بيعة جرير بن عبد الله البجلي لعلي

فأما خبر جرير بن عبد الله البجلي و بعث أمير المؤمنين ع إياه إلى معاوية فنحن نذكره نقلا من كتاب صفين لنصر بن مزاحم بن بشار المنقري و نذكر حال أمير المؤمنين ع منذ قدم الكوفة بعد وقعة الجمل و مراسلته معاوية و غيره و مراسلة معاوية له و لغيره و ما كان من ذلك في مبدأ حالتهما إلى أن سار علي ع إلى صفين .

قال نصر حدثني محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال لما قدم علي ع الكوفة بعد انقضاء أمر الجمل كاتب العمال فكتب إلى جرير بن عبد الله البجلي مع زحر بن قيس الجعفي و كان جرير عاملا لعثمان على ثغر همذان أما بعد ف إِنَّ اَللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اَللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ و إني أخبرك عن نبإ من سرنا إليه من جموع طلحة و الزبير عند نكثهم بيعتي و ما صنعوا بعاملي عثمان بن حنيف إني نهضت من المدينة بالمهاجرين و الأنصار حتى إذا كنت بالعذيب بعثت إلى أهل الكوفة الحسن بن علي و عبد الله بن عباس و عمار بن ياسر و قيس بن عبادة فاستنفرتهم فأجابوا فسرت بهم حتى نزلت بظهر البصرة فأعذرت في

[ 71 ]

الدعاء و أقلت العثرة و ناشدتهم عهد بيعتهم فأبوا إلا قتالي فاستعنت الله عليهم فقتل من قتل و ولوا مدبرين إلى مصرهم و سألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء فقبلت العافية و رفعت السيف و استعملت عليهم عبد الله بن العباس و سرت إلى الكوفة و قد بعثت إليك زحر بن قيس فاسأله عما بدا لك و السلام . قال فلما قرأ جرير الكتاب قام فقال أيها الناس هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع و هو المأمون على الدين و الدنيا و قد كان من أمره و أمر عدوه ما نحمد الله عليه و قد بايعه الناس الأولون من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان و لو جعل هذا الأمر شورى بين المسلمين كان أحقهم بها ألا و إن البقاء في الجماعة و الفناء في الفرقة و إن عليا حاملكم على الحق ما استقمتم فإن ملتم أقام ميلكم فقال الناس سمعا و طاعة رضينا رضينا . فكتب جرير إلى علي ع جواب كتابه بالطاعة . قال نصر و كان مع علي رجل من طيئ ابن أخت لجرير فحمل زحر بن قيس شعرا له إلى خاله جرير و هو

جرير بن عبد الله لا تردد الهدى
و بايع عليا إنني لك ناصح
فإن عليا خير من وطي‏ء الحصى
سوى أحمد و الموت غاد و رائح
و دع عنك قول الناكثين فإنما
أولاك أبا عمرو كلاب نوابح
و بايع إذا بايعته بنصيحة
و لا يك منها من ضميرك قادح
فإنك إن تطلب بها الدين تعطه
و إن تطلب الدنيا فإنك رابح

[ 72 ]

و إن قلت عثمان بن عفان حقه
علي عظيم و الشكور مناصح
فحق علي إذ وليك كحقه
و شكرك ما أوليت في الناس صالح
و إن قلت لا أرضى عليا إمامنا
فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح
أبى الله إلا أنه خير دهره
و أفضل من ضمت عليه الأباطح

قال نصر ثم إن جريرا قام في أهل همذان خطيبا فقال الحمد لله الذي اختار لنفسه الحمد و تولاه دون خلقه لا شريك له في الحمد و لا نظير له في المجد و لا إله إلا الله وحده الدائم القائم إله السماء و الأرض و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بالنور الواضح و الحق الناطق داعيا إلى الخير و قائدا إلى الهدى ثم قال أيها الناس إن عليا قد كتب إليكم كتابا لا يقال بعده إلا رجيع من القول و لكن لا بد من رد الكلام إن الناس بايعوا عليا بالمدينة عن غير محاباة له ببيعتهم لعلمه بكتاب الله و سنن الحق و إن طلحة و الزبير نقضا بيعته على غير محاباة حدثت و ألبا عليه الناس ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب و أخرجا أم المؤمنين فلقيهما فأعذر في الدعاء و أحسن في البقية و حمل الناس على ما يعرفون فهذا عيان ما غاب عنكم و إن سألتم الزيادة زدناكم و لا قوة إلا بالله ثم قال

أتانا كتاب علي فلم
ترد الكتاب بأرض العجم
و لم نعص ما فيه لما أتى
و لما نذم و لما نلم
و نحن ولاة على ثغرنا
نضيم العزيز و نحمي الذمم
نساقيهم الموت عند اللقاء
بكأس المنايا و نشفي القرم

[ 73 ]

فصلى الإله على أحمد
رسول المليك تمام النعم
رسول المليك و من بعده
خليفتنا القائم المدعم
عليا عنيت وصي النبي
نجالد عنه غواة الأمم
له الفضل و السبق و المكرمات
و بيت النبوة لا يهتضم

قال نصر فسر الناس بخطبة جرير و شعره . و قال ابن الأزور القسري في جرير يمدحه بذلك

لعمر أبيك و الأنباء تنمي
لقد جلى بخطبته جرير
و قال مقالة جدعت رجالا
من الحيين خطبهم كبير
بدا بك قبل أمته علي
و مخك إن رددت الحق رير
أتاك بأمره زحر بن قيس
و زحر بالتي حدثت خبير
فكنت لما أتاك به سميعا
و كدت إليه من فرح تطير
فأنت بما سعدت به ولي
و أنت لما تعد له نصير
و أحرزت الثواب و رب حاد
حدا بالركب ليس له بعير