أخبار الخوارج

قد تظافرت الأخبار حتى بلغت حد التواتر بما وعد الله تعالى قاتلي الخوارج من الثواب على لسان رسوله ص

و في الصحاح المتفق عليها : أن

[ 266 ]

رسول الله ص بينا هو يقسم قسما جاء رجل من بني تميم يدعى ذا الخويصرة فقال اعدل يا محمد فقال ع قد عدلت فقال له ثانية اعدل يا محمد فإنك لم تعدل فقال ص ويلك و من يعدل إذا لم أعدل فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله ائذن لي أضرب عنقه فقال دعه فسيخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر أحدكم إلى نصله فلا يجد شيئا فينظر إلى نضيه فلا يجد شيئا ثم ينظر إلى القذذ فكذلك سبق الفرث و الدم يخرجون على حين فرقة من الناس تحتقر صلاتكم في جنب صلاتهم و صومكم عند صومهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم آيتهم رجل أسود أو قال أدعج مخدج اليد إحدى يديه كأنها ثدي امرأة أو بضعة تدردر

و في بعض الصحاح : أن رسول الله ص قال لأبي بكر و قد غاب الرجل

[ 267 ]

عن عينه قم إلى هذا فاقتله فقام ثم عاد و قال وجدته يصلي فقال لعمر مثل ذلك فعاد و قال وجدته يصلي فقال لعلي ع مثل ذلك فعاد فقال لم أجده فقال رسول الله ص لو قتل هذا لكان أول فتنة و آخرها أما إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم الحديث . و في بعض الصحاح يقتلهم أولى الفريقين بالحق .

و في مسند أحمد بن حنبل عن مسروق قال : قالت لي عائشة إنك من ولدي و من أحبهم إلي فهل عندك علم من المخدج فقلت نعم قتله علي بن أبي طالب على نهر يقال لأعلاه تامرا و لأسفله النهروان بين لخاقيق و طرفاء قالت ابغني على ذلك بينة فأقمت رجالا شهدوا عندها بذلك قال فقلت لها سألتك بصاحب القبر ما الذي سمعت من رسول الله ص فيهم فقالت نعم سمعته يقول إنهم شر الخلق و الخليقة يقتلهم خير الخلق و الخليقة و أقربهم عند الله وسيلة

و في كتاب صفين للواقدي عن علي ع : لو لا أن تبطروا فتدعوا العمل لحدثتكم بما سبق على لسان رسول الله ص لمن قتل هؤلاء

و فيه قال علي ع : إذا حدثتكم عن رسول الله ص فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله ص و إذا حدثتكم فيما بيننا عن نفسي فإن الحرب خدعة و إنما أنا رجل محارب سمعت رسول الله ص يقول يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام قولهم من خير

[ 268 ]

أقوال أهل البرية صلاتهم أكثر من صلاتكم و قراءتهم أكثر من قراءتكم لا يجاوز إيمانهم تراقيهم أو قال حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة و في كتاب صفين أيضا للمدائني عن مسروق أن عائشة قالت له لما عرفت أن عليا ع قتل ذا الثدية لعن الله عمرو بن العاص فإنه كتب إلي يخبرني أنه قتله بالإسكندرية ألا إنه ليس يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من رسول الله ص يقول

يقتله خير أمتي من بعدي و ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ أن عليا ع لما دخل الكوفة دخلها معه كثير من الخوارج و تخلف منهم بالنخيلة و غيرها خلق كثير لم يدخلوها فدخل حرقوص بن زهير السعدي و زرعة بن البرج الطائي و هما من رءوس الخوارج على علي ع فقال له حرقوص تب من خطيئتك و اخرج بنا إلى معاوية نجاهده فقال له علي ع إني كنت نهيتكم عن الحكومة فأبيتم ثم الآن تجعلونها ذنبا أما إنها ليست بمعصية و لكنها عجز من الرأي و ضعف في التدبير و قد نهيتكم عنه فقال زرعة أما و الله لئن لم تتب من تحكيمك الرجال لأقتلنك أطلب بذلك وجه الله و رضوانه فقال علي ع بؤسا لك ما أشقاك كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح قال زرعة وددت أنه كان ذلك . قال و خرج علي ع يخطب الناس فصاحوا به من جوانب المسجد

