رد المرتضى على ما أورده القاضي عبد الجبار من الدفاع عن عثمان

و اعترض المرتضى رحمه الله تعالى في الشافي فقال أما قوله من تثبت عدالته و وجب توليه إما قطعا أو على الظاهر فغير جائز أن يعدل فيه عن هذه الطريقة إلا بأمر متيقن فغير مسلم لأن من نتولاه على الظاهر و ثبتت عدالته عندنا من جهة غالب الظن يجب أن نرجع عن ولايته بما يقتضي غالب الظن دون اليقين و لهذا يؤثر في جرح الشهود و سقوط عدالتهم أقوال الجارحين و إن كانت مظنونة غير معلومة و ما يظهر من أنفسهم من الأفعال التي لها ظاهر يظن معه القبيح بهم حتى نرجع عما كنا عليه من القول بعدالتهم و إن لم يكن كل ذلك متيقنا و إنما يصح ما ذكره فيمن ثبتت عدالته على القطع و وجب توليه على الباطن فلا يجوز أن يؤثر في حاله ما يقتضي الظن لأن الظن لا يقابل العلم و الدلالة لا تقابل الأمارة . فإن قال لم أرد بقولي إلا بأمر متيقن أن كونه حدثا متيقن و إنما أردت تيقن وقوع الفعل نفسه . قلنا الأمران سواء في تأثير غلبة الظن فيهما و لهذا يؤثر في عدالة من تقدمت

[ 329 ]

عدالته عندنا على سبيل الظن أقوال من يخبرنا عنه بارتكاب القبائح إذا كانوا عدولا و إن كانت أقوالهم لا تقتضي اليقين بل يحصل عندها غالب الظن و كيف لا نرجع عن ولاية من توليناه على الظاهر بوقوع أفعال منه يقتضي ظاهرها خلاف الولاية و نحن إنما قلنا بعدالته في الأصل على سبيل الظاهر و مع التجويز لأن يكون ما وقع منه في الباطن قبيحا لا يستحق به التولي و التعظيم أ لا ترى أن من شاهدناه يلزم مجالس العلم و يكرر تلاوة القرآن و يدمن الصلاة و الصيام و الحج يجب أن نتولاه و نعظمه على الظاهر و إن جوزنا أن يكون جميع ما وقع منه مع خبث باطنه و أن غرضه في فعله القبيح فلم نتوله إلا على الظاهر و مع التجويز فكيف لا نرجع عن ولايته بما يقابل هذه الطريقة فأما من غاب عنا و تقدمت له أحوال تقتضي الولاية فيجب أن نستمر على ولايته و إن جوزنا على الغيبة أن يكون منتقلا عن الأحوال الجميلة التي عهدناها منه إلا أن هذا تجويز محض لا ظاهر معه يقابل ما تقدم من الظاهر الجميل و هو بخلاف ما ذكرناه من مقابلة الظاهر للظاهر و إن كان في كل واحد من الأمرين تجويز . قال و قد أصاب في قوله إن ما يحتمل لا ينتقل له عن التعظيم و التولي إن أراد بالاحتمال ما لا ظاهر له و أما ما له ظاهر و مع ذلك يجوز أن يكون الأمر فيه بخلاف ظاهره فإنه لا يسمى محتملا و قد يكون مؤثرا فيما ثبت من التولي على الظاهر على ما ذكرناه . قال فأما قوله إن الأحوال المتقررة في النفوس بالعادات فيمن نتولاه تؤثر ما لا يؤثر غيرها و تقتضي حمل أفعاله على الصحة و التأول له فلا شك أن ما ذكره مؤثر و طريق قوي إلى غلبة الظن إلا أنه ليس يقتضي ما يتقرر في نفوسنا لبعض من نتولاه على الظاهر أن نتأول كل ما يشاهد منه من الأفعال التي لها ظاهر قبيح و نحمل الجميع على

[ 330 ]

أجمل الوجوه و إن كان بخلاف الظاهر بل ربما تبين الأمر فيما يقع منه من الأفعال التي ظاهرها القبيح إلى أن تؤثر في أحواله المقررة و نرجع بها عن ولايته و لهذا نجد كثيرا من أهل العدالة المتقررة لهم في النفوس ينسلخون منها حتى يلحقوا بمن لا تثبت له في وقت من الأوقات عدالة و إنما يكون ذلك بما يتوالى منهم و يتكرر من الأفعال القبيحة الظاهرة . قال فأما ما استشهد به من أن مثل مالك بن دينار لو شاهدناه في دار فيها منكر لقوي في الظن حضوره لأجل التغيير و الإنكار أو على وجه الإكراه و الغلط و أن غيره يخالفه في هذا الباب فصحيح لا يخالف ما ذكرناه لأن مثل مالك بن دينار ممن تناصرت أمارات عدالته و شواهد نزاهته حالا بعد حال لا يجوز أن يقدح فيه فعل له ظاهر قبيح بل يجب لما تقدم من حاله أن نتأول فعله و نخرجه عن ظاهره إلى أجمل وجوهه و إنما وجب ذلك لأن الظنون المتقدمة أقوى و أولى بالترجيح و الغلبة فنجعلها قاضية على الفعل و الفعلين و لهذا متى توالت منه الأفعال القبيحة الظاهرة و تكررت قدحت في حاله و أثرت في ولايته كيف لا يكون كذلك و طريق ولايته في الأصل هو الظن و الظاهر و لا بد من قدح الظاهر في الظاهر و تأثير الظن في الظن على بعض الوجوه . قال فأما قوله فإن كل محتمل لو أخبرنا عنه و هو مما يغلب على الظن صدقه أنه فعله على أحد الوجهين وجب تصديقه فمتى عرف من حاله المتقررة في النفوس ما يطابق ذلك جرى مجرى الإخبار فأول ما فيه أن المحتمل هو ما لا ظاهر له من الأفعال و الذي يكون جواز كونه قبيحا كجواز كونه حسنا و مثل هذا الفعل لا يقتضي ولاية

