مناقب علي و ذكر طرف من أخباره في عدله و زهده

روى علي بن محمد بن أبي سيف المدائني عن فضيل بن الجعد قال آكد الأسباب في تقاعد العرب عن أمير المؤمنين ع أمر المال فإنه لم يكن يفضل شريفا على مشروف و لا عربيا على عجمي و لا يصانع الرؤساء و أمراء القبائل كما يصنع الملوك و لا يستميل أحدا إلى نفسه و كان معاوية بخلاف ذلك فترك الناس عليا و التحقوا بمعاوية فشكا علي ع إلى الأشتر تخاذل أصحابه و فرار بعضهم إلى معاوية فقال الأشتر يا أمير المؤمنين إنا قاتلنا أهل البصرة بأهل البصرة و أهل الكوفة و رأي الناس واحد و قد اختلفوا بعد و تعادوا و ضعفت النية و قل العدد و أنت تأخذهم بالعدل و تعمل فيهم بالحق و تنصف الوضيع من الشريف فليس للشريف عندك فضل منزلة على الوضيع فضجت طائفة ممن معك من الحق إذ عموا به و اغتموا من العدل إذ صاروا فيه و رأوا صنائع معاوية عند أهل الغناء و الشرف فتاقت أنفس الناس إلى الدنيا و قل من ليس للدنيا بصاحب و أكثرهم يجتوي الحق و يشتري الباطل و يؤثر الدنيا فإن تبذل المال يا أمير المؤمنين تمل إليك أعناق الرجال و تصف نصيحتهم لك و تستخلص ودهم صنع الله لك يا أمير المؤمنين و كبت أعداءك و فض جمعهم و أوهن كيدهم و شتت أمورهم إنه بما يعملون خبير

فقال علي ع :

[ 198 ]

أما ما ذكرت من عملنا و سيرتنا بالعدل فإن الله عز و جل يقول مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ و أنا من أن أكون مقصرا فيما ذكرت أخوف و أما ما ذكرت من أن الحق ثقل عليهم ففارقونا لذلك فقد علم الله أنهم لم يفارقونا من جور و لا لجئوا إذ فارقونا إلى عدل و لم يلتمسوا إلا دنيا زائلة عنهم كأن قد فارقوها و ليسألن يوم القيامة أ للدنيا أرادوا أم لله عملوا و أما ما ذكرت من بذل الأموال و اصطناع الرجال فإنه لا يسعنا أن نؤتي امرأ من الفي‏ء أكثر من حقه و قد قال الله سبحانه و تعالى و قوله الحق كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اَللَّهِ وَ اَللَّهُ مَعَ اَلصَّابِرِينَ و قد بعث الله محمدا ص وحده فكثره بعد القلة و أعز فئته بعد الذلة و إن يرد الله أن يولينا هذا الأمر يذلل لنا صعبه و يسهل لنا حزنه و أنا قابل من رأيك ما كان لله عز و جل رضا و أنت من آمن الناس عندي و أنصحهم لي و أوثقهم في نفسي إن شاء الله . و ذكر الشعبي قال دخلت الرحبة بالكوفة و أنا غلام في غلمان فإذا أنا بعلي ع قائما على صبرتين من ذهب و فضة و معه مخفقة و هو يطرد الناس بمخفقته ثم يرجع إلى المال فيقسمه بين الناس حتى لم يبق منه شي‏ء ثم انصرف و لم يحمل إلى بيته قليلا و لا كثيرا فرجعت إلى أبي فقلت له لقد رأيت اليوم خير الناس أو أحمق الناس قال من هو يا بني قلت علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رأيته يصنع كذا فقصصت عليه فبكى و قال يا بني بل رأيت خير الناس .