[ 269 ]

لا حكم إلا لله و صاح به رجل منهم واضع إصبعه في أذنيه فقال و لقد أوحي إليك و إلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين فقال له علي ع فاصبر إن وعد الله حق و لا يستخفنك الذين لا يوقنون . و روى ابن ديزيل في كتاب صفين قال كانت الخوارج في أول ما انصرفت عن رايات علي ع تهدد الناس قتلا قال فأتت طائفة منهم على النهر إلى جانب قرية فخرج منها رجل مذعورا آخذا بثيابه فأدركوه فقالوا له رعبناك قال أجل فقالوا له قد عرفناك أنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ص قال نعم قالوا فما سمعت من أبيك يحدث عن رسول الله ص .

قال ابن ديزيل فحدثهم أن رسول الله ص قال : إن فتنة جائية القاعد فيها خير من القائم الحديث .

و قال غيره بل حدثهم : أن طائفة تمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية يقرءون القرآن صلاتهم أكثر من صلاتكم الحديث فضربوا رأسه فسال دمه في النهر ما امذقر أي ما اختلط بالماء كأنه شراك ثم دعوا بجارية له حبلى فبقروا عما في بطنها .

و روى ابن ديزيل قال : عزم علي ع على الخروج من الكوفة إلى الحرورية و كان في أصحابه منجم فقال له يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة

[ 270 ]

و سر على ثلاث ساعات مضين من النهار فإنك إن سرت في هذه الساعة أصابك و أصحابك أذى و ضر شديد و إن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت و ظهرت و أصبت ما طلبت فقال له علي ع أ تدري ما في بطن فرسي هذه أ ذكر هو أم أنثى قال إن حسبت علمت فقال علي ع من صدقك بهذا فقد كذب بالقرآن قال الله تعالى إِنَّ اَللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ اَلْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي اَلْأَرْحامِ الآية ثم قال ع إن محمدا ص ما كان يدعي علم ما ادعيت علمه أ تزعم أنك تهدي إلى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها و تصرف عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها فمن صدقك بهذا فقد استغنى عن الاستعانة بالله جل ذكره في صرف المكروه عنه و ينبغي للموقن بأمرك أن يوليك الحمد دون الله جل جلاله لأنك بزعمك هديته إلى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها و صرفته عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها فمن آمن بك في هذا لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ضدا و ندا اللهم لا طير إلا طيرك و لا ضر إلا ضرك و لا إله غيرك ثم قال نخالف و نسير في الساعة التي نهيتنا عنها ثم أقبل على الناس فقال أيها الناس إياكم و التعلم للنجوم إلا ما يهتدى به في ظلمات البر و البحر إنما المنجم كالكاهن و الكاهن كالكافر و الكافر في النار أما و الله لئن بلغني أنك تعمل بالنجوم لأخلدنك السجن أبدا ما بقيت و لأحرمنك العطاء ما كان لي من سلطان ثم سار في الساعة التي نهاه عنها المنجم فظفر بأهل النهر و ظهر عليهم ثم قال لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الناس سار في الساعة التي أمر بها المنجم فظفر و ظهر أما إنه ما كان لمحمد ص منجم و لا لنا من بعده حتى فتح الله علينا بلاد كسرى و قيصر أيها الناس توكلوا على الله و ثقوا به فإنه يكفي ممن سواه

[ 271 ]

