بقية رد المرتضى على ما أورده القاضي عبد الجبار من الدفاع عن عثمان

فأما كلام المرتضى رحمه الله تعالى على الفصل الثاني من كلام قاضي القضاة و هو الفصل المحكي عن شيخنا أبي علي رحمه الله تعالى فنحن نورده قال رحمه الله تعالى . أما قوله لو كان ما ذكر من الأحداث قادحا لوجب من الوقت الذي ظهرت الأحداث فيه أن يطلبوا رجلا ينصبونه في الإمامة لأن ظهور الحدث كموته فلما رأيناهم طلبوا إماما بعد قتله دل على بطلان ما أضافوه إليه من الأحداث فليس بشي‏ء معتمد لأن تلك الأحداث و إن كانت مزيلة عندهم لإمامته و فاسخة لها و مقتضية لأن يعقدوا لغيره الإمامة إلا أنهم لم يكونوا قادرين على أن يتفقوا على نصب غيره مع تشبثه بالأمر خوفا من الفتنة و التنازع و التجاذب و أرادوا أن يخلع نفسه حتى تزول الشبهة و ينشط من يصلح للأمر لقبول العقد و التكفل بالأمر و ليس يجري ذلك مجرى موته لأن موته يحسم الطمع في استمرار ولايته و لا تبقى شبهة في خلو الزمان من إمام و ليس كذلك حدثه الذي يسوغ فيه التأويل على بعده و تبقى معه الشبهة في استمرار أمره و ليس نقول إنهم لم يتمكنوا من ذلك كما سأل نفسه بل الوجه في عدولهم ما ذكرناه من إرادتهم حسم المواد و إزالة الشبهة و قطع أسباب الفتنة .

[ 5 ]

قال فأما قوله إنه معلوم من حال هذه الأحداث أنها لم تحصل أجمع في الأيام التي حصر فيها و قتل بل كانت تقع حالا بعد حال فلو كانت توجب الخلع و البراءة لما تأخر من المسلمين الإنكار عليه و لكان المقيمون من الصحابة بالمدينة أولى بذلك من الواردين من البلاد فلا شك أن الأحداث لم تحصل في وقت واحد إلا أنه غير منكر أن يكون نكيرهم إنما تأخر لأنهم تأولوا ما ورد عليهم من أفعاله على أجمل الوجوه حتى زاد الأمر و تفاقم و بعد التأويل و تعذر التخريج و لم يبق للظن الجميل طريق فحينئذ أنكروا و هذا مستمر على ما قدمنا ذكره من أن العدالة و الطريقة الجميلة يتأول لها في الفعل و الأفعال القليلة بحسب ما تقدم من حسن الظن به ثم ينتهي الأمر بعد ذلك إلى بعد التأويل و العمل على الظاهر القبيح . قال على أن الوجه الصحيح في هذا الباب أن أهل الحق كانوا معتقدين بخلعه من أول حدث بل معتقدين أن إمامته لم تثبت وقتا من الأوقات و إنما منعهم من إظهار ما في نفوسهم ما قدمناه من أسباب الخوف و التقية لأن الاعتذار بالوجل كان عاما فلما تبين أمره حالا بعد حال و أعرضت الوجوه عنه و قل العاذر له قويت الكلمة في خلعه و هذا إنما كان في آخر الأمر دون أوله فليس يقتضي الإمساك عنه إلى الوقت الذي وقع الكلام فيه نسبة الخطأ إلى الجميع على ما ظنه . قال فأما دفعه بأن تكون الأمة أجمعت على خلعه بخروجه نفسه و خروج من كان في حيزه عن القوم فليس بشي‏ء لأنه إذا ثبت أن من عداه و عدا عبيده و الرهيط من فجار أهله و فساقهم كمروان و من جرى مجراه كانوا مجمعين على خلعه فلا شبهة

[ 6 ]