[ 199 ]

و روى محمد بن فضيل عن هارون بن عنترة عن زاذان قال انطلقت مع قنبر غلام علي ع فإذا هو يقول قم يا أمير المؤمنين فقد خبأت لك خبيئا قال و ما هو ويحك قال قم معي فانطلق به إلى بيته و إذا بغرارة مملوءة من جامات ذهبا و فضة فقال يا أمير المؤمنين رأيتك لا تترك شيئا إلا قسمته فادخرت لك هذا من بيت المال فقال علي ع ويحك يا قنبر لقد أحببت أن تدخل بيتي نارا عظيمة ثم سل سيفه و ضربه ضربات كثيرة فانتثرت من بين إناء مقطوع نصفه و آخر ثلثه و نحو ذلك ثم دعا بالناس فقال اقسموه بالحصص ثم قام إلى بيت المال فقسم ما وجد فيه ثم رأى في البيت إبرا و مسال فقال و لتقسموا هذا فقالوا لا حاجة لنا فيه و قد كان علي ع يأخذ من كل عامل مما يعمل فضحك و قال ليؤخذن شره مع خيره . و روى عبد الرحمن بن عجلان قال كان علي ع يقسم بين الناس الأبزار و الحرف و الكمون و كذا و كذا .

و روى مجمع التيمي قال كان علي ع يكنس بيت المال كل جمعة و يصلي فيه ركعتين و يقول ليشهد لي يوم القيامة

و روى بكر بن عيسى عن عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه قال شهدت عليا ع و قد جاءه مال من الجبل فقام و قمنا معه و جاء الناس يزدحمون فأخذ حبالا فوصلها بيده و عقد بعضها إلى بعض ثم أدارها حول المال و قال لا أحل لأحد أن يجاوز هذا الحبل قال فقعد الناس كلهم من وراء الحبل و دخل هو فقال أين رءوس الأسباع و كانت الكوفة يومئذ أسباعا فجعلوا يحملون هذه الجوالق إلى هذه الجوالق و هذا إلى هذا حتى استوت القسمة سبعة أجزاء و وجد مع المتاع

[ 200 ]

رغيف فقال اكسروه سبع كسر و ضعوا على كل جزء كسرة ثم قال

هذا جناي و خياره فيه
إذ كل جان يده إلى فيه

ثم أقرع عليها و دفعها إلى رءوس الأسباع فجعل كل رجل منهم يدعو قومه فيحملون الجواليق

و روى مجمع عن أبي رجاء قال أخرج علي ع سيفا إلى السوق فقال من يشتري مني هذا فو الذي نفس علي بيده لو كان عندي ثمن إزار ما بعته فقلت له أنا أبيعك إزارا و أنسئك ثمنه إلى عطائك فدفعت إليه إزارا إلى عطائه فلما قبض عطاءه دفع إلي ثمن الإزار

و روى هارون بن سعيد قال قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لعلي ع يا أمير المؤمنين لو أمرت لي بمعونة أو نفقة فو الله ما لي نفقة إلا أن أبيع دابتي فقال لا و الله ما أجد لك شيئا إلا أن تأمر عمك أن يسرق فيعطيك

و روى بكر بن عيسى قال كان علي ع يقول يا أهل الكوفة إذا أنا خرجت من عندكم بغير راحلتي و رحلي و غلامي فلان فأنا خائن فكانت نفقته تأتيه من غلته بالمدينة بينبع و كان يطعم الناس منها الخبز و اللحم و يأكل هو الثريد بالزيت

و روى أبو إسحاق الهمداني أن امرأتين أتتا عليا ع إحداهما من العرب و الأخرى من الموالي فسألتاه فدفع إليهما دراهم و طعاما بالسواء فقالت إحداهما

[ 201 ]

إني امرأة من العرب و هذه من العجم فقال إني و الله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفي‏ء فضلا على بني إسحاق

و روى معاوية بن عمار عن جعفر بن محمد ع قال ما اعتلج على علي ع أمران في ذات الله إلا أخذ بأشدهما و لقد علمتم أنه كان يأكل يا أهل الكوفة عندكم من ماله بالمدينة و أن كان ليأخذ السويق فيجعله في جراب و يختم عليه مخافة أن يزاد عليه من غيره و من كان أزهد في الدنيا من علي ع