قال فروى مسلم الضبي عن حبة العرني قال لما انتهينا إليهم رمونا فقلنا لعلي ع يا أمير المؤمنين قد رمونا فقال لنا كفوا ثم رمونا فقال لنا ع كفوا ثم الثالثة فقال الآن طاب القتال احملوا عليهم . و روى أيضا عن قيس بن سعد بن عبادة أن عليا ع لما انتهى إليهم قال لهم أقيدونا بدم عبد الله بن خباب فقالوا كلنا قتله فقال احملوا عليهم و ذكر أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل أن أول من قال لا حكم إلا لله عروة بن حدير قالها بصفين و قيل زيد بن عاصم المحاربي قال و كان أميرهم أول ما اعتزلوا ابن الكواء ثم بايعوا لعبد الله بن وهب الراسبي و كان أحد الخطباء فقال لهم عند بيعتهم إياه إياكم و الرأي الفطير و الكلام الفضيب دعوا لرأي يغب فإن غبوبه يكشف للمرء عن قضته و ازدحام الجواب مضلة للصواب و ليس الرأي بالارتجال و لا الحزم بالاقتضاب فلا تدعونكم السلامة من خطأ موبق و غنيمة نلتموها من غير صواب إلى معاودته و التماس الربح من جهته إن الرأي ليس بنهنهي و لا هو ما أعطتك البديهة و إن خمير الرأي خير من فطيره و رب شي‏ء غابه خير من طريئه و تأخيره خير من تقديمه . و ذكر المدائني في كتاب الخوارج قال لما خرج علي ع إلى أهل النهر أقبل رجل من أصحابه ممن كان على مقدمته يركض حتى انتهى إلى علي ع

[ 272 ]

فقال البشرى يا أمير المؤمنين قال ما بشراك قال إن القوم عبروا النهر لما بلغهم وصولك فأبشر فقد منحك الله أكتافهم فقال له آلله أنت رأيتهم قد عبروا قال نعم فأحلفه ثلاث مرات في كلها يقول نعم فقال علي ع و الله ما عبروه و لن يعبروه و إن مصارعهم لدون النطفة و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لن يبلغوا الأثلاث و لا قصر بوازن حتى يقتلهم الله و قد خاب من افترى قال ثم أقبل فارس آخر يركض فقال كقول الأول فلم يكترث علي ع بقوله و جاءت الفرسان تركض كلها تقول مثل ذلك فقام علي ع فجال في متن فرسه قال فيقول شاب من الناس و الله لأكونن قريبا منه فإن كانوا عبروا النهر لأجعلن سنان هذا الرمح في عينه أ يدعي علم الغيب فلما انتهى ع إلى النهر وجد القوم قد كسروا جفون سيوفهم و عرقبوا خيلهم و جثوا على ركبهم و حكموا تحكيمة واحدة بصوت عظيم له زجل فنزل ذلك الشاب فقال يا أمير المؤمنين إني كنت شككتك فيك آنفا و إني تائب إلى الله و إليك فاغفر لي فقال علي ع إن الله هو الذي يغفر الذنوب فاستغفره . و ذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في الكامل قال لما واقفهم علي ع بالنهروان قال لا تبدءوهم بقتال حتى يبدءوكم فحمل منهم رجل على صف علي ع فقتل منهم ثلاثة ثم قال

أقتلهم و لا أرى عليا
و لو بدا أوجرته الخطيا

فخرج إليه علي ع فضربه فقتله فلما خالطه سيفه قال يا حبذا الروحة إلى الجنة فقال عبد الله بن وهب و الله ما أدري إلى الجنة أم إلى النار فقال رجل منهم

[ 273 ]

من بني سعد إنما حضرت اغترارا بهذا الرجل يعني عبد الله و أراه قد شك و اعتزل عن الحرب بجماعة من الناس و مال ألف منهم إلى جهة أبي أيوب الأنصاري و كان على ميمنة علي ع فقال علي ع لأصحابه احملوا عليهم فو الله لا يقتل منكم عشرة و لا يسلم منهم عشرة فحمل عليهم فطحنهم طحنا قتل من أصحابه ع تسعة و أفلت من الخوارج ثمانية و ذكر أبو العباس و ذكر غيره أيضا أن أمير المؤمنين ع لما وجه إليهم عبد الله بن عباس ليناظرهم قال لهم ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين قالوا له قد كان للمؤمنين أميرا فلما حكم في دين الله خرج من الإيمان فليتب بعد إقراره بالكفر نعد إليه قال ابن عباس ما ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه بشك أن يقر على نفسه بالكفر قالوا إنه حكم قال إن الله أمر بالتحكيم في قتل صيد فقال يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين فقالوا إنه حكم عليه فلم يرض فقال إن الحكومة كالإمامة و متى فسق الإمام وجبت معصيته و كذلك الحكمان لما خالفا نبذت أقاويلهما فقال بعضهم لبعض اجعلوا احتجاج قريش حجة عليهم فإن هذا من الذين قال الله فيهم بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ و قال جل ثناؤه وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا . قال أبو العباس و يقال إن أول من حكم عروة بن أدية و أدية جدة له جاهلية و هو عروة بن حدير أحد بني ربيعة بن حنظلة و قال قوم أول من حكم رجل من بني

