النخعي و زيد بن صوحان و أخوه صعصعة و جندب بن زهير الغامدي و جندب بن كعب الأزدي و عروة بن الجعد و عمرو بن الحمق الخزاعي و ابن الكواء جمعهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بعد أن أنزلهم أياما و فرض لهم طعاما ثم قال لهم يا بني الشيطان لا مرحبا بكم و لا أهلا قد رجع الشيطان محسورا و أنتم بعد في بساط ضلالكم و غيكم جزى الله عبد الرحمن إن لم يؤذكم يا معشر من لا أدري أ عرب هم أم عجم أ تراكم تقولون لي ما قلتم لمعاوية أنا ابن خالد بن الوليد أنا ابن من عجمته العاجمات أنا ابن فاقئ عين الردة و الله يا ابن صوحان لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى إن بلغني أن أحدا ممن معي دق أنفك فأقنعت رأسك . قال فأقاموا عنده شهرا كلما ركب أمشاهم معه و يقول لصعصعة يا ابن الخطيئة إن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر ما لك لا تقول كما كنت تقول لسعيد و معاوية فيقولون سنتوب إلى الله أقلنا أقالك الله فما زال ذاك دأبه و دأبهم حتى قال تاب الله عليكم فكتب إلى عثمان يسترضيه عنهم و يسأله فيهم فردهم إلى الكوفة . قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى ثم إن سعيد بن العاص قدم على عثمان سنة إحدى عشرة من خلافته فلما دخل المدينة اجتمع قوم من الصحابة فذكروا سعيدا و أعماله و ذكروا قرابات عثمان و ما سوغهم من مال المسلمين و عابوا أفعال عثمان فأرسلوا إليه عامر بن عبد القيس و كان متألها و اسم أبيه عبد الله و هو من تميم ثم من بني العنبر فدخل على عثمان فقال له إن ناسا من الصحابة

[ 135 ]

اجتمعوا و نظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما فاتق الله و تب إليه فقال عثمان انظروا إلى هذا تزعم الناس أنه قارئ ثم هو يجي‏ء إلي فيكلمني فيما لا يعلمه و الله ما تدري أين الله فقال عامر بلى و الله إني لأدري إن الله لبالمرصاد . فأخرجه عثمان و أرسل إلى عبد الله بن سعد بن سرح و إلى معاوية و سعيد بن العاص و عمرو بن العاص و عبد الله بن عامر و كان قد استقدم الأمراء من أعمالهم فشاورهم و قال إن لكل أمير وزراء و نصحاء و إنكم وزرائي و نصحائي و أهل ثقتي و قد صنع الناس ما قد رأيتم و طلبوا إلي أن أعزل عمالي و أن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم . فقال عبد الله بن عامر أرى لك يا أمير المؤمنين أن تشغلهم عنك بالجهاد حتى يذلوا لك و لا تكون همة أحدهم إلا في نفسه و ما هو فيه من دبر دابته و قمل فروته . و قال سعيد بن العاص احسم عنك الداء و اقطع عنك الذي تخاف إن لكل قوم قادة متى يهلكوا يتفرقوا و لا يجتمع لهم أمر . فقال عثمان إن هذا لهو الرأي لو لا ما فيه و قال معاوية أشير عليك أن تأمر أمراء الأجناد فيكفيك كل رجل منهم ما قبله فأنا أكفيك أهل الشام . و قال عبد الله بن سعد إن الناس أهل طمع فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم . فقال عمرو بن العاص يا أمير المؤمنين إنك قد ركبت الناس ببني أمية فقلت و قالوا و زغت و زاغوا فاعتدل أو اعتزل فإن أبيت فاعزم عزما و امض قدما .

[ 136 ]

فقال له عثمان ما لك قمل فروك أ هذا بجد منك . فسكت عمرو حتى تفرقوا ثم قال و الله يا أمير المؤمنين لأنت أكرم علي من ذلك و لكني علمت أن بالباب من يبلغ الناس قول كل رجل منا فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي فأقود إليك خيرا و أدفع عنك شرا . فرد عثمان عماله إلى أعمالهم و أمرهم بتجهيز الناس في البعوث و عزم على أن يحرمهم أعطياتهم ليطيعوه و رد سعيد بن العاص إلى الكوفة فتلقاه أهلها بالجرعة و كانوا قد كرهوا إمارته و ذموا سيرته فقالوا له ارجع إلى صاحبك فلا حاجة لنا فيك فهم بأن يمضي لوجهه و لا يرجع فكثر الناس عليه فقال له قائل ما هذا أ ترد السيل عن إدراجه و الله لا يسكن الغوغاء إلا المشرفية و يوشك أن تنتضى بعد اليوم ثم يتمنون ما هم اليوم فيه فلا يرد عليهم فارجع إلى المدينة فإن الكوفة ليست لك بدار . فرجع إلى عثمان فأخبره بما فعلوا فأنفذ أبا موسى الأشعري أميرا على الكوفة و كتب إليهم أما بعد فقد أرسلت إليكم أبا موسى الأشعري أميرا و أعفيتكم من سعيد و و الله لأفوضنكم عرضي و لأبذلن لكم صبري و لأستصلحنكم جهدي فلا تدعوا شيئا أحببتموه لا يعصى الله فيه إلا سألتموه و لا شيئا كرهتموه لا يعصى الله فيه إلا استعفيتم منه لأكون فيه عند ما أحببتم و كرهتم حتى لا يكون لكم على الله حجة و الله لنصبرن كما أمرنا و سيجزي الله الصابرين .

