دعوة علي معاوية إلى البيعة و الطاعة و رد معاوية عليه

قال نصر فلما أراد علي ع أن يبعث إلى معاوية رسولا قال له جرير ابعثني يا أمير المؤمنين إليه فإنه لم يزل لي مستخصا و ودا آتيه فأدعوه على أن يسلم لك هذا الأمر و يجامعك على الحق على أن يكون أميرا من أمرائك و عاملا من عمالك ما عمل بطاعة الله و اتبع ما في كتاب الله و أدعو أهل الشام إلى طاعتك و ولايتك فجلهم قومي و أهل بلادي و قد رجوت ألا يعصوني . فقال له الأشتر لا تبعثه و لا تصدقه فو الله إني لأظن هواه هواهم و نيته نيتهم .

فقال له علي ع دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا فبعثه علي ع و قال له ع حين أراد أن يبعثه إن حولي من أصحاب رسول الله ص من أهل الرأي و الدين من قد رأيت و قد اخترتك عليهم لقول رسول الله فيك

[ 75 ]

إنك من خير ذي يمن ائت معاوية بكتابي فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون و إلا فانبذ إليه و أعلمه إني لا أرضى به أميرا و أن العامة لا ترضى به خليفة . فانطلق جرير حتى أتى الشام و نزل بمعاوية فلما دخل عليه حمد الله و أثنى عليه و قال أما بعد يا معاوية فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين و أهل المصرين و أهل الحجاز و أهل اليمن و أهل مصر و أهل العروض و العروض عمان و أهل البحرين و اليمامة فلم يبق إلا هذه الحصون التي أنت فيها لو سال عليها سيل من أوديته غرقها و قد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك و يهديك إلى مبايعة هذا الرجل و دفع إليه كتاب علي ع

و فيه أما بعد فإن بيعتي بالمدينة لزمتك و أنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بويعوا عليه فلم يكن للشاهد أن يختار و لا للغائب أن يرد و إنما الشورى للمهاجرين و الأنصار إذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه فإن أبى قاتلوه على اتباع سبيل المؤمنين و ولاه الله ما تولى و يصليه جهنم و ساءت مصيرا و إن طلحة و الزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي فكان نقضهما كردتهما فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق و ظهر أمر الله و هم كارهون فادخل فيما دخل فيه المسلمون فإن أحب الأمور إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء فإن تعرضت له قاتلتك و استعنت بالله عليك . و قد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس ثم حاكم القوم إلي أحملك

[ 76 ]

و إياهم على كتاب الله فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن و لعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان و اعلم أنك من الطلقاء الذين لا يحل لهم الخلافة و لا تعرض فيهم الشورى و قد أرسلت إليك و إلى من قبلك جرير بن عبد الله البجلي و هو من أهل الإيمان و الهجرة فبايع و لا قوة إلا بالله . فلما قرأ الكتاب قام جرير فخطب فقال الحمد لله المحمود بالعوائد و المأمول منه الزوائد المرتجى منه الثواب المستعان على النوائب أحمده و أستعينه في الأمور التي تحير دونها الألباب و تضمحل عندها الأسباب و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كل شي‏ء هالك إلا وجهه له الحكم و إليه ترجعون و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بعد فترة من الرسل الماضية و القرون الخالية و أبدان البالية و الجبلة الطاغية فبلغ الرسالة و نصح للأمة و أدى الحق الذي استودعه الله و أمره بأدائه إلى أمته ص من رسول و مبتعث و منتجب . أيها الناس إن أمر عثمان قد أعيا من شهده فكيف بمن غاب عنه و إن الناس بايعوا عليا غير واتر و لا موتور و كان طلحة و الزبير ممن بايعاه ثم نكثا بيعته على غير حدث ألا و إن هذا الدين لا يحتمل الفتن ألا و إن العرب لا تحتمل الفتن و قد كانت بالبصرة أمس روعة ملحمة إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس

[ 77 ]

و قد بايعت الأمة عليا و لو ملكنا و الله الأمور لم نختر لها غيره و من خالف هذا استعتب فادخل يا معاوية فيما دخل فيه الناس . فإن قلت استعملني عثمان ثم لم يعزلني فإن هذا قول لو جاز لم يقم لله دين و كان لكل امرئ ما في يديه و لكن الله جعل للآخر من الولاة حق الأول و جعل الأمور موطأة ينسخ بعضها بعضا ثم قعد . قال نصر فقال معاوية أنظر و تنظر و أستطلع رأي أهل الشام . فمضت أيام و أمر معاوية مناديا ينادي الصلاة جامعة فلما اجتمع الناس صعد المنبر ثم قال الحمد لله الذي جعل الدعائم للإسلام أركانا و الشرائع للإيمان برهانا يتوقد قبسه في الأرض المقدسة جعلها الله محل الأنبياء و الصالحين من عباده فأحلهم أرض الشام و رضيهم لها و رضيها لهم لما سبق في مكنون علمه من طاعتهم و مناصحتهم خلفاءه و القوام بأمره و الذابين عن دينه و حرماته ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما و في سبيل الخيرات أعلاما يردع الله بهم الناكثين و يجمع بهم ألفة المؤمنين و الله نستعين على ما تشعب من أمر المسلمين بعد الالتئام و تباعد بعد القرب اللهم انصرنا على أقوام يوقظون نائمنا و يخيفون آمننا و يريدون إراقة دمائنا و إخافة سبلنا و قد علم الله أنا لا نريد لهم عقابا و لا نهتك لهم حجابا و لا نوطئهم زلقا غير أن الله الحميد كسانا

[ 78 ]

من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا ما جاوب الصدى و سقط الندى و عرف الهدى حملهم على ذلك البغي و الحسد فنستعين الله عليهم أيها الناس قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب و خليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان عليكم و أني لم أقم رجلا منكم على خزاية قط و أني ولي عثمان و قد قتل مظلوما و الله تعالى يقول وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً و أنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان . فقام أهل الشام بأجمعهم فأجابوا إلى الطلب بدم عثمان و بايعوه على ذلك و أوثقوا له على أن يبذلوا بين يديه أموالهم و أنفسهم حتى يدركوا بثأره أو تلتحق أرواحهم بالله . قال نصر فلما أمسى معاوية اغتم بما هو فيه و جنة الليل و عنده أهل بيته فقال

تطاول ليلي و اعترتني وساوسي
لآت أتى بالترهات البسابس
أتاني جرير و الحوادث جمة
بتلك التي فيها اجتداع المعاطس
أكايده و السيف بيني و بينه
و لست لأثواب الدني‏ء بلابس
إن الشام أعطت طاعة يمنية
تواصفها أشياخها في المجالس
فإن يفعلوا أصدم عليا بجبهة
تفت عليه كل رطب و يابس
و إني لأرجو خير ما نال نائل
و ما أنا من ملك العراق بآيس

قلت الجبهة هاهنا الخيل

و منه قول النبي ص ليس في الجبهة صدقة أي زكاة .

[ 79 ]

قال نصر فاستحثه جرير بالبيعة فقال يا جرير إنها ليست بخلسة و إنه أمر له ما بعده فأبلعني ريقي حتى أنظر و دعا ثقاته فأشار عليه أخوه بعمرو بن العاص و قال له إنه من قد عرفت و قد اعتزل عثمان في حياته و هو لأمرك أشد اعتزالا إلا أن يثمن له دينه . و قد ذكرنا فيما تقدم خبر استدعائه عمرا و ما شرط له من ولاية مصر و استقدامه شرحبيل بن السمط رئيس اليمنية و شيخها و المقدم عليها و تدسيس الرجال إليه يغرونه بعلي ع و يشهدون عنده أنه قتل عثمان حتى ملئوا صدره و قلبه حقدا و ترة و إحنة على علي ع و أصحابه بما لا حاجة إلى إعادته . قال نصر فحدثني محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال جاء شرحبيل إلى حصين بن نمير فقال ابعث إلى جرير فليأتنا فبعث حصين بن نمير إلى جرير أن زرنا فعندنا شرحبيل فاجتمعا عند حصين فتكلم شرحبيل