[ 274 ]

محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان يقال له سعيد و لم يختلفوا في اجتماعهم على عبد الله بن وهب الراسبي و أنه امتنع عليهم و أومأ إلى غيره فلم يقنعوا إلا به فكان إمام القوم و كان يوصف برأي فأما أول سيف سل من سيوف الخوارج فسيف عروة بن أدية و ذاك أنه أقبل على الأشعث فقال له ما هذه الدنية يا أشعث و ما هذا التحكيم أ شرط أوثق من شرط الله عز و جل ثم شهر عليه السيف و الأشعث مول فضرب به عجز بغلته . قال أبو العباس و عروة بن حدير هذا من النفر الذين نجوا من حرب النهروان فلم يزل باقيا مدة من أيام معاوية ثم أتي به زياد و معه مولى له فسأله عن أبي بكر و عمر فقال خيرا فقال له فما تقول في أمير المؤمنين عثمان و في أبي تراب فتولى عثمان ست سنين من خلافته ثم شهد عليه بالكفر و فعل في أمر علي ع مثل ذلك إلى أن حكم ثم شهد عليه بالكفر ثم سأله عن معاوية فسبه سبا قبيحا ثم سأله عن نفسه فقال له أولك لزنية و آخرك لدعوة و أنت بعد عاص لربك فأمر به فضربت عنقه ثم دعا مولاه فقال له صف لي أموره قال أ أطنب أم أختصر قال بل اختصر قال ما أتيته بطعام بنهار قط و لا فرشت له فراشا بليل قط . قال أبو العباس و سبب تسميتهم الحرورية أن عليا ع لما ناظرهم بعد مناظرة ابن عباس إياهم كان فيما قال لهم أ لا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحف قلت لكم إن هذه مكيدة و وهن و إنهم لو قصدوا إلى حكم المصاحف لأتوني و سألوني التحكيم أ فتعلمون أن أحدا كان أكره للتحكيم مني قالوا صدقت قال فهل تعلمون أنكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم إليه فاشترطت أن حكمهما نافذ ما حكما

[ 275 ]

بحكم الله فمتى خالفاه فأنا و أنتم من ذلك برآء و أنتم تعلمون أن حكم الله لا يعدوني قالوا اللهم نعم قال و كان معهم في ذلك الوقت ابن الكواء قال و هذا من قبل أن يذبحوا عبد الله بن خباب و إنما ذبحوه في الفرقة الثانية بكسكر فقالوا له حكمت في دين الله برأينا و نحن مقرون بأنا كنا كفرنا و لكنا الآن تائبون فأقر بمثل ما أقررنا به و تب ننهض معك إلى الشام فقال أ ما تعلمون أن الله تعالى قد أمر بالتحكيم في شقاق بين الرجل و امرأته فقال سبحانه فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها و في صيد أصيب كأرنب يساوي نصف درهم فقال يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فقالوا له فإن عمرا لما أبى عليك أن تقول في كتابك هذا ما كتبه عبد الله علي أمير المؤمنين محوت اسمك من الخلافة و كتبت علي بن أبي طالب فقد خلعت نفسك فقال لي في رسول الله ص عليه أسوة حين أبى عليه سهيل بن عمرو أن يكتب هذا كتاب كتبه محمد رسول الله ص و سهيل بن عمرو و قال له لو أقررت بأنك رسول الله ما خالفتك و لكني أقدمك لفضلك فاكتب محمد بن عبد الله فقال لي يا علي امح رسول الله فقلت يا رسول الله لا تشجعني نفسي على محو اسمك من النبوة قال فقضى عليه فمحاه بيده ثم قال اكتب محمد بن عبد الله ثم تبسم إلي و قال يا علي أما إنك ستسام مثلها فتعطي فرجع معه منهم ألفان من حروراء و قد كانوا تجمعوا بها فقال لهم علي ما نسميكم ثم قال أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء و روى جميع أهل السير كافة أن عليا ع لما طحن القوم طلب ذا الثدية طلبا