[ 137 ]

قال أبو جعفر فلما دخلت سنة خمس و ثلاثين تكاتب أعداء عثمان و بني أمية في البلاد و حرض بعضهم بعضا على خلع عثمان عن الخلافة و عزل عماله عن الأمصار و اتصل ذلك بعثمان فكتب إلى أهل الأمصار أما بعد فإنه رفع إلي أن أقواما منكم يشتمهم عمالي و يضربونهم فمن أصابه شي‏ء من ذلك فليواف الموسم بمكة فليأخذ بحقه مني أو من عمالي فإني قد استقدمتهم أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين . ثم كاتب عماله و استقدمهم فلما قدموا عليه جمعهم و قال ما شكاية الناس منكم إني لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم و ما يعصب هذا الأمر إلا بي فقالوا له و الله ما صدق من رفع إليك و لا بر و لا نعلم لهذا الأمر أصلا فقال عثمان فأشيروا علي فقال سعيد بن العاص هذه أمور مصنوعة تلقى في السر فيتحدث بها الناس و دواء ذلك السيف . و قال عبد الله بن سعد خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم . و قال معاوية الرأي حسن الأدب . و قال عمرو بن العاص أرى لك أن تلزم طريق صاحبيك فتلين في موضع اللين و تشتد في موضع الشدة . فقال عثمان قد سمعت ما قلتم إن الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن لا بد منه و إن بابه الذي يغلق عليه ليفتحن فكفكفوهم باللين و المداراة إلا في حدود الله فقد علم الله أني لم آل الناس خيرا و إن رحى الفتنة لدائرة فطوبى لعثمان إن مات و لم يحركها سكنوا الناس و هبوا لهم حقوقهم فإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها .

[ 138 ]

ثم نفر فقدم المدينة فدعا عليا و طلحة و الزبير فحضروا و عنده معاوية فسكت عثمان و لم يتكلم و تكلم معاوية فحمد الله و قال أنتم أصحاب رسول الله ص و خيرته من خلقه و ولاة أمر هذه الأمة لا يطمع فيه أحد غيركم اخترتم صاحبكم عن غير غلبة و لا طمع و قد كبر و ولى عمره فلو انتظرتم به الهرم كان قريبا مع أني أرجو أن يكون أكرم على الله أن يبلغه ذلك و قد فشت مقالة خفتها عليكم فما عبتم فيه من شي‏ء فهذه يدي لكم به رهنا فلا تطمعوا الناس في أمركم فو الله إن أطعتموهم لا رأيتم أبدا منها إلا إدبارا . فقال علي ع و ما لك و ذاك لا أم لك فقال دع أمي فإنها ليست بشر أمهاتكم قد أسلمت و بايعت النبي ص و أجبني عما أقول لك . فقال عثمان صدق ابن أخي أنا أخبركم عني و عما وليت إن صاحبي اللذين كانا قبلي ظلما أنفسهما و من كان منهما بسبيل احتسابا و إن رسول الله ص كان يعطي قرابته و أنا في رهط أهل عيلة و قلة معاش فبسطت يدي في شي‏ء من ذلك لما أقوم به فيه فإن رأيتم ذلك خطأ فردوه فأمري لأمركم تبع . قالوا أصبت و أحسنت إنك أعطيت عبد الله بن خالد بن أسيد خمسين ألفا و أعطيت مروان خمسة عشر ألفا فاستعدها منهما فاستعادها فخرجوا راضين . قال أبو جعفر و قال معاوية لعثمان اخرج معي إلى الشام فإنهم على الطاعة

[ 139 ]

قبل أن يهجم عليك ما لا قبل لك به فقال لا أبيع جوار رسول الله ص بشي‏ء و إن كان فيه قطع خيط عنقي قال فأبعث إليك جندا من الشام يقيم معك لنائبة إن نابت المدينة أو إياك فقال لا أضيق على جيران رسول الله ص فقال و الله لتغتالن فقال حسبي الله و نعم الوكيل . قال أبو جعفر و خرج معاوية من عند عثمان فمر على نفر من المهاجرين فيهم علي ع و طلحة و الزبير و على معاوية ثياب سفره و هو خارج إلى الشام فقام عليهم فقال إنكم تعلمون أن هذا الأمر كان الناس يتغالبون عليه حتى بعث الله نبيه فتفاضلوا بالسابقة و القدمة و الجهاد فإن أخذوا بذلك فالأمر أمرهم و الناس لهم تبع و إن طلبوا الدنيا بالتغالب سلبوا ذلك و رده الله إلى غيرهم و إن الله على البدل لقادر و إني قد خلفت فيكم شيخنا فاستوصوا به خيرا و كانفوه تكونوا أسعد منه بذلك ثم ودعهم و مضى فقال علي ع كنت أرى في هذا خيرا فقال الزبير و الله ما كان أعظم قط في صدرك و صدورنا منه اليوم . قلت من هذا اليوم أنشب معاوية أظفاره في الخلافة لأنه غلب على ظنه قتل عثمان و رأى أن الشام بيده و أن أهلها يطيعونه و أن له حجة يحتج بها عليهم و يجعلها ذريعة إلى غرضه و هي قتل عثمان إذا قتل و أنه ليس في أمراء عثمان أقوى منه و لا أقدر على تدبير الجيوش و استمالة العرب فبنى أمره من هذا اليوم على الطمع في الخلافة أ لا ترى إلى قوله لصعصعة من قبل إنه ليس أحد أقوى مني على الإمارة و إن عمر

[ 140 ]

استعملني و رضي سيرتي أ و لا ترى إلى قوله للمهاجرين الأولين إن شرعتم في أخذها بالتغالب و ملتم على هذا الشيخ أخرجها الله منكم إلى غيركم و هو على الاستبدال قادر و إنما كان يعني نفسه و هو يكني عنها و لهذا تربض بنصرة عثمان لما استنصره و لم يبعث إليه أحدا . و روى محمد بن عمر الواقدي رحمه الله تعالى قال لما أجلب الناس على عثمان و كثرت القالة فيه خرج ناس من مصر منهم عبد الرحمن بن عديس البلوي و كنانة بن بشر الليثي و سودان بن حمران السكوني و قتيرة بن وهب السكسكي و عليهم جميعا أبو حرب الغافقي و كانوا في ألفين و خرج ناس من الكوفة منهم زيد بن صوحان العبدي و مالك الأشتر النخعي و زياد بن النضر الحارثي و عبد الله بن الأصم الغامدي في ألفين و خرج ناس من أهل البصرة منهم حكيم بن جبلة العبدي و جماعة من أمرائهم و عليهم حرقوص بن زهير السعدي و ذلك في شوال من سنة خمس و ثلاثين و أظهروا أنهم يريدون الحج فلما كانوا من المدينة على ثلاث تقدم أهل البصرة فنزلوا ذا خشب و كان هواهم في طلحة و تقدم أهل الكوفة فنزلوا الأعوص و كان هواهم في الزبير و جاء أهل مصر فنزلوا المروة و كان هواهم في علي ع و دخل ناس منهم إلى المدينة يخبرون ما في قلوب الناس لعثمان فلقوا جماعة من المهاجرين و الأنصار و لقوا أزواج النبي ص و قالوا إنما نريد الحج و نستعفي من عمالنا . ثم لقي جماعة من المصريين عليا ع و هو متقلد سيفه عند أحجار الزيت