[ 80 ]

فقال يا جرير أتيتنا بأمر ملفف لتلقينا في لهوات الأسد و أردت أن تخلط الشام بالعراق و أطريت عليا و هو قاتل عثمان و الله سائلك عما قلت يوم القيامة . فأقبل عليه جرير و قال يا شرحبيل أما قولك إني جئت بأمر ملفف فكيف يكون ملففا و قد اجتمع عليه المهاجرون و الأنصار و قوتل على رده طلحة و الزبير . و أما قولك إني ألقيك في لهوات الأسد ففي لهواتها ألقيت نفسك . و أما خلط أهل الشام بأهل العراق فخلطهما على حق خير من فرقتهما على باطل . و أما قولك إن عليا قتل عثمان فو الله ما في يديك من ذلك إلا القذف بالغيب من مكان بعيد و لكنك ملت إلى الدنيا و شي‏ء كان في نفسك على زمن سعد بن أبي وقاص . فبلغ ما قالاه إلى معاوية فبعث إلى جرير فزجره قال نصر و كتب إلى شرحبيل كتاب لا يعرف كاتبه فيه .

شرحبيل يا ابن السمط لا تتبع الهوى
فما لك في الدنيا من الدين من بدل
و لا تك كالمجرى إلى شر غاية
فقد خرق السربال و استنوق الجمل
و قل لابن حرب ما لك اليوم خلة
تروم بها ما رمت و اقطع له الأمل
شرحبيل إن الحق قد جد جده
فكن فيه مأمون الأديم من النغل
و أرود و لا تفرط بشي‏ء نخافه
عليك و لا تعجل فلا خير في العجل

[ 81 ]

مقال ابن هند في علي عضيهة
و لله في صدر بن أبي طالب أجل
و ما من علي في ابن عفان سقطة
بقول و لا مالا عليه و لا قتل
و ما كان إلا لازما قعر بيته
إلى أن أتى عثمان في داره الأجل
فمن قال قولا غير هذا فحسبه
من الزور و البهتان بعض الذي احتمل
وصى رسول الله من دون أهله
و من باسمه في فضله يضرب المثل

قال نصر فلما قرأ شرحبيل الكتاب ذعر و فكر و قال هذه نصيحة لي في ديني و لا و الله لا أعجل في هذا الأمر بشي‏ء و في نفسي منه حاجة و كاد يحول عن نصر معاوية و يتوقف فلفق له معاوية الرجال يدخلون إليه و يخرجون و يعظمون عنده قتل عثمان و يرمون به عليا و يقيمون الشهادة الباطلة و الكتب المختلقة حتى أعادوا رأيه و شحذوا عزمه .

[ 82 ]

قال نصر و حدثنا عمر بن سعد بإسناده قال بعث معاوية إلى شرحبيل بن السمط إنه قد كان من إجابتك إلى الحق و ما وقع فيه أجرك على الله و قبله عنك صلحاء الناس ما علمت و إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يتم إلا برضا العامة فسر في مدائن الشام و ناد فيهم بأن عليا قتل عثمان و أنه يجب علي المسلمين أن يطلبوا بدمه . فسار شرحبيل فبدأ بأهل حمص فقام فيهم خطيبا و كان مأمونا في أهل الشام ناسكا متألها فقال أيها الناس إن عليا قتل عثمان فغضب له قوم من أصحاب رسول الله ص فلقيهم فهزم الجمع و قتل صلحاءهم و غلب على الأرض فلم يبق إلا الشام و هو واضع سيفه على عاتقه ثم خائض غمرات الموت حتى يأتيكم أو يحدث الله أمرا و لا نجد أحدا أقوى على قتاله من معاوية فجدوا و انهضوا . فأجابه الناس كلهم إلا نساكا من أهل حمص فإنهم قالوا له بيوتنا قبورنا و مساجدنا و أنت أعلم بما ترى . قال و جعل شرحبيل يستنهض مدائن الشام حتى استفرغها لا يأتي على قوم إلا قبلوا