[ 276 ]

شديدا و قلب القتلى ظهرا لبطن فلم يقدر عليه فساءه ذلك و جعل يقول و الله ما كذبت و لا كذبت اطلبوا الرجل و إنه لفي القوم فلم يزل يتطلبه حتى وجده و هو رجل مخدج اليد كأنها ثدي في صدره . و روى إبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين عن الأعمش عن زيد بن وهب قال لما شجرهم علي ع بالرماح قال اطلبوا ذا الثدية فطلبوه طلبا شديدا حتى وجدوه في وهدة من الأرض تحت ناس من القتلى فأتي به و إذا رجل على ثديه مثل سبلات السنور فكبر علي ع و كبر الناس معه سرورا بذلك . و روى أيضا عن مسلم الضبي عن حبة العرني قال كان رجلا أسود منتن الريح له ثدي كثدي المرأة إذا مدت كانت بطول اليد الأخرى و إذا تركت اجتمعت و تقلصت و صارت كثدي المرأة عليها شعرات مثل شوارب الهرة فلما وجدوه قطعوا يده و نصبوها على رمح ثم جعل علي ع ينادي صدق الله و بلغ رسوله لم يزل يقول ذلك هو و أصحابه بعد العصر إلى أن غربت الشمس أو كادت . و روى ابن ديزيل أيضا قال لما عيل صبر علي ع في طلب المخدج قال ائتوني ببغلة رسول الله ص فركبها و اتبعه الناس فرأى القتلى و يقول اقلبوا فيقلبون قتيلا عن قتيل حتى استخرجوه فسجد علي ع . و روى كثير من الناس أنه لما دعا بالبغلة ليركبها قال ائتوني بها فإنها هادئة فوقفت به على المخدج فأخرجه من تحت قتلى كثيرين . و روى العوام بن حوشب عن أبيه عن جده يزيد بن رويم قال قال علي ع

[ 277 ]

يقتل اليوم أربعة آلاف من الخوارج أحدهم ذو الثدية فلما طحن القوم و رام استخراج ذي الثدية فأتبعه أمرني أن أقطع له أربعة آلاف قصبة و ركب بغلة رسول الله ص و قال اطرح على كل قتيل منهم قصبة فلم أزل كذلك و أنا بين يديه و هو راكب خلفي و الناس يتبعونه حتى بقيت في يدي واحدة فنظرت إليه و إذا وجهه أربد و إذا هو يقول و الله ما كذبت و لا كذبت فإذا خرير ماء عند موضع دالية فقال فتش هذا ففتشته فإذا قتيل قد صار في الماء و إذا رجله في يدي فجذبتها و قلت هذه رجل إنسان فنزل عن البغلة مسرعا فجذب الرجل الأخرى و جررناه حتى صار على التراب فإذا هو المخدج فكبر علي ع بأعلى صوته ثم سجد فكبر الناس كلهم .

و قد روى كثير من المحدثين أن النبي ص قال لأصحابه يوما إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فقال أبو بكر أنا يا رسول الله فقال لا فقال عمر أنا يا رسول الله فقال لا بل خاصف النعل و أشار إلى علي ع و قال أبو العباس في الكامل يقال إن أول من لفظ بالحكومة و لم يشد بها رجل من بني سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر من بني صريم يقال له الحجاج بن عبد الله و يعرف بالبرك و هو الذي ضرب آخرا معاوية على أليته يقال إنه لما سمع بذكر الحكمين قال أ يحكم أمير المؤمنين الرجال في دين الله لا حكم إلا لله فسمعه سامع فقال طعن و الله فأنفذ . قال أبو العباس و أول من حكم بين الصفين رجل من بني يشكر بن بكر

[ 278 ]

بن وائل كان من أصحاب علي ع فحمل على رجل منهم فقتله غيلة ثم مرق بين الصفين يحكم و حمل على أصحاب معاوية فكثروه فرجع إلى ناحية علي ع فخرج إليه رجل من همدان فقتله فقال شاعر همدان

و ما كان أغنى اليشكري عن التي
تصلى بها جمرا من النار حاميا
غداة ينادي و الرماح تنوشه
خلعت عليا بادئا و معاويا