[ 331 ]

و لا عداوة و إنما يقتضي الولاية ما له من الأفعال ظاهر جميل و يقتضي العداوة ما له ظاهر قبيح . فإن قال أردت بالمحتمل ما له ظاهر لكنه يجوز أن يكون الأمر بخلاف ظاهره . قيل له ما ذكرته لا يسمى محتملا فإن كنت عنيته فقد وضعت العبارة في غير موضعها و لا شك في أنه إذا كان ممن لو أخبرنا بأنه فعل الفعل على أحد الوجهين لوجب تصديقه و حمل الفعل على خلاف ظاهره فإن الواجب لما تقرر له في النفوس أن يتأول له و يعدل بفعله عن الوجه القبيح إلى الوجه الجميل إلا أنه متى توالت منه الأفعال التي لها ظواهر قبيحة فلا بد أن تكون مؤثرة في تصديقه متى خبرنا بأن غرضه في الفعل خلاف ظاهره كما تكون مانعة من الابتداء بالتأول . و ضربه المثل بأن من نراه يكلم امرأة حسناء في الطريق إذا أخبر أنها أخته أو امرأته في أن تصديقه واجب و لو لم يخبر بذلك لحملنا كلامه لها على أجمل الوجوه لما تقدم له في النفوس صحيح إلا أنه لا بد من مراعاة ما تقدم ذكره من أنه قد يقوى الأمر لقوة الأمارات و الظواهر إلى حد لا يجوز معه تصديقه و لا التأول له و لو لا أن الأمر قد ينتهي إلى ذلك لما صح أن يخرج أحد عندنا من الولاية إلى العداوة و لا من العدالة إلى خلافها لأنه لا شي‏ء مما يفعله الفساق المتهتكون إلا و يجوز أن يكون له باطن بخلاف الظاهر و مع ذلك فلا يلتفت إلى هذا التجويز يبين صحة ما ذكرناه أنا لو رأينا من يظن به الخير يكلم امرأة حسناء في الطريق و يداعبها و يضاحكها لظننا به الجميل مرة و مرات ثم ينتهي الأمر إلى ألا نظنه و كذلك لو شاهدناه و بحضرته المنكر لحملنا حضوره على الغلط أو الإكراه أو غير ذلك من الوجوه الجميلة ثم لا بد من انتهاء الأمر إلى أن نظن به القبيح و لا نصدقه في كلامه .

[ 332 ]

قال ثم نقول له أخبرنا عمن شاهدناه من بعد و هو مفترش امرأة نعلم أنها ليست له بمحرم و أن لها في الحال زوجا غيره و هو ممن تقررت له في النفوس عدالة متقدمة ما ذا يجب أن نظن به و هل نرجع بهذا الفعل عن ولايته أم نحمله على أنه غالط و متوهم أن المرأة زوجته أو على أنه مكره على الفعل أو غير ذلك من الوجوه الجميلة . فإن قال نرجع عن الولاية اعترف بخلاف ما قصده في الكلام و قيل له أي فرق بين هذا الفعل و بين جميع ما عددناه من الأفعال و ادعيت أن الواجب أن نعدل عن ظاهرها و ما جواز الجميل في ذلك إلا كجواز الجميل في هذا الفعل . و إن قال لا أرجع بهذا الفعل عن ولايته بل نؤوله على بعض الوجوه الجميلة . قيل له أ رأيت لو تكرر هذا الفعل و توالى هو و أمثاله حتى نشاهده حاضرا في دور القمار و مجالس اللهو و اللعب و نراه يشرب الخمر بعينها و كل هذا مما يجوز أن يكون عليه مكرها و في أنه القبيح بعينه غالطا أ كان يجب علينا الاستمرار على ولايته أم العدول عنها فإن قال نستمر و نتأول ارتكب ما لا شبهة في فساده و ألزم ما قد قدمنا ذكره من أنه لا طريق إلى الرجوع عن ولاية أحد و لو شاهدنا منه أعظم المناكير و وقف أيضا على أن طريق الولاية المتقدمة إذا كان الظن دون القطع فكيف لا نرجع عنها لمثل هذا الطريق فلا بد إذن من الرجوع إلى ما بيناه و فصلناه في هذا الباب . قال فأما قوله إن قول الإمام له مزية لأنه آكد من غيره فلا معنى له لأن قول الإمام على مذهبنا يجب أن يكون له مزية من حيث كان معصوما مأمون الباطن و على مذهبه إنما تثبت ولايته بالظاهر كما تثبت ولاية غيره من سائر المؤمنين فأي مزية له في هذا الباب .

[ 333 ]

و قوله إن ما ينقل عن الرسول و إن لم يكن مقطوعا عليه يؤثر في هذا الباب و يكون أقوى مما تقدم غير صحيح على إطلاقه لأن تأثير ما ينقل إذا كان يقتضي غلبة الظن لا شبهة فيه فأما تقويته على غيره فلا وجه له و قد كان يجب أن يبين من أي الوجوه يكون أقوى . فهذه جملة ما اعترض به المرتضى على الفصل الأول من كلام قاضي القضاة رحمه الله تعالى . تم الجزء الثاني من شرح نهج البلاغة