و روى النضر بن منصور عن عقبة بن علقمة قال دخلت على علي ع فإذا بين يديه لبن حامض آذتني حموضته و كسر يابسة فقلت يا أمير المؤمنين أ تأكل مثل هذا فقال لي يا أبا الجنوب كان رسول الله يأكل أيبس من هذا و يلبس أخشن من هذا و أشار إلى ثيابه فإن أنا لم آخذ بما أخذ به خفت ألا ألحق به

و روى عمران بن مسلمة عن سويد بن علقمة قال دخلت على علي ع بالكوفة فإذا بين يديه قعب لبن أجد ريحه من شدة حموضته و في يده رغيف ترى قشار الشعير على وجهه و هو يكسره و يستعين أحيانا بركبته و إذا جاريته فضة قائمة على رأسه فقلت يا فضة أ ما تتقون الله في هذا الشيخ أ لا نخلتم دقيقه فقالت إنا نكره أن نؤجر و يأثم نحن قد أخذ علينا ألا ننخل له دقيقا ما صحبناه قال و علي ع لا يسمع ما تقول فالتفت إليها فقال ما تقولين قالت سله فقال لي ما قلت لها قال فقلت إني قلت لها لو نخلتم دقيقه فبكى ثم قال بأبي و أمي من لم يشبع ثلاثا متوالية من خبز بر حتى فارق الدنيا و لم ينخل دقيقه قال يعني رسول الله ص

[ 202 ]

و روى يوسف بن يعقوب عن صالح بياع الأكسية أن جدته لقيت عليا ع بالكوفة و معه تمر يحمله فسلمت عليه و قالت له أعطني يا أمير المؤمنين هذا التمر أحمله عنك إلى بيتك فقال أبو العيال أحق بحمله قالت ثم قال لي أ لا تأكلين منه فقلت لا أريد قالت فانطلق به إلى منزله ثم رجع مرتديا بتلك الشملة و فيها قشور التمر فصلى بالناس فيها الجمعة

و روى محمد بن فضيل بن غزوان قال قيل لعلي ع كم تتصدق كم تخرج مالك أ لا تمسك قال إني و الله لو أعلم أن الله تعالى قبل مني فرضا واحدا لأمسكت و لكني و الله ما أدري أ قبل مني سبحانه شيئا أم لا

روى عنبسة العابد عن عبد الله بن الحسين بن الحسن قال أعتق علي ع في حياة رسول الله ص ألف مملوك مما مجلت يداه و عرق جبينه و لقد ولي الخلافة و أتته الأموال فما كان حلواه إلا التمر و لا ثيابه إلا الكرابيس

و روى العوام بن حوشب عن أبي صادق قال تزوج علي ع ليلى بنت مسعود النهشلية فضربت له في داره حجلة فجاء فهتكها و قال حسب أهل علي ما هم فيه

و روى حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد ع قال ابتاع علي ع في خلافته قميصا سملا بأربعة دراهم ثم دعا الخياط فمد كم القميص و أمره بقطع ما جاوز الأصابع . و إنما ذكرنا هذه الأخبار و الروايات و إن كانت خارجة عن مقصد الفصل لأن الحال اقتضى ذكرها من حيث أردنا أن نبين أن أمير المؤمنين ع لم يكن

[ 203 ]

يذهب في خلافته مذهب الملوك الذين يصانعون بالأموال و يصرفونها في مصالح ملكهم و ملاذ أنفسهم و أنه لم يكن من أهل الدنيا و إنما كان رجلا متألها صاحب حق لا يريد بالله و رسوله بدلا . و

روى علي بن محمد بن أبي يوسف المدائني أن طائفة من أصحاب علي ع مشوا إليه فقالوا يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال و فضل هؤلاء الأشراف من العرب و قريش على الموالي و العجم و استمل من تخاف خلافه من الناس و فراره و إنما قالوا له ذلك لما كان معاوية يصنع في المال فقال لهم أ تأمرونني أن أطلب النصر بالجور لا و الله لا أفعل ما طلعت شمس و ما لاح في السماء نجم و الله لو كان المال لي لواسيت بينهم فكيف و إنما هي أموالهم ثم سكت طويلا واجما ثم قال الأمر أسرع من ذلك قالها ثلاثا

[ 204 ]