[ 83 ]

ما أتاهم به فبعث إليه النجاشي بن الحارث و كان له صديقا .

شرحبيل ما للدين فارقت ديننا
و لكن لبغض المالكي جرير
و شحناء دبت بين سعد و بينه
فأصبحت كالحادي بغير بعير
و ما أنت إذ كانت بجيلة عاتبت
قريشا فيا لله بعد نصير
أ تفصل أمرا غبت عنه بشبهة
و قد حار فيه عقل كل بصير
بقول رجال لم يكونوا أئمة
و لا للتي لقوكها بحضور
و ما قول قوم غائبين تقاذفوا
من الغيب ما دلاهم بغرور
و تترك أن الناس أعطوا عهودهم
عليا على أنس به و سرور
إذا قيل هاتوا واحدا يقتدى به
نظيرا له لم يفصحوا بنظير
لعلك أن تشقى الغداة بحربه
فليس الذي قد جئته بصغير

قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن نمير بن وعلة عن الشعبي أن شرحبيل بن السمط بن الأسود بن جبلة الكندي دخل على معاوية فقال له أنت عامل أمير المؤمنين و ابن عمه و نحن المؤمنون فإن كنت رجلا تجاهد عليا و قتلة عثمان حتى ندرك ثارنا أو تذهب أرواحنا استعملناك علينا و إلا عزلناك و استعملنا غيرك ممن نريد ثم جاهدنا معه حتى ندرك بدم عثمان أو نهلك . فقال جرير بن عبد الله و كان حاضرا مهلا يا شرحبيل فإن الله قد حقن الدماء و لم الشعث و جمع أمر الأمة و دنا من هذه الأمة سكون فإياك أن تفسد بين الناس

[ 84 ]

و أمسك عن هذا القول قبل أن يشيع و يظهر عنك قول لا تستطيع رده فقال لا و الله لا أسرة أبدا ثم قام فتكلم به فقال الناس صدق صدق القول ما قال و الرأي ما رأى فأيس جرير عند ذلك من معاوية و من عوام أهل الشام . قال نصر و حدثني محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال كان معاوية قد أتى جريرا قبل ذلك في منزله فقال له يا جرير إني قد رأيت رأيا قال هاته قال اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام و مصر جباية فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده في عنقي بيعة و أسلم له هذا الأمر و اكتب إليه بالخلافة فقال جرير اكتب ما أردت أكتب معك . فكتب معاوية بذلك إلى علي

فكتب علي ع إلى جرير أما بعد فإنما أراد معاوية ألا يكون لي في عنقه بيعة و أن يختار من أمره ما أحب و أراد أن يريثك و يبطئك حتى يذوق أهل الشام و أن المغيرة بن شعبة قد كان أشار علي أن أستعمل معاوية على الشام و أنا حينئذ بالمدينة فأبيت ذلك عليه و لم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا فإن بايعك الرجل و إلا فأقبل و السلام . قال نصر و فشا كتاب معاوية في العرب فبعث إليه الوليد بن عقبة

معاوي إن الشام شامك فاعتصم
بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا
و حام عليها بالصوارم و القنا
و لا تك موهون الذراعين وانيا
و إن عليا ناظر ما تجيبه
فأهد له حربا تشيب النواصيا

[ 85 ]