[ 141 ]

فسلموا عليه و عرضوا عليه أمرهم فصاح بهم و طردهم و قال لقد علم الصالحون أن جيش المروة و ذي خشب و الأعوص ملعونون على لسان محمد ص . فانصرفوا عنه . و أتى البصريون طلحة فقال لهم مثل ذلك و أتى الكوفيون الزبير فقال لهم مثل ذلك فتفرقوا و خرجوا عن المدينة إلى أصحابهم . فلما أمن أهل المدينة منهم و اطمأنوا إلى رجوعهم لم يشعروا إلا و التكبير في نواحي المدينة و قد نزلوها و أحاطوا بعثمان و نادى مناديهم يا أهل المدينة من كف يده عن الحرب فهو آمن فحصروه في منزله إلا أنهم لم يمنعوا الناس من كلامه و لقائه فجاءهم جماعة من رؤساء المهاجرين و سألوهم ما شأنهم فقالوا لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا لنولي غيره لم يزيدوهم على ذلك . فكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستنجدهم و يأمرهم بتعجيل الشخوص إليه للمنع عنه و يعرفهم ما الناس فيه فخرج أهل الأمصار على الصعب و الذلول فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري و بعث عبد الله بن سعد بن أبي سرح معاوية بن حديج و خرج من الكوفة القعقاع بن عمرو بعثه أبو موسى . و قام بالكوفة نفر يحرضون الناس على نصر عثمان و إعانة أهل المدينة منهم عقبة بن عمر و عبد الله بن أبي أوفى و حنظلة الكاتب و كل هؤلاء من الصحابة و من التابعين مسروق و الأسود و شريح و غيرهم . و قام بالبصرة عمران بن الحصين و أنس بن مالك و غيرهما من الصحابة و من التابعين كعب بن سور و هرم بن حيان و غيرهما .

[ 142 ]

و قام بالشام و مصر جماعة من الصحابة و التابعين . و خرج عثمان يوم الجمعة فصلى بالناس و قام على المنبر فقال يا هؤلاء الله الله فو الله إن أهل المدينة يعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ص فامحوا الخطأ بالصواب . فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال نعم أنا أعلم ذلك فأقعده حكيم بن جبلة و قام زيد بن ثابت فأقعده قتيرة بن وهب و ثار القوم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد و حصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيا عليه فأدخل داره و استقتل نفر من أهل المدينة مع عثمان منهم سعد بن أبي وقاص و الحسن بن علي ع و زيد بن ثابت و أبو هريرة فأرسل إليهم عثمان عزمت عليكم أن تنصرفوا فانصرفوا . و أقبل علي و طلحة و الزبير فدخلوا على عثمان يعودونه من صرعته و يشكون إليه ما يجدون لأجله و عند عثمان نفر من بني أمية منهم مروان بن الحكم فقالوا لعلي ع أهلكتنا و صنعت هذا الذي صنعت و الله إن بلغت هذا الأمر الذي تريده لنمرن عليك الدنيا فقام مغضبا و خرج الجماعة الذين حضروا معه إلى منازلهم . و روى الواقدي قال صلى عثمان بعد ما وثبوا به في المسجد شهرا كاملا ثم منعوه الصلاة و صلى بالناس أميرهم الغافقي . و روى المدائني قال كان عثمان محصورا محاطا به و هو يصلي بالناس في المسجد و أهل مصر و الكوفة و البصرة الحاضرون له يصلون خلفه و هم أدق في عينه من التراب .

[ 143 ]

قال أبو جعفر في التاريخ ثم إن أهل المدينة تفرقوا عنه و لزموا بيوتهم لا يخرج أحد منهم إلا بسيفه يمتنع به فكان حصاره أربعين يوما . و روى الكلبي و الواقدي و المدائني أن محمد بن أبي بكر و محمد بن أبي حذيفة كانا بمصر يحرضان الناس على عثمان فسار محمد بن أبي بكر مع من سار إلى عثمان و أقام محمد بن أبي حذيفة بمصر ثم غلب عليها لما سار عبد الله بن سعد بن أبي سرح عامل عثمان عنها إلى المدينة في أثر المصريين بإذن عثمان له فلما كان بأيلة بلغه أن المصريين قد أحاطوا بعثمان و أنه مقتول و أن محمد بن أبي حذيفة قد غلب على مصر فعاد عبد الله إلى مصر فمنع عنها فأتى فلسطين فأقام بها حتى قتل عثمان . و روى الكلبي قال بعث عبد الله بن سعد بن أبي سرح رسولا من مصر إلى عثمان يخبره بنهوض من نهض من مصر إليه و أنهم قد أظهروا العمرة و قصدهم خلعه أو قتله فخطب عثمان الناس و أعلمهم حالهم و قال إنهم قد أسرعوا إلى الفتنة و استطالوا عمري و الله إن فارقتهم ليتمنين كل منهم أن عمري كان طال عليهم مكان كل يوم سنة مما يرون من الدماء المسفوكة و الإحن و الأثرة الظاهرة و الأحكام المغيرة . و روى أبو جعفر قال كان عمرو بن العاص ممن يحرض على عثمان و يغري به و لقد خطب عثمان يوما في أواخر خلافته فصاح به عمرو بن العاص اتق الله يا عثمان فإنك قد ركبت أمورا و ركبناها معك فتب إلى الله نتب فناداه عثمان و إنك هاهنا يا ابن النابغة قملت و الله جبتك منذ نزعتك عن العمل فنودي من ناحية أخرى تب إلى الله و نودي من أخرى مثل ذلك فرفع يديه إلى السماء و قال اللهم إني أول التائبين ثم نزل .