في أن الحق في غير حيزه لأنه لا يجوز أن يكون هو المصيب و جميع الأمة مبطل و إنما يدعى أنه على الحق لمن ينازع في إجماع من عداه فأما مع التسليم لذلك فليس يبقى شبهة و ما نجد مخالفينا يعتبرون في باب الإجماع بإجماع الشذاذ و النفر القليل الخارجين من الإجماع أ لا ترى أنهم لا يحفلون بخلاف سعد و أهله و ولده في بيعه أبي بكر لقلتهم و كثرة من بإزائهم و لذلك لا يعتدون بخلاف من امتنع من بيعة أمير المؤمنين ع و يجعلونه شاذا لا تأثير بخلافه فكيف فارقوا هذه الطريقة في خلع عثمان و هل هذا إلا تقلب و تلون . قلت أما إذا احتج أصحابنا على إمامة أبي بكر بالإجماع فاعتراض حجتهم بخلاف سعد و ولده و أهله اعتراض جيد و ليس يقول أصحابنا في جوابه هؤلاء شذاذ فلا نحفل بخلافهم و إنما المعتبر بالكثرة التي بإزائهم و كيف يقولون هذا و حجتهم الإجماع و لا إجماع و لكنهم يجيبون عن ذلك بأن سعدا مات في خلافة عمر فلم يبق من يخالف في خلافة عمر فانعقد الإجماع عليها و بايع ولد سعد و أهله من قبل و إذا صحت خلافة عمر صحت خلافة أبي بكر لأنها فرع عليها و محال أن يصح الفرع و يكون الأصل فاسدا فهكذا يجيب أصحابنا عن الاعتراض بخلاف سعد إذا احتجوا بالإجماع فأما إذا احتجوا بالاختيار فلا يتوجه نحوهم الاعتراض بخلاف سعد و أهله و ولده لأنه ليس من شرط ثبوت الإمامة بالاختيار إجماع الأمة على الاختيار و إنما يكفي فيه بيعة خمسة من أهل الحل و العقد على الترتيب الذي يرتب أصحابنا الدلالة عليه و بهذا الطريق يثبت عندهم إمامة علي ع و لم يحفل بخلاف معاوية و أهل الشام فيها .

[ 7 ]

قال رحمه الله تعالى فأما قوله إن الصحابة كانت بين فريقين من نصره كزيد بن ثابت و ابن عمر و فلان و فلان و الباقون ممتنعون انتظارا لزوال العارض و لأنه ما ضيق عليهم الأمر في الدفع عنه فعجيب لأن الظاهر أن أنصاره هم الذين كانوا معه في الدار يقاتلون عنه و يدفعون الهاجمين عليه . فأما من كان في منزله ما أغنى عنه فتيلا فلا يعد ناصرا و كيف يجوز ممن أراد نصرته و كان معتقدا لصوابه و خطإ المطالبين له بالخلع أن يتوقف عن النصرة طلبا لزوال العارض و هل تراد النصرة إلا لدفع العارض و بعد زواله لا حاجة إليها و ليس يحتاج في نصرته إلى أن يضيق هو عليهم الأمر فيها بل من كان معتقدا لها لا يحتاج حمله إلى إذنه فيها و لا يحفل بنهيه عنها لأن المنكر مما قد تقدم أمر الله تعالى بالنهي عنه فليس يحتاج في إنكاره إلى أمر غيره . قال فأما زيد بن ثابت فقد روي ميله إلى عثمان و ما يغني ذلك و بإزائه جميع المهاجرين و الأنصار و لميله إليه سبب معروف فإن الواقدي روى في كتاب الدار أن مروان بن الحكم لما حصر عثمان الحصر الأخير أتى زيد بن ثابت فاستصحبه إلى عائشة ليكلمها في هذا الأمر فمضيا إليها و هي عازمة على الحج فكلماها في أن تقيم و تذب عنه فأقبلت على زيد بن ثابت فقالت و ما منعك يا ابن ثابت و لك الأشاريف قد اقتطعكها عثمان و لك كذا و كذا و أعطاك عثمان من بيت المال عشرة آلاف دينار قال زيد فلم أرجع عليها حرفا واحدا و أشارت إلى مروان بالقيام فقام مروان و هو يقول

[ 8 ]

حرق قيس علي البلاد
حتى إذا اضطرمت أجذما

فنادته عائشة و قد خرج من العتبة يا ابن الحكم أ علي تمثل الأشعار قد و الله سمعت ما قلت أ تراني في شك من صاحبك و الذي نفسي بيده لوددت أنه الآن في غرارة من غرائري مخيط عليه فألقيه في البحر الأخضر قال زيد بن ثابت فخرجنا من عندها على اليأس منها . و روى الواقدي أن زيد بن ثابت اجتمع عليه عصابة من الأنصار و هو يدعوهم إلى نصرة عثمان فوقف عليه جبلة بن عمرو بن حبة المازني فقال له و ما يمنعك يا زيد أن تذب عنه أعطاك عشرة آلاف دينار و حدائق من نخل لم ترث عن أبيك مثل حديقة منها . فأما ابن عمر فإن الواقدي روى أيضا عنه أنه قال و الله ما كان فينا إلا خاذل أو قاتل و الأمر على هذا أوضح من أن يخفى . فأما ما ذكره من إنفاذ أمير المؤمنين ع الحسن و الحسين ع فإنما أنفذهما إن كان أنفذهما ليمنعا من انتهاك حريمه و تعمد قتله و منع خرمه و نسائه من الطعام و الشراب و لم ينفذهما ليمنعا من مطالبته بالخلع و كيف و هو ع مصرح بأنه يستحق بإحداثه الخلع و القوم الذين سعوا في ذلك إليه كانوا يغدون و يروحون و معلوم منه ضرورة أنه كان مساعدا على خلعه و نقض أمره لا سيما في المرة الأخيرة فأما ادعاؤه أنه ع لعن قتلته فهو يعلم ما في هذا من الروايات المختلفة التي

[ 9 ]

هي أظهر من هذه الرواية و إن صحت فيجوز أن تكون محمولة على لعن من قتله متعمدا قتله قاصدا إليه فإن ذلك لم يكن لهم . فأما ادعاؤه أن طلحة رجع لما ناشده عثمان يوم الدار فظاهر البطلان و غير معروف في الرواية و الظاهر المعروف أنه لم يكن على عثمان أشد من طلحة و لا أغلظ منه . قال و لو حكينا من كلامه فيه ما قد روي لأفنينا قطعة كثيرة من هذا الكتاب و قد روي أن عثمان كان يقول يوم الدار اللهم اكفني طلحة و يكرر ذلك علما بأنه أشد القوم عليه و روي أن طلحة كان عليه يوم الدار درع و هو يرامي الناس و لم ينزع عن القتال حتى قتل الرجل . فأما ادعاؤه الرواية

عن رسول الله ص ستكون فتنة و أن عثمان و أصحابه يومئذ على الهدى فهو يعلم أن هذه الرواية الشاذة لا تكون في مقابلة المعلوم ضرورة من إجماع الأمة على خلعه و خذله و كلام وجوه المهاجرين و الأنصار فيه و بإزاء هذه الرواية ما يملأ الطروس عن النبي ص و غيره مما يتضمن ما تضمنته و لو كانت هذه الرواية معروفة لكان عثمان أولى الناس بالاحتجاج بها يوم الدار و قد احتج عليهم بكل غث و سمين و قبل ذلك لما خوصم و طولب بأن يخلع نفسه و لاحتج بها عنه بعض أصحابه و أنصاره و في علمنا بأن شيئا من ذلك لم يكن دلالة على أنها مصنوعة موضوعة . فأما ما رواه عن عائشة من قولها قتل و الله مظلوما فأقوال عائشة فيه معروفة و معلومة و إخراجها قميص رسول الله ص و هي تقول هذا قميصه لم يبل و قد أبلى عثمان سنته إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة .

[ 10 ]

فأما مدحها له و ثناؤها عليه فإنما كانا عقيب علمها بانتقال الأمر إلى من انتقل إليه و السبب فيه معروف و قد وقفت عليه و قوبل بين كلامها فيه متقدما و متأخرا . فأما قوله لا يمتنع أن يتعلق بأخبار الآحاد في ذلك لأنها في مقابلة ما يدعونه مما طريقه أيضا الآحاد فواضح البطلان لأن إطباق الصحابة و أهل المدينة إلا من كان في الدار معه على خلافه فإنهم كانوا بين مجاهد و مقاتل مبارز و بين متقاعد خاذل معلوم ضرورة لكل من سمع الأخبار و كيف يدعى أنها من جهة الآحاد حتى يعارض بأخبار شاذة نادرة و هل هذا إلا مكابرة ظاهرة . فأما قوله إنا لا نعدل عن ولايته بأمور محتملة فقد مضى الكلام في هذا المعنى و قلنا إن المحتمل هو ما لا ظاهر له و يتجاذبه أمور محتملة فأما ما له ظاهر فلا يسمى محتملا و إن سماه بهذه التسمية فقد بينا أنه مما يعدل من أجله عن الولاية و فصلنا ذلك تفصيلا بينا . و أما قوله إن للإمام أن يجتهد برأيه في الأمور المنوطة به و يكون مصيبا و إن أفضت إلى عاقبة مذمومة فأول ما فيه أنه ليس للإمام و لا غيره أن يجتهد في الأحكام و لا يجوز أن يعمل فيها إلا على النص ثم إذا سلمنا الاجتهاد فلا شك أن هاهنا أمورا لا يسوغ فيها الاجتهاد حتى يكون من خبرنا عنه بأنه اجتهد فيها غير مصوب و تفصيل هذه الجملة يبين عند الكلام على ما تعاطاه من الإعذار عن أحداثه على جهة التفصيل . قلت الكلام في هذا الموضع على سبيل الاستقصاء إنما يكون في الكتب الكلامية المبسوطة في مسألة الإمامة و ليس هذا موضع ذاك و لكن يكفي قاضي القضاة أن يقول

[ 11 ]

قد ثبت بالإجماع صحة إمامة عثمان فلا يجوز الرجوع عن هذا الإجماع إلا بإجماع معلوم على خلعه و إباحة قتله و لم يجمع المسلمون على ذلك لأنه قد كان بالمدينة من ينكر ذلك و إن قلوا و قد كان أهل الأمصار ينكرون ذلك كالشام و البصرة و الحجاز و اليمن و مكة و خراسان و كثير من أهل الكوفة و هؤلاء مسلمون فيجب أن تعتبر أقوالهم في الإجماع فإذا لم يدخلوا فيمن أجلب عليه لم ينعقد الإجماع على خلعه و لا على إباحة دمه فوجب البقاء على ما اقتضاه الإجماع الأول