فصل في ذكر الآيات و الأخبار الواردة في ذم الرياء و الشهرة

و اعلم أن هذه الخطبة تتضمن الذم الكثير لمن يدعي الآخرة من أهل زماننا و هم أهل الرياء و النفاق و لابسوا الصوف و الثياب المرقوعة لغير وجه الله . و قد ورد في ذم الرياء شي‏ء كثير و قد ذكرنا بعض ذلك فيما تقدم . و من الآيات الواردة في ذلك قوله تعالى يُراؤُنَ اَلنَّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اَللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً . و منها قوله تعالى فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً .

[ 179 ]

و منها قوله تعالى إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً . و منها قوله تعالى اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ اَلَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَ يَمْنَعُونَ اَلْماعُونَ

و من الأخبار النبوية قوله ص و قد سأله رجل يا رسول الله فيم النجاة فقال ألا تعمل بطاعة الله و تريد بها الناس

و في الحديث من راءى راءى الله به و من سمع سمع الله به

و في الحديث أن الله تعالى يقول للملائكة إن هذا العمل لم يرد صاحبه به وجهي فاجعلوه في سجين

و قال ص إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا و ما الشرك الأصغر يا رسول الله قال الرياء يقول الله تعالى إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم في الدنيا فاطلبوا جزاءكم منهم

و في حديث شداد بن أوس رأيت النبي ص يبكي فقلت يا رسول الله ما يبكيك فقال إني تخوفت على أمتي الشرك أما إنهم لا يعبدون صنما و لا شمسا و لا قمرا و لكنهم يراءون بأعمالهم و رأى عمر رجلا يتخشع و يطأطئ رقبته في مشيته فقال له يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب . و رأى أبو أمامة رجلا في المسجد يبكي في سجوده فقال له أنت أنت لو كان هذا في بيتك .

[ 180 ]

و قال علي ع للمرائي أربع علامات يكسل إذا كان وحده و ينشط إذا كان في الناس و يزيد في العمل إذا أثني عليه و ينقص منه إذا لم يثن عليه و قال رجل لعبادة بن الصامت أقاتل بسيفي في سبيل الله أريد به وجهه و محمدة الناس قال لا شي‏ء لك فسأله ثلاث مرات كل ذلك يقول لا شي‏ء لك ثم قال في الثالثة يقول الله تعالى أنا أغنى الأغنياء عن الشرك الحديث . و ضرب عمر رجلا بالدرة ثم ظهر له أنه لم يأت جرما فقال له اقتص مني فقال بل أدعها لله و لك قال ما صنعت شيئا إما أن تدعها لي فأعرف ذلك لك أو تدعها لله وحده . و قال الحسن لقد صحبت أقواما إن كان أحدهم لتعرض له الكلمة لو نطق بها لنفعته و نفعت أصحابه ما يمنعه منها إلا مخافة الشهرة و إن كان أحدهم ليمر فيرى الأذى على الطريق فما يمنعه أن ينحيه إلا مخافة الشهرة . و قال الفضيل كانوا يراءون بما يعملون و صاروا اليوم يراءون بما لا يعملون . و قال عكرمة إن الله تعالى يعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله لأن النية لا رياء فيها . و قال الحسن المرائي يريد أن يغلب قدر الله تعالى هو رجل سوء يريد أن يقول الناس هذا صالح و كيف يقولون و قد حل من ربه محل الأردئاء فلا بد لقلوب المؤمنين أن تعرفه . و قال قتادة إذا راءى العبد قال الله تعالى لملائكته انظروا إلى عبدي يستهزئ بي . و قال الفضيل من أراد أن ينظر مرائيا فلينظر إلي

[ 181 ]

و قال محمد بن المبارك الصوري أظهر السمت بالليل فإنه أشرف من سمتك بالنهار فإن سمت النهار للمخلوقين و سمت الليل لرب العالمين . و قال إبراهيم بن أدهم ما صدق الله من أحب أن يشتهر .

و من الكلام المعزو إلى عيسى ابن مريم ع إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه و لحيته و ليمسح شفتيه لئلا يعلم الناس أنه صائم و إذا أعطى بيمينه فليخف عن شماله و إذا صلى فليرخ ستر بابه فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق . و من كلام بعض الصالحين آخر ما يخرج من رءوس الصديقين حب الرئاسة .

و روى أنس بن مالك عن رسول الله ص أنه قال يحسب المرء من الشر إلا من عصمه الله من السوء أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه و دنياه إن الله لا ينظر إلى صوركم و لكن ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم

و قال علي ع تبذل لا تشتهر و لا ترفع شخصك لتذكر بعلم و اسكت و اصمت تسلم تسر الأبرار و تغيظ الفجار و كان خالد بن معدان إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة . و رأى طلحة بن مصرف قوما يمشون معه نحو عشرة فقال فراش نار و ذبان طمع . و قال سليمان بن حنظلة بينا نحن حوالي أبي بن كعب نمشي إذ رآه عمر فعلاه بالدرة و قال له انظر من حولك إن الذي أنت فيه ذلة للتابع فتنة للمتبوع . و خرج عبد الله بن مسعود من منزله فاتبعه قوم فالتفت إليهم و قال علام تتبعونني فو الله لو تعلمون مني ما أغلق عليه بابي لما تبعني منكم اثنان . و قال الحسن خفق النعال حول الرجال مما يثبت عليهم قلوب الحمقى .

[ 182 ]

و روي أن رجلا صحب الحسن في طريق فلما فارقه قال أوصني رحمك الله قال إن استطعت أن تعرف و لا تعرف و تمشي و لا يمشى إليك و تسأل و لا تسأل فافعل . و خرج أيوب السختياني في سفر فشيعه قوم فقال لو لا أني أعلم أن الله يعلم من قلبي أني لهذا كاره لخشيت المقت من الله . و عوتب أيوب على تطويل قميصه فقال إن الشهرة كانت فيما مضى في طوله و هي اليوم في قصره . و قال بعضهم كنت مع أبي قلابة إذ دخل رجل عليه كساء فقال إياكم و هذا الحمار الناهق يشير به إلى طالب شهرة . و قال رجل لبشر بن الحارث أوصني فقال أخمل ذكرك و طيب مطعمك . و كان حوشب يبكي و يقول بلغ اسمي المسجد الجامع . و قال بشر ما أعرف رجلا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه و افتضح . و قال أيضا لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس . فهذه الآثار قليل مما ورد عن الصالحين رحمهم الله في ذم الرياء و كون الشهرة طريقا إلى الفتنة