و إلا فسلم إن في السلم راحة
لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا
و إن كتابا يا ابن حرب كتبته
على طمع يزجى إليك الدواهيا
سألت عليا فيه ما لن تناله
و لو نلته لم يبق إلا لياليا
و سوف ترى منه التي ليس بعدها
بقاء فلا تكثر عليك الأمانيا
أ مثل علي تعتريه بخدعة
و قد كان ما جربت من قبل كافيا

قال و كتب الوليد بن عقبة إلى معاوية أيضا يوقظه و يشير عليه بالحرب و ألا يكتب جواب جرير

معاوي إن الملك قد جب غاربه
و أنت بما في كفك اليوم صاحبه
أتاك كتاب من علي بخطه
هي الفصل فاختر سلمه أو تحاربه
فلا ترج عند الواترين مودة
و لا تأمن اليوم الذي أنت راهبه
و حاربه إن حاربت حرب ابن حرة
و إلا فسلم لا تدب عقاربه
فإن عليا غير ساحب ذيله
على خدعة ما سوغ الماء شاربه
و لا قابل ما لا يريد و هذه
يقوم بها يوما عليه نوادبه
فلا تدعن الملك و الأمر مقبل
و تطلب ما أعيت عليك مذاهبه
فإن كنت تنوي أن تجيب كتابه
فقبح ممليه و قبح كاتبه
و إن كنت تنوي أن ترد كتابه
و أنت بأمر لا محالة راكبه
فألق إلى الحي اليمانين كلمة
تنال بها الأمر الذي أنت طالبه
تقول أمير المؤمنين أصابه
عدو و مالأهم عليه أقاربه
أفانين منهم قائل و محرض
بلا ترة كانت و آخر سالبه

[ 86 ]

و كنت أميرا قبل بالشام فيكم
فحسبي و إياكم من الحق واجبه
فجيئوا و من أرسى ثبيرا مكانه
ندافع بحرا لا ترد غواربه
فأقلل و أكثر ما لها اليوم صاحب
سواك فصرح لست ممن تواربه

قال نصر و خرج جرير يوما يتجسس الأخبار فإذا هو بغلام يتغنى على قعود له هو يقول

حكيم و عمار الشجا و محمد
و أشتر و المكشوح جروا الدواهيا
و قد كان فيها للزبير عجاجة
و صاحبه الأدنى أثاروا الدواهيا
فأما علي فاستجار ببيته
فلا آمر فيها و لم يك ناهيا
فقل في جميع الناس ما شئت بعده
فلو قلت أخطأ الناس لم تك خاطيا
و إن قلت عم القوم فيه بفتنة
فحسبك من ذاك الذي كان كافيا
فقولا لأصحاب النبي محمد
و خصا الرجال الأقربين الأدانيا
أ يقتل عثمان بن عفان بينكم
على غير شي‏ء ليس إلا تعاميا
فلا نوم حتى نستبيح حريمكم
و نخضب من أهل الشنان العواليا

فقال جرير يا ابن أخي من أنت فقال غلام من قريش و أصلي من ثقيف أنا ابن المغيرة بن الأخنس بن شريق قتل أبي مع عثمان يوم الدار فعجب جرير

[ 87 ]

من شعره و قوله و كتب بذلك إلى علي ع فقال علي و الله ما أخطأ الغلام شيئا . قال نصر و في حديث صالح بن صدقة قال أبطأ جرير عند معاوية حتى اتهمه الناس و قال علي ع قد وقت لجرير وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا و أبطأ على علي حتى أيس منه .