قال أبو العباس و قد روى المحدثون أن رجلا تلا بحضرة علي ع قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً فقال علي ع أهل حروراء منهم

قال أبو العباس و من شعر أمير المؤمنين ع الذي لا اختلاف فيه أنه قاله و كان يردده أنهم لما ساموه أنه يقر بالكفر و يتوب حتى يسيروا معه إلى الشام فقال أ بعد صحبة رسول الله ص و التفقه في الدين أرجع كافرا ثم قال

يا شاهد الله علي فاشهد
أني على دين النبي أحمد
من شك في الله فإني مهتد

و ذكر أبو العباس أيضا في الكامل أن عليا ع في أول خروج القوم عليه دعا صعصعة بن صوحان العبدي و قد كان وجهه إليهم و زياد بن النضر الحارثي مع عبد الله بن عباس فقال لصعصعة بأي القوم رأيتهم أشد إطافة قال بيزيد بن قيس الأرحبي فركب علي ع إلى حروراء فجعل يتخللهم حتى صار إلى مضرب يزيد بن قيس فصلى فيه ركعتين ثم خرج فاتكأ على قوسه و أقبل

[ 279 ]

على الناس فقال هذا مقام من فلج فيه فلج يوم القيامة ثم كلمهم و ناشدهم فقالوا إنا أذنبنا ذنبا عظيما بالتحكيم و قد تبنا فتب إلى الله كما تبنا نعد لك فقال علي ع أنا أستغفر الله من كل ذنب فرجعوا معه و هم ستة آلاف فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن عليا ع رجع عن التحكيم و رآه ضلالا و قالوا إنما ينتظر أمير المؤمنين أن يسمن الكراع و تجبى الأموال ثم ينهض بنا إلى الشام فأتى الأشعث عليا ع فقال يا أمير المؤمنين إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالا و الإقامة عليها كفرا فقام علي ع يخطب فقال من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب و من رآها ضلالا فقد ضل فخرجت حينئذ الخوارج من المسجد فحكمت . قلت كل فساد كان في خلافة علي ع و كل اضطراب حدث فأصله الأشعث و لو لا محاقته أمير المؤمنين ع في معنى الحكومة في هذه المرة لم تكن حرب النهروان و لكان أمير المؤمنين ع ينهض بهم إلى معاوية و يملك الشام فإنه ص حاول أن يسلك معهم مسلك التعريض و المواربة

و في المثل النبوي صلوات الله على قائله الحرب خدعة و ذاك أنهم قالوا له تب إلى الله

[ 280 ]

مما فعلت كما تبنا ننهض معك إلى حرب أهل الشام فقال لهم كلمة مجملة مرسلة يقولها الأنبياء و المعصومون و هي قوله أستغفر الله من كل ذنب فرضوا بها و عدوها إجابة لهم إلى سؤلهم وصفت له ع نياتهم و استخلص بها ضمائرهم من غير أن تتضمن تلك الكلمة اعترافا بكفر أو ذنب فلم يتركه الأشعث و جاء إليه مستفسرا و كاشفا عن الحال و هاتكا ستر التورية و الكناية و مخرجا لها من ظلمة الإجمال و ستر الحيلة إلى تفسيرها بما يفسد التدبير و يوغر الصدور و يعيد الفتنة و لم يستفسره ع عنها إلا بحضور من لا يمكنه أن يجعلها معه هدنة على دخن و لا ترقيقا عن صبوح و ألجأه بتضييق الخناق عليه إلى أن يكشف ما في نفسه و لا يترك الكلمة على احتمالها و لا يطويها على غرها فخطب بما صدع به عن صورة ما عنده مجاهرة فانتقض ما دبره و عادت الخوارج إلى شبهتها الأولى و راجعوا التحكيم و المروق و هكذا الدول التي تظهر فيها أمارات الانقضاء و الزوال يتاح لها أمثال الأشعث من أولي الفساد في الأرض سُنَّةَ اَللَّهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اَللَّهِ تَبْدِيلاً قال أبو العباس ثم مضى القوم إلى النهروان و قد كانوا أرادوا المضي إلى المدائن فمن طريف أخبارهم أنهم أصابوا في طريقهم مسلما و نصرانيا فقتلوا المسلم لأنه عندهم كافر إذ كان على خلاف معتقدهم و استوصوا بالنصراني و قالوا احفظوا ذمة نبيكم

[ 281 ]

قال أبو العباس و نحو ذلك أن واصل بن عطاء رحمه الله تعالى أقبل في رفقة فأحسوا بالخوارج فقال واصل لأهل الرفقة إن هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا و دعوني و إياهم و كانوا قد أشرفوا على العطب فقالوا شأنك فخرج إليهم فقالوا ما أنت و أصحابك فقال قوم مشركون مستجيرون بكم ليسمعوا كلام الله و يفهموا حدوده قالوا قد أجرناكم قال فعلمونا فجعلوا يعلمونهم أحكامهم و يقول واصل قد قبلت أنا و من معي قالوا فامضوا مصاحبين فقد صرتم إخواننا فقال بل تبلغوننا مأمننا لأن الله تعالى يقول وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اَللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ قال فينظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا ذاك لكم فساروا معهم بجمعهم حتى أبلغوهم المأمن . قال أبو العباس و لقيهم عبد الله بن خباب في عنقه مصحف على حمار و معه امرأته و هي حامل فقالوا له إن هذا الذي في عنقك ليأمرنا بقتلك فقال لهم ما أحياه القرآن فأحيوه و ما أماته فأميتوه فوثب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فيه فصاحوا به فلفظها تورعا و عرض لرجل منهم خنزير فضربه فقتله فقالوا هذا فساد في الأرض و أنكروا قتل الخنزير ثم قالوا لابن خباب حدثنا عن أبيك

فقال إني سمعت أبي يقول سمعت رسول الله ص يقول ستكون بعدي فتنة

[ 282 ]

يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه يمسي مؤمنا و يصبح كافرا فكن عبد الله المقتول و لا تكن القاتل قالوا فما تقول في أبي بكر و عمر فأثنى خيرا قالوا فما تقول في علي قبل التحكيم و في عثمان في السنين الست الأخيرة فأثنى خيرا قالوا فما تقول في علي بعد التحكيم و الحكومة قال إن عليا أعلم بالله و أشد توقيا على دينه و أنفذ بصيرة فقالوا إنك لست تتبع الهدى إنما تتبع الرجال على أسمائهم ثم قربوه إلى شاطئ النهر فأضجعوه فذبحوه . قال أبو العباس و ساوموا رجلا نصرانيا بنخلة له فقال هي لكم فقالوا ما كنا لنأخذها إلا بثمن فقال وا عجباه أ تقتلون مثل عبد الله بن خباب و لا تقبلون جنا نخلة إلا بثمن . و روى أبو عبيدة معمر بن المثنى قال طعن واحد من الخوارج يوم النهروان فمشى في الرمح و هو شاهر سيفه إلى أن وصل إلى طاعنه فضربه فقتله و هو يقرأ وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى‏ . و روى أبو عبيدة أيضا قال استنطقهم علي ع بقتل عبد الله بن خباب فأقروا به فقال انفردوا كتائب لأسمع قولكم كتيبة كتيبة فتكتبوا كتائب و أقرت كل كتيبة بمثل ما أقرت به الأخرى من قتل ابن خباب و قالوا و لنقتلنك كما قتلناه فقال علي و الله لو أقر أهل الدنيا كلهم بقتله هكذا و أنا أقدر على قتلهم به لقتلتهم ثم التفت إلى أصحابه فقال لهم شدوا عليهم فأنا أول من يشد عليهم و حمل

[ 283 ]

بذي الفقار حملة منكرة ثلاث مرات كل حملة يضرب به حتى يعوج متنه ثم يخرج فيسويه بركبتيه ثم يحمل به حتى أفناهم .

و روى محمد بن حبيب قال خطب علي ع الخوارج يوم النهر فقال لهم نحن أهل بيت النبوة و موضع الرسالة و مختلف الملائكة و عنصر الرحمة و معدن العلم و الحكمة نحن أفق الحجاز بنا يلحق البطي‏ء و إلينا يرجع التائب أيها القوم إني نذير لكم أن تصبحوا صرعى بأهضام هذا الوادي إلى آخر الفصل

[ 284 ]