[ 144 ]

و روى أبو جعفر قال كان عمرو بن العاص شديد التحريض و التأليب على عثمان و كان يقول و الله إن كنت لألقى الراعي فأحرضه على عثمان فضلا عن الرؤساء و الوجوه فلما سعر الشر بالمدينة خرج إلى منزله بفلسطين فبينا هو بقصره و معه ابناه عبد الله و محمد و عندهم سلامة بن روح الجذامي إذ مر بهم راكب من المدينة فسألوه عن عثمان فقال محصور فقال عمرو أنا أبو عبد الله قد يضرط العير و المكواة في النار ثم مر بهم راكب آخر فسألوه فقال قتل عثمان فقال عمرو أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحة أدميتها فقال سلامة بن روح يا معشر قريش إنما كان بينكم و بين العرب باب فكسرتموه فقال نعم أردنا أن يخرج الحق من خاصرة الباطل ليكون الناس في الأمر شرعا سواء . و روى أبو جعفر قال لما نزل القوم ذا خشب يريدون قتل عثمان إن لم ينزع عما يكرهون و علم عثمان ذلك جاء إلى منزل علي ع فدخل و قال يا ابن عم إن قرابتي قريبة و لي عليك حق و قد جاء ما ترى من هؤلاء القوم و هم مصبحي و لك عند الناس قدر و هم يسمعون منك و أحب أن تركب إليهم فتردهم عني فإن في دخولهم علي وهنا لأمري و جرأة علي فقال ع على أي شي‏ء أردهم قال على أن أصير إلى ما أشرت به و رأيته لي فقال علي ع إني قد كلمتك مرة بعد أخرى فكل ذلك تخرج و تقول و تعد ثم ترجع و هذا من فعل مروان و معاوية و ابن عامر و عبد الله بن سعد فإنك أطعتهم و عصيتني قال عثمان فإني أعصيهم و أطيعك . فأمر علي ع الناس أن يركبوا معه فركب ثلاثون رجلا من المهاجرين

[ 145 ]

و الأنصار منهم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل و أبو جهم العدوي و جبير بن مطعم و حكيم بن حزام و مروان بن الحكم و سعيد بن العاص و عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد . و من الأنصار أبو أسيد الساعدي و زيد بن ثابت و حسان بن ثابت و كعب بن مالك و غيرهم فأتوا المصريين فكلموهم فكان الذي يكلمهم علي و محمد بن مسلمة فسمعوا منهما و رجعوا أصحابهم يطلبون مصر و رجع علي ع حتى دخل على عثمان فأشار عليه أن يتكلم بكلام يسمعه الناس منه ليسكنوا إلى ما يعدهم به من النزوع و قال له إن البلاد قد تمخضت عليك و لا آمن أن يجي‏ء ركب من جهة أخرى فتقول لي يا علي اركب إليهم فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك و استخففت بحقك . فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها و أعطى الناس من نفسه التوبة و قال لهم أنا أول من اتعظ و أستغفر الله عما فعلت و أتوب إليه فمثلي نزع و تاب فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروا رأيهم و ليذكر كل واحد ظلامته لأكشفها و حاجته لأقضيها فو الله لئن ردني الحق عبدا لأستن بسنة العبيد و لأذلن ذل العبيد و ما عن الله مذهب إلا إليه و الله لأعطينكم الرضا و لأنحين مروان و ذويه و لا أحتجب عنكم . فرق الناس له و بكوا حتى خضلوا لحاهم و بكى هو أيضا فلما نزل وجد مروان و سعيدا و نفرا من بني أمية في منزله قعودا لم يكونوا شهدوا خطبته و لكنها بلغتهم فلما جلس قال مروان يا أمير المؤمنين أ أتكلم أم أسكت فقالت نائلة ابنة الفرافصة امرأة عثمان لا بل تسكت فأنتم و الله قاتلوه و مميتو أطفاله إنه قد قال مقالة لا ينبغي له

[ 146 ]

أن ينزع عنها فقال لها مروان و ما أنت و ذاك و الله لقد مات أبوك و ما يحسن أن يتوضأ فقالت مهلا يا مروان عن ذكر أبي إلا بخير و الله لو لا أن أباك عم عثمان و أنه يناله غمه و عيبه لأخبرتك من أمره بما لا أكذب فيه عليه . فأعرض عنه عثمان ثم عاد فقال يا أمير المؤمنين أ أتكلم أم أسكت فقال تكلم فقال بأبي أنت و أمي و الله لوددت أن مقالتك هذه كانت و أنت ممتنع فكنت أول من رضي بها و أعان عليها و لكنك قلت ما قلت و قد بلغ الحزام الطبيين و جاوز السيل الزبى و حين أعطى الخطة الذليلة الذليل و الله لإقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوف عليها ما زدت على أن جرأت عليك الناس . فقال عثمان قد كان من قولي ما كان و إن الفائت لا يرد و لم آل خيرا . فقال مروان إن الناس قد اجتمعوا ببابك أمثال الجبال قال ما شأنهم قال أنت دعوتهم إلى نفسك فهذا يذكر مظلمة و هذا يطلب مالا و هذا يسأل نزع عامل من عمالك عنه و هذا ما جنيت على خلافتك و لو استمسكت و صبرت كان خيرا لك قال فاخرج أنت إلى الناس فكلمهم فإني أستحيي أن أكلمهم و أردهم . فخرج مروان إلى الناس و قد ركب بعضهم بعضا فقال ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم جئتم لنهب شاهت الوجوه أ تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا اعزبوا عنا و الله إن رمتمونا لنمرن عليكم ما حلا و لنحلن بكم ما لا يسركم و لا تحمدوا فيه غب رأيكم ارجعوا إلى منازلكم فإنا و الله غير مغلوبين على ما في أيدينا

[ 147 ]

فرجع الناس خائبين يشتمون عثمان و مروان و أتى بعضهم عليا ع فأخبره الخبر فأقبل علي ع على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري فقال أ حضرت خطبة عثمان قال نعم قال أ حضرت مقالة مروان للناس قال نعم فقال أي عباد الله يا لله للمسلمين إني إن قعدت في بيتي قال لي تركتني و خذلتني و إن تكلمت فبلغت له ما يريد جاء مروان فتلعب به حتى قد صار سيقة له يسوقه حيث يشاء بعد كبر السن و صحبته الرسول ص و قام مغضبا من فوره حتى دخل على عثمان فقال له أ ما يرضى مروان منك إلا أن يحرفك عن دينك و عقلك فأنت معه كجمل الظعينة يقاد حيث يسار به و الله ما مروان بذي رأي في دينه و لا عقله و إني لأراه يوردك ثم لا يصدرك و ما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك أفسدت شرفك و غلبت على رأيك ثم نهض . فدخلت نائلة بنت الفرافصة فقالت قد سمعت قول علي لك و إنه ليس براجع إليك و لا معاود لك و قد أطعت مروان يقودك حيث يشاء قال فما أصنع قالت تتقي الله و تتبع سنة صاحبيك فإنك متى أطعت مروان قتلك و ليس لمروان عند الناس قدر و لا هيبة و لا محبة و إنما تركك الناس لمكانه و إنما رجع عنك أهل مصر لقول علي فأرسل إليه فاستصلحه فإن له عند الناس قدما و إنه لا يعصى . فأرسل إلى علي فلم يأته و قال قد أعلمته أني غير عائد . قال أبو جعفر فجاء عثمان إلى علي بمنزله ليلا فاعتذر إليه و وعد من نفسه الجميل و قال إني فاعل و إني غير فاعل فقال له علي ع أ بعد ما تكلمت على منبر رسول الله ص و أعطيت من نفسك ثم دخلت بيتك و خرج مروان