قال و في حديث محمد و صالح بن صدقة قالا فكتب علي ع إلى جرير بعد ذلك إذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل ثم خيره و خذه بالجواب بين حرب مخزية أو سلم محظية فإن اختار الحرب فانبذ إليه و إن اختار السلم فخذه ببيعته و السلام . قال فلما انتهى الكتاب إلى جرير أتى معاوية فأقرأه الكتاب و قال له يا معاوية إنه لا يطبع على قلب إلا بذنب و لا يشرح صدر إلا بتوبة و لا أظن قلبك إلا مطبوعا عليه أراك قد وقفت بين الحق و الباطل كأنك تنتظر شيئا في يد غيرك . فقال معاوية ألقاك بالفصل في أول مجلس إن شاء الله . فلما بايع معاوية أهل الشام بعد أن ذاقهم قال يا جرير الحق بصاحبك و كتب إليه بالحرب و كتب في أسفل الكتاب شعر كعب بن جعيل

أرى الشام تكره أهل العراق
و أهل العراق لهم كارهونا

[ 88 ]

و قد ذكرنا هذا الشعر فيما تقدم . و قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتاب الكامل إن عليا ع لما أراد أن يبعث جريرا إلى معاوية قال و الله يا أمير المؤمنين ما أدخرك من نصرتي شيئا و ما أطمع لك في معاوية فقال علي ع إنما قصدي حجة أقيمها عليه فلما أتى جرير معاوية دافعه بالبيعة فقال له جرير إن المنافق لا يصلي حتى لا يجد من الصلاة بدا فقال معاوية إنها ليست بخدعة الصبي عن اللبن فأبلغني ريقي إنه أمر له ما بعده . قال و كتب مع جرير إلى علي ع جوابا عن كتابه إليه من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب أما بعد فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك و أنت بري‏ء من دم عثمان كنت كأبي بكر و عمر و عثمان و لكنك أغريت بعثمان المهاجرين و خذلت عنه الأنصار فأطاعك الجاهل و قوي بك الضعيف و قد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين و لعمري ليس حججك علي كحججك على طلحة و الزبير لأنهما بايعاك و لم أبايعك و ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة لأن أهل البصرة أطاعوك و لم يطعك أهل الشام فأما شرفك في الإسلام و قرابتك من النبي ص و موضعك من قريش فلست أدفعه .

[ 89 ]

ثم كتب في آخر الكتاب شعر كعب بن جعيل الذي أوله

أرى الشام تكره أهل العراق
و أهل العراق لهم كارهونا

قال أبو العباس المبرد رحمه الله تعالى فكتب إليه علي ع جوابا عن كتابه هذا من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى معاوية بن صخر بن حرب أما بعد فإنه أتاني منك كتاب امرئ ليس له بصر يهديه و لا قائد يرشده دعاه الهوى فأجابه و قاده الضلال فاتبعه زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان و لعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا و أصدرت كما أصدروا و ما كان الله ليجمعهم على الضلال و لا ليضربهم بالعمى و بعد فما أنت و عثمان إنما أنت رجل من بني أمية و بنو عثمان أولى بمطالبة دمه فإن زعمت أنك أقوى على ذلك فادخل فيما دخل فيه المسلمون ثم حاكم القوم إلي و أما تمييزك بينك و بين طلحة و الزبير و بين أهل الشام و أهل البصرة فلعمري ما الأمر فيما هناك إلا سواء لأنها بيعة شاملة لا يستثنى فيها الخيار و لا يستأنف فيها النظر و أما شرفي في الإسلام و قرابتي من رسول الله ص و موضعي من قريش فلعمري لو استطعت دفعه لدفعته . قال ثم دعا النجاشي أحد بني الحارث بن كعب فقال له إن ابن جعيل شاعر أهل الشام و أنت شاعر أهل العراق فأجب الرجل فقال يا أمير المؤمنين أسمعني قوله قال إذن أسمعك شعر شاعر ثم أسمعه فقال النجاشي يجيبه

[ 90 ]

دعا يا معاوي ما لن يكونا
فقد حقق الله ما تحذرونا
أتاكم علي بأهل العراق
و أهل الحجاز فما تصنعونا
على كل جرداء خيفانة
و أشعث نهد يسر العيونا
عليها فوارس مخشية
كