أمر الناس بعد وقعة النهروان

و روى نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن نمير بن وعلة عن أبي وداك قال لما كره القوم المسير إلى الشام عقيب واقعة النهروان أقبل بهم أمير المؤمنين فأنزلهم النخيلة و أمر الناس أن يلزموا معسكرهم و يوطنوا على الجهاد أنفسهم و أن يقلوا زيارة النساء و أبنائهم حتى يسير بهم إلى عدوهم و كان ذلك هو الرأي لو فعلوه لكنهم لم يفعلوا و أقبلوا يتسللون و يدخلون الكوفة فتركوه ع و ما معه من الناس إلا رجال من وجوههم قليل و بقي المعسكر خاليا فلا من دخل الكوفة خرج إليه و لا من أقام معه صبر فلما رأى ذلك دخل الكوفة .

[ 194 ]

قال نصر بن مزاحم فخطب الناس بالكوفة و هي أول خطبة خطبها بعد قدومه من حرب الخوارج فقال أيها الناس استعدوا لقتال عدو في جهادهم القربة إلى الله عز و جل و درك الوسيلة عنده قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه موزعين بالجور و الظلم لا يعدلون به جفاة عن الكتاب نكب عن الدين يعمهون في الطغيان و يتسكعون في غمرة الضلال ف أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ اَلْخَيْلِ و توكلوا على الله و كفى بالله وكيلا . قال فلم ينفروا و لم ينشروا فتركهم أياما ثم خطبهم فقال أف لكم لقد سئمت عتابكم أ رضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا الفصل الذي شرحناه آنفا إلى آخره و زاد فيه أنتم أسود الشرى في الدعة و ثعالب رواغة حين البأس إن أخا الحرب اليقظان ألا إن المغلوب مقهور و مسلوب .

و روى الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن قيس بن أبي حازم قال سمعت عليا ع على منبر الكوفة و هو يقول يا أبناء المهاجرين انفروا إلى أئمة الكفر و بقية الأحزاب و أولياء الشيطان انفروا إلى من يقاتل على دم حمال الخطايا فو الله الذي فلق الحبة و برأ النسمة إنه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئا قلت هذا قيس بن أبي حازم و هو الذي روى حديث إنكم لترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا نضامون في رؤيته و قد طعن مشايخنا المتكلمون فيه و قالوا إنه فاسق و لا تقبل روايته لأنه قال إني سمعت عليا يخطب على منبر الكوفة

[ 195 ]

و يقول انفروا إلى بقية الأحزاب فأبغضته و دخل بغضه في قلبي و من يبغض عليا ع لا تقبل روايته . فإن قيل فما يقول مشايخكم في قوله ع انفروا إلى من يقاتل على دم حمال الخطايا أ ليس هذا طعنا منه ع في عثمان قيل الأشهر الأكثر في الرواية صدر الحديث و أما عجز الحديث فليس بمشهور تلك الشهرة و إن صح حملناه على أنه أراد به معاوية و سمى ناصريه مقاتلين على دمه لأنهم يحامون عن دمه و من حامى عن دم إنسان فقد قاتل عليه . و روى أبو نعيم الحافظ قال حدثنا أبو عاصم الثقفي قال جاءت امرأة من بني عبس إلى علي ع و هو يخطب بهذه الخطبة على منبر الكوفة فقالت يا أمير المؤمنين ثلاث بلبلن القلوب عليك قال و ما هن ويحك قالت رضاك بالقضية و أخذك بالدنية و جزعك عند البلية فقال إنما أنت امرأة فاذهبي فاجلسي على ذيلك فقالت لا و الله ما من جلوس إلا تحت ظلال السيوف .

و روى عمرو بن شمر الجعفي عن جابر عن رفيع بن فرقد البجلي قال سمعت عليا ع يقول يا أهل الكوفة لقد ضربتكم بالدرة التي أعظ بها السفهاء فما أراكم تنتهون و لقد ضربتكم بالسياط التي أقيم بها الحدود فما أراكم ترعوون فلم يبق إلا أن أضربكم بسيفي و إني لأعلم ما يقومكم و لكني لا أحب أن ألي ذلك منكم وا عجبا لكم و لأهل الشام أميرهم يعصي الله و هم يطيعونه و أميركم يطيع الله و أنتم تعصونه و الله لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني و لو سقت الدنيا بحذافيرها إلى الكافر لما أحبني و ذلك أنه قضى ما قضى على لسان النبي الأمي أنه لا يبغضني

[ 196 ]

مؤمن و لا يحبني كافر و قد خاب من حمل ظلما و الله لتصبرن يا أهل الكوفة على قتال عدوكم أو ليسلطن الله عليكم قوما أنتم أولى بالحق منهم فليعذبنكم أ فمن قتلة بالسيف تحيدون إلى موتة على الفراش و الله لموتة على الفراش أشد من ضربة ألف سيف . قلت ما أحسن قول أبي العيناء و قد قال له المتوكل إلى متى تمدح الناس و تهجوهم فقال ما أحسنوا و أساءوا و هذا أمير المؤمنين ع و هو سيد البشر بعد رسول الله ص يمدح الكوفة و أهلها عقيب الانتصار على أصحاب الجمل بما قد ذكرنا بعضه و سنذكر باقيه مدحا ليس باليسير و لا بالمستصغر و يقول للكوفة عند نظره إليها أهلا بك و بأهلك ما أرادك جبار بكيد إلا قصمه الله و يثني عليها و على أهلها حسب ذمه للبصرة و عيبه لها و دعائه عليها و على أهلها فلما خذله أهل الكوفة يوم التحكيم و تقاعدوا عن نصره على أهل الشام و خرج منهم الخوارج و مرق منهم المراق ثم استنفرهم بعد فلم ينفروا و استصرخهم فلم يصرخوا و رأى منهم دلائل الوهن و أمارات الفشل انقلب ذلك المدح ذما و ذلك الثناء استزادة و تقريعا و تهجينا . و هذا أمر مركوز في طبيعة البشر و قد كان رسول الله ص كذلك و القرآن العزيز أيضا كذلك أثنى على الأنصار لما نهضوا و ذمهم لما قعدوا في غزاة تبوك فقال فَرِحَ اَلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اَللَّهِ وَ كَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ الآيات إلى أن رضي الله عنهم فقال وَ عَلَى

[ 197 ]

اَلثَّلاثَةِ اَلَّذِينَ خُلِّفُوا أي عن رسول الله حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ اَلْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ الآية