[ 148 ]

إلى الناس يشتمهم على بابك فخرج عثمان من عنده و هو يقول خذلتني يا أبا الحسن و جرأت الناس علي فقال علي ع و الله إني لأكثر الناس ذبا عنك و لكني كلما جئت بشي‏ء أظنه لك رضا جاء مروان بغيره فسمعت قوله و تركت قولي . و لم يغد علي إلى نصر عثمان إلى أن منع الماء لما اشتد الحصار عليه فغضب علي من ذلك غضبا شديدا و قال لطلحة أدخلوا عليه الروايا فكره طلحة ذلك و ساءه فلم يزل علي ع حتى أدخل الماء إليه . و روى أبو جعفر أيضا أن عليا ع كان في ماله بخيبر لما حصر عثمان فقدم المدينة و الناس مجتمعون على طلحة و كان لطلحة في حصار عثمان أثر فلما قدم علي ع أتاه عثمان و قال له أما بعد فإن لي حق الإسلام و حق الإخاء و القرابة و الصهر و لو لم يكن من ذلك شي‏ء و كنا في جاهلية لكان عارا على بني عبد مناف أن يبتز بنو تيم أمرهم يعني طلحة فقال له علي أنا أكفيك فاذهب أنت . ثم خرج إلى المسجد فرأى أسامة بن زيد فتوكأ على يده حتى دخل دار طلحة و هي مملوءة من الناس فقال له يا طلحة ما هذا الأمر الذي صنعت بعثمان فقال يا أبا حسن أ بعد أن مس الحزام الطبيين فانصرف علي ع حتى أتى بيت المال فقال افتحوه فلم يجدوا المفاتيح فكسر الباب و فرق ما فيه على الناس فانصرف الناس من عند طلحة حتى بقي وحده و سر عثمان بذلك و جاء طلحة فدخل على عثمان فقال يا أمير المؤمنين إني أردت أمرا فحال الله بيني و بينه و قد جئتك تائبا فقال و الله ما جئت و لكن جئت مغلوبا الله حسيبك يا طلحة .

[ 149 ]

قال أبو جعفر كان عثمان مستضعفا طمع فيه الناس و أعان على نفسه بأفعاله و باستيلاء بني أمية عليه و كان ابتداء الجرأة عليه أن إبلا من إبل الصدقة قدم بها عليه فوهبها لبعض ولد الحكم بن أبي العاص فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فأخذها و قسمها بين الناس و عثمان في داره فكان ذلك أول وهن دخل على خلافة عثمان . و قيل بل كان أول وهن دخل عليه أن عثمان مر بجبلة بن عمرو الساعدي و هو في نادي قومه و في يده جامعة فسلم فرد القوم عليه فقال جبلة لم تردون على رجل فعل كذا و فعل كذا ثم قال لعثمان و الله لأطرحن هذا الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه الخبيثة مروان و ابن عامر و ابن أبي سرح فمنهم من نزل القرآن بذمه و منهم من أباح رسول الله ص دمه . و قيل إنه خطب يوما و بيده عصا كان رسول الله ص و أبو بكر و عمر يخطبون عليها فأخذها جهجاه الغفاري من يده و كسرها على ركبته فلما تكاثرت أحداثه و تكاثر طمع الناس فيه كتب جمع من أهل المدينة من الصحابة و غيرهم إلى من بالآفاق إن كنتم تريدون الجهاد فهلموا إلينا فإن دين محمد قد أفسده خليفتكم فاخلعوه فاختلفت عليه القلوب و جاء المصريون و غيرهم إلى المدينة حتى حدث ما حدث . و روى الواقدي و المدائني و ابن الكلبي و غيرهم و ذكره أبو جعفر في التاريخ و ذكره غيره من جميع المورخين أن عليا ع لما رد المصريين رجعوا بعد ثلاثة أيام فأخرجوا صحيفة في أنبوبة رصاص و قالوا وجدنا غلام عثمان بالموضع المعروف

[ 150 ]

بالبويب على بعير من إبل الصدقة ففتشنا متاعه لأنا استربنا أمره فوجدنا فيه هذه الصحيفة مضمونها أمر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بجلد عبد الرحمن بن عديس و عمرو بن الحمق و حلق رءوسهما و لحاهما و حبسهما و صلب قوم آخرين من أهل مصر . و قيل إن الذي أخذت منه الصحيفة أبو الأعور السلمي و إنهم لما رأوه و سألوه عن مسيره و هل معه كتاب فقال لا فسألوه في أي شي‏ء هو فتغير كلامه فأخذوه و فتشوه و أخذوا الكتاب منه و عادوا إلى المدينة و جاء الناس إلى علي ع و سألوه أن يدخل إلى عثمان فيسأله عن هذه الحال فقام فجاء إليه فسأله فأقسم بالله ما كتبته و لا علمته و لا أمرت به فقال محمد بن مسلمة صدق هذا من عمل مروان فقال لا أدري و كان أهل مصر حضورا فقالوا أ فيجترأ عليك و يبعث غلامك على جمل من إبل الصدقة و ينقش على خاتمك و يبعث إلى عاملك بهذه الأمور العظيمة و أنت لا تدري قال نعم قالوا إنك إما صادق أو كاذب فإن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع لما أمرت به من قتلنا و عقوبتنا بغير حق و إن كنت صادقا فقد استحققت الخلع لضعفك عن هذا الأمر و غفلتك و خبث بطانتك و لا ينبغي لنا أن نترك هذا الأمر بيد من تقطع الأمور دونه لضعفه و غفلته فاخلع نفسك منه فقال لا أنزع قميصا ألبسنيه الله و لكني أتوب و أنزع قالوا لو كان هذا أول ذنب تبت منه لقبلنا و لكنا رأيناك تتوب ثم تعود و لسنا بمنصرفين حتى نخلعك أو نقتلك أو تلحق أرواحنا بالله و إن منعك أصحابك و أهلك قاتلناهم حتى نخلص إليك فقال أما أن أبرأ من خلافة الله فالقتل أحب إلي من ذلك و أما قتالكم من يمنع عني فإني لا آمر أحدا بقتالكم فمن قاتلكم فبغير أمري قاتل و لو أردت قتالكم لكتبت إلى الأجناد فقدموا

[ 151 ]

علي أو لحقت ببعض الأطراف و كثرت الأصوات و اللغط فقام علي فأخرج أهل مصر معه و خرج إلى منزله قال أبو جعفر و كتب عثمان إلى معاوية و ابن عامر و أمراء الأجناد يستنجدهم و يأمر بالعجل و البدار و إرسال الجنود إليه فتربص به معاوية فقام في أهل الشام يزيد بن أسد القسري جد خالد بن عبد الله بن يزيد أمير العراق فتبعه خلق كثير فسار بهم إلى عثمان فلما كانوا بوادي القرى بلغهم قتل عثمان فرجعوا . و قيل بل أشخص معاوية من الشام حبيب بن مسلمة الفهري و سار من البصرة مجاشع بن مسعود السلمي فلما وصلوا الربذة و نزلت مقدمتهم الموضع المسمى صرارا بناحية المدينة أتاهم قتل عثمان فرجعوا و كان عثمان قد استشار نصحاءه في أمره فأشاروا أن يرسل إلى علي ع يطلب إليه أن يرد الناس و يعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى تأتيه الأمداد فقال إنهم لا يقبلون التعليل و قد كان مني في المرة الأولى ما كان فقال مروان أعطهم ما سألوك و طاولهم ما طاولوك فإنهم قوم قد بغوا عليك و لا عهد لهم . فدعا عليا ع و قال له قد ترى ما كان من الناس و لست آمنهم على دمي فارددهم عني فإني أعطيهم ما يريدون من الحق من نفسي و من غيري . فقال علي إن الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك و إنهم لا يرضون إلا

[ 152 ]

بالرضا و قد كنت أعطيتهم من قبل عهدا فلم تف به فلا تغرر في هذه المرة فإني معطيهم عنك الحق قال أعطهم فو الله لأفين لهم . فخرج علي ع إلى الناس فقال إنكم إنما تطلبون الحق و قد أعطيتموه و إنه منصفكم من نفسه فسأله الناس أن يستوثق لهم و قالوا إنا لا نرضى بقول دون فعل فدخل عليه فأعلمه فقال اضرب بيني و بين الناس أجلا فإني لا أقدر على تبديل ما كرهوا في يوم واحد فقال علي ع أما ما كان بالمدينة فلا أجل فيه و أما ما غاب فأجله وصول أمرك قال نعم فأجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام فأجابه إلى ذلك و كتب بينه و بين الناس كتابا على رد كل مظلمة و عزل كل عامل كرهوه فكف الناس عنه و جعل يتأهب سرا للقتال و يستعد بالسلاح و اتخذ جندا فلما مضت الأيام الثلاثة و لم يغير شيئا ثار به الناس و خرج قوم إلى من بذي خشب من المصريين فأعلموهم الحال فقدموا المدينة و تكاثر الناس عليه و طلبوا منه عزل عماله و رد مظالمهم فكان جوابه لهم أني إن كنت أستعمل من تريدون لا من أريد فلست إذن في شي‏ء من الخلافة و الأمر أمركم فقالوا و الله لتفعلن أو لتخلعن أو لنقتلنك فأبى عليهم و قال لا أنزع سربالا سربلنيه الله فحصروه و ضيقوا الحصار عليه . و روى أبو جعفر لما اشتد على عثمان الحصار أشرف على الناس فقال يا أهل المدينة أستودعكم الله و أسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي ثم قال أنشدكم الله هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب عمر أن يختار لكم و يجمعكم على خيركم أ فتقولون إن الله لم يستجب لكم و هنتم عليه و أنتم أهل حقه و أنصار نبيه أم تقولون هان على الله

[ 153 ]

دينه فلم يبال من ولى و الدين لم يتفرق أهله بعد أم تقولون لم يكن أخذ عن مشورة إنما كان مكابرة فوكل الله الأمة إذ عصته و لم يتشاوروا في الإمامة إلى أنفسها أم تقولون إن الله لم يعلم عاقبة أمري فمهلا مهلا لا تقتلوني و إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة زان بعد إحصان أو كافر بعد إيمان أو قاتل نفس بغير حق أما إنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم ثم لا يرفعه الله عنكم أبدا فقالوا أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر فإن كل ما يصنعه الله الخيرة و لكن الله جعلك بلية ابتلى بها عباده و لقد كانت لك قدم و سابقة و كنت أهلا للولاية و لكن أحدثت ما تعلمه و لا نترك اليوم إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاما قابلا و أما قولك لا يحل دم إلا بإحدى ثلاث فإنا نجد في كتاب الله إباحة دم غير الثلاثة دم من سعى في الأرض بالفساد و دم من بغى ثم قاتل على بغيه و دم من حال دون شي‏ء من الحق و منعه و قاتل دونه و قد بغيت و منعت الحق و حلت دونه و كابرت عليه و لم تقد من نفسك من ظلمته و لا من عمالك و قد تمسكت بالإمارة علينا و الذين يقومون دونك و يمنعونك إنما يمنعونك و يقاتلوننا لتسميتك بالإمارة فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال معك . فسكت عثمان و لزم الدار و أمر أهل المدينة بالرجوع و أقسم عليهم فرجعوا إلا الحسن بن علي و محمد بن طلحة و عبد الله بن الزبير و أشباها لهم و كانت مدة الحصار أربعين يوما . قال أبو جعفر ثم إن محاصري عثمان أشفقوا من وصول أجناد من الشام و البصرة تمنعه فحالوا بين عثمان و بين الناس و منعوه كل شي‏ء حتى الماء فأرسل عثمان سرا إلى علي ع و إلى أزواج النبي ص أنهم قد منعونا الماء فإن قدرتم أن

