اختلاف الرأي في القول بوجوب الإمامة

هذا نص صريح منه ع بأن الإمامة واجبة و قد اختلف الناس في هذه

[ 308 ]

المسألة فقال المتكلمون كافة الإمامة واجبة إلا ما يحكى عن أبي بكر الأصم من قدماء أصحابنا أنها غير واجبة إذا تناصفت الأمة و لم تتظالم . و قال المتأخرون من أصحابنا إن هذا القول منه غير مخالف لما عليه الأمة لأنه إذا كان لا يجوز في العادة أن تستقيم أمور الناس من دون رئيس يحكم بينهم فقد قال بوجوب الرئاسة على كل حال اللهم إلا أن يقول إنه يجوز أن تستقيم أمور الناس من دون رئيس و هذا بعيد أن يقوله فأما طريق وجوب الإمامة ما هي فإن مشايخنا البصريين رحمهم الله يقولون طريق وجوبها الشرع و ليس في العقل ما يدل على وجوبها . و قال البغداديون و أبو عثمان الجاحظ من البصريين و شيخنا أبو الحسين رحمه الله تعالى إن العقل يدل على وجوب الرئاسة و هو قول الإمامية إلا أن الوجه الذي منه يوجب أصحابنا الرئاسة غير الوجه الذي توجب الإمامية منه الرئاسة و ذاك أن أصحابنا يوجبون الرئاسة على المكلفين من حيث كان في الرئاسة مصالح دنيوية و دفع مضار دنيوية و الإمامية يوجبون الرئاسة على الله تعالى من حيث كان في الرئاسة لطف و بعد للمكلفين عن مواقعة القبائح العقلية . و الظاهر من كلام أمير المؤمنين ع يطابق ما يقوله أصحابنا أ لا تراه كيف علل قوله لا بد للناس من أمير فقال في تعليله يجمع به الفي‏ء و يقاتل به العدو و تؤمن به السبل و يؤخذ للضعيف من القوي و هذه كلها من مصالح الدنيا . فإن قيل ذكرتم أن الناس كافة قالوا بوجوب الإمام فكيف يقول أمير المؤمنين ع عن الخوارج إنهم يقولون لا إمرة . قيل إنهم كانوا في بدء أمرهم يقولون ذلك و يذهبون إلى أنه لا حاجة إلى الإمام ثم رجعوا عن ذلك القول لما أمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي .

[ 309 ]

فإن قيل فسروا لنا ألفاظ أمير المؤمنين ع قيل إن الألفاظ كلها ترجع إلى إمرة الفاجر . قال يعمل فيها المؤمن أي ليست بمانعة للمؤمن من العمل لأنه يمكنه أن يصلي و يصوم و يتصدق و إن كان الأمير فاجرا في نفسه . ثم قال و يستمتع فيها الكافر أي يتمتع بمدته كما قال سبحانه للكافرين قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى اَلنَّارِ . و يبلغ الله فيها الأجل لأن إمارة الفاجر كإمارة البر في أن المدة المضروبة فيها تنتهي إلى الأجل المؤقت للإنسان . ثم قال و يجمع به الفي‏ء و يقاتل به العدو و تأمن به السبل و يؤخذ به للضعيف من القوي و هذا كله يمكن حصوله في إمارة الفاجر القوي في نفسه

و قد قال رسول الله ص إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر و قد اتفقت المعتزلة على أن أمراء بني أمية كانوا فجارا عدا عثمان و عمر بن عبد العزيز و يزيد بن الوليد و كان الفي‏ء يجمع بهم و البلاد تفتح في أيامهم و الثغور الإسلامية محصنة محوطة و السبل آمنة و الضعيف منصور على القوي الظالم و ما ضر فجورهم شيئا في هذه الأمور ثم قال ع فتكون هذه الأمور حاصلة إلى أن يستريح بر بموته أو يستراح من فاجر بموته أو عزله . فأما الرواية الثانية فإنه قد جعل التقي يعمل فيها للإمرة البرة خاصة . و باقي الكلام غني عن الشرح

[ 310 ]