[ 154 ]

ترسلوا إلينا ماء فافعلوا فجاء علي ع في الغلس و أم حبيبة بنت أبي سفيان فوقف علي ع على الناس فوعظهم و قال أيها الناس إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين و لا أمر الكافرين إن فارس و الروم لتأسر فتطعم و تسقي فالله الله لا تقطعوا الماء عن الرجل فأغلظوا له و قالوا لا نعم و لا نعمة عين فلما رأى منهم الجد نزع عمامته عن رأسه و رمى بها إلى دار عثمان يعلمه أنه قد نهض و عاد . و أما أم حبيبة و كانت مشتملة على إداوة فضربوا وجه بغلتها فقالت إن وصايا أيتام بني أمية عند هذا الرجل فأحببت أن أسأله عنها لئلا تهلك أموال اليتامى فشتموها و قالوا أنت كاذبة و قطعوا حبل البغلة بالسيف فنفرت و كادت تسقط عنها فتلقاها الناس فحملوها إلى منزلها . و روى أبو جعفر قال أشرف عثمان عليهم يوما فقال أنشدكم الله هل تعلمون أني اشتريت بئر رومة بمالي أستعذب بها و جعلت رشائي فيها كرجل من المسلمين قالوا نعم قال فلم تمنعونني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر ثم قال أنشدكم الله هل تعلمون أني اشتريت أرض كذا فزدتها في المسجد قالوا نعم قال فهل علمتم أن أحدا منع أن يصلي فيه قبلي .

[ 155 ]

و روى أبو جعفر عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال دخلت على عثمان فأخذ بيدي فأسمعني كلام من على بابه من الناس فمنهم من يقول ما تنتظرون به و منهم من يقول لا تعجلوا فعساه ينزع و يراجع فبينا نحن إذ مر طلحة فقام إليه ابن عديس البلوي فناجاه ثم رجع ابن عديس فقال لأصحابه لا تتركوا أحدا يدخل إلى عثمان و لا يخرج من عنده قال لي عثمان هذا ما أمر به طلحة اللهم اكفني طلحة فإنه حمل هؤلاء القوم و ألبهم علي و الله إني لأرجو أن يكون منها صفرا و أن يسفك دمه قال فأردت أن أخرج فمنعوني حتى أمرهم محمد بن أبي بكر فتركوني أخرج . قال أبو جعفر فلما طال الأمر و علم المصريون قد أجرموا إليه جرما كجرم القتل و أنه لا فرق بين قتله و بين ما أتوا إليه و خافوا على نفوسهم من تركه حيا راموا الدخول عليه من باب داره فأغلقوا الباب و مانعهم الحسن بن علي و عبد الله بن الزبير و محمد بن طلحة و مروان و سعيد بن العاص و جماعة معهم من أبناء الأنصار فزجرهم عثمان و قال أنتم في حل من نصرتي فأبوا و لم يرجعوا . و قام رجل من أسلم يقال له نيار بن عياض و كان من الصحابة فنادى عثمان و أمره أن يخلع نفسه فبينا هو يناشده و يسومه خلع نفسه رماه كثير بن الصلت الكندي و كان من أصحاب عثمان من أهل الدار بسهم فقتله فصاح المصريون و غيرهم عند ذلك ادفعوا إلينا قاتل ابن عياض لنقتله به فقال عثمان لم أكن لأدفع إليكم رجلا نصرني و أنتم تريدون قتلي فثاروا إلى الباب فأغلق دونهم فجاءوا بنار فأحرقوه و أحرقوا السقيفة التي عليه فقال لمن عنده من أنصاره إن رسول الله ص عهد

[ 156 ]

إلي عهدا فأنا صابر عليه فأخرج على رجل يقاتل دوني ثم قال للحسن إن أباك الآن لفي أمر عظيم من أجلك فاخرج إليه أقسمت عليك لما خرجت إليه فلم يفعل و وقف محاميا عنه و خرج مروان بسيفه يجالد الناس فضربه رجل من بني ليث على رقبته فأثبته و قطع إحدى علباويه فعاش مروان بعد ذلك أوقص و قام إليه عبيد بن رفاعة الزرقي ليذفف عليه فقامت دونه فاطمة أم إبراهيم بن عدي و كانت أرضعت مروان و أرضعت له فقالت له إن كنت تريد قتله فقد قتل و إن كنت إنما تريد أن تتلعب بلحمه فأقبح بذلك فتركه فخلصته و أدخلته بيتها فعرف لها بنو ذلك بعد و استعملوا ابنها إبراهيم و كان له منهم خاصة . و قتل المغيرة بن الأخنس بن شريق و هو يحامي عن عثمان بالسيف و اقتحم القوم الدار و دخل كثير منهم الدور المجاورة لها و تسوروا من دار عمرو بن حزم إليها حتى ملئوها و غلب الناس على عثمان و ندبوا رجلا لقتله فدخل إليه البيت فقال له اخلعها و ندعك فقال ويحك و الله ما كشفت عن امرأة في جاهلية و لا إسلام و لا تعينت و لا تمنيت و لا وضعت يميني على عورتي مذ بايعت رسول الله و لست بخالع قميصا كسانيه الله حتى يكرم أهل السعادة و يهين أهل الشقاوة . فخرج عنه فقالوا له ما صنعت قال إني لم أستحل قتله فأدخلوا إليه رجلا من الصحابة فقال له لست بصاحبي إن النبي ص دعا لك أن يحفظك يوم كذا و لن تضيع فرجع عنه .

[ 157 ]

فأدخلوا إليه رجلا من قريش فقال له إن رسول الله ص استغفر لك يوم كذا فلن تقارف دما حراما فرجع عنه . فدخل عليه محمد بن أبي بكر فقال له عثمان ويحك أ على الله تغضب هل لي إليك جرم إلا أني أخذت حق الله منك فأخذ محمد بلحيته و قال أخزاك الله يا نعثل قال لست بنعثل لكني عثمان و أمير المؤمنين فقال ما أغنى عنك معاوية و فلان و فلان فقال عثمان يا ابن أخي دعها من يدك فما كان أبوك ليقبض عليها فقال لو عملت ما عملت في حياة أبي لقبض عليها و الذي أريد بك أشد من قبضي عليها فقال أستنصر الله عليك و أستعين به فتركه و خرج . و قيل بل طعن جبينه بمشقص كان في يده فثار سودان بن حمران و أبو حرب الغافقي و قتيرة بن وهب السكسكي فضربه الغافقي بعمود كان في يده و ضرب المصحف برجله و كان في حجره فنزل بين يديه و سال عليه الدم و جاء سودان ليضربه بالسيف فأكبت عليه امرأته نائلة بنت الفرافصة الكلبية و اتقت السيف بيدها و هي تصرخ فنفح أصابعها فأطنها فولت فغمز بعضهم أوراكها و قال إنها لكبيرة العجز و ضرب سودان عثمان فقتله . و قيل بل قتله كنانة بن بشر التجيبي و قيل بل قتيرة بن وهب و دخل غلمان عثمان و مواليه فضرب أحدهم عنق سودان فقتله فوثب قتيرة بن وهب على ذلك الغلام

[ 158 ]

فقتله فوثب غلام آخر على قتيرة فقتله و نهبت دار عثمان و أخذ ما على نسائه و ما كان في بيت المال و كان فيه غرارتان دراهم و وثب عمرو بن الحمق على صدر عثمان و به رمق فطعنه تسع طعنات و قال أما ثلاث منها فإني طعنتهن لله تعالى و أما ست منها فلما كان في صدري عليه و أرادوا قطع رأسه فوقعت عليه زوجتاه نائلة بنت الفرافصة و أم البنين ابنة عيينة بن حصن الفزاري فصحن و ضربن الوجوه فقال ابن عديس اتركوه و أقبل عمير بن ضابئ البرجمي فوثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه و قال له سجنت أبي حتى مات في السجن و كان قتله يوم الثامن عشر من ذي الحجة من سنة خمسين و ثلاثين و قيل بل في أيام التشريق و كان عمره ستا و ثمانين سنة . قال أبو جعفر و بقي عثمان ثلاثة أيام لا يدفن ثم إن حكيم بن حزام و جبير بن مطعم كلما عليا ع في أن يأذن في دفنه ففعل فلما سمع الناس بذلك قعد له قوم في الطريق بالحجارة و خرج به ناس يسير من أهله و معهم الحسن بن علي و ابن الزبير و أبو جهم بن حذيفة بين المغرب و العشاء فأتوا به حائطا من حيطان المدينة يعرف بحش كوكب و هو خارج البقيع فصلوا عليه و جاء ناس من الأنصار ليمنعوا من الصلاة عليه فأرسل علي ع فمنع من رجم سريره و كف الذين راموا منع الصلاة عليه و دفن في حش كوكب فلما ظهر معاوية على الأمر أمر بذلك الحائط فهدم و أدخل في البقيع و أمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتصل بمقابر المسلمين بالبقيع . و قيل إن عثمان لم يغسل و إنه كفن في ثيابه التي قتل فيها .

[ 159 ]

قال أبو جعفر و روي عن عامر الشعبي أنه قال ما قتل عمر بن الخطاب حتى ملته قريش و استطالت خلافته و قد كان يعلم فتنتهم فحصرهم في المدينة و قال لهم إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد و إن كان الرجل ليستأذنه في الغزو فيقول إن لك في غزوك مع رسول الله ص ما يكفيك و هو خير لك من غزوك اليوم و خير لك من الغزو ألا ترى الدنيا و لا تراك فكان يفعل هذا بالمهاجرين من قريش و لم يكن يفعله بغيرهم من أهل مكة فلما ولي عثمان الخلافة خلى عنهم فانتشروا في البلاد و خالطهم الناس و أفضى الأمر إلى ما أفضى إليه و كان عثمان أحب إلى الرعية من عمر . قال أبو جعفر و كان أول منكر ظهر بالمدينة في خلافة عثمان حين فاضت الدنيا على العرب و المسلمين طيران الحمام و المسابقة بها و الرمي عن الجلاهقات و هي قسي البندق فاستعمل عثمان عليها رجلا من بني ليث في سنة ثمان من خلافته فقص الطيور و كسر الجلاهقات . و روى أبو جعفر قال سأل رجل سعيد بن المسيب عن محمد بن أبي حذيفة ما دعاه إلى الخروج على عثمان فقال كان يتيما في حجر عثمان و كان والى أيتام أهل بيته و محتمل كلهم فسأل عثمان العمل فقال يا بني لو كنت رضا لاستعملتك قال فأذن لي فأخرج فأطلب الرزق قال اذهب حيث شئت و جهزه من عنده و حمله و أعطاه فلما وقع إلى مصر كان فيمن أعان عليه لأنه منعه الإمارة فقيل له فعمار بن ياسر قال

[ 160 ]

كان بينه و بين العباس بن عتبة بن أبي لهب كلام فضربهما عثمان فأورث ذلك تعاديا بين عمار و عثمان و قد كان تقاذفا قبل ذلك . قال أبو جعفر و سئل سالم بن عبد الله عن محمد بن أبي بكر ما دعاه إلى ركوب عثمان فقال لزمه حق فأخذ عثمان من ظهره فغضب و غره أقوام فطمع لأنه كان من الإسلام بمكان و كانت له دالة فصار مذمما بعد أن كان محمدا و كان كعب بن ذي الحبكة النهدي يلعب بالنيرنجات بالكوفة فكتب عثمان إلى الوليد أن يوجعه ضربا فضربه و سيره إلى دنباوند . و كان ممن خرج إليه و سار إليه و حبس ضابئ بن الحارث البرجمي لأنه هجا قوما فنسبهم إلى أن كلبهم يأتي أمهم فقال لهم

فأمكم لا تتركوها و كلبكم
فإن عقوق الوالدين كبير

[ 161 ]

فاستعدوا عليه عثمان فحبسه فمات في السجن فلذلك حقد ابنه عمير عليه و كسر أضلاعه بعد قتله . قال أبو جعفر و كان لعثمان على طلحة بن عبيد الله خمسون ألفا فقال طلحة له يوما قد تهيأ مالك فاقبضه فقال هو لك معونة على مروءتك فلما حصر عثمان قال علي ع لطلحة أنشدك الله إلا كففت عن عثمان فقال لا و الله حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها فكان علي ع يقول لحا الله ابن الصعبة أعطاه عثمان ما أعطاه و فعل به ما فعل

[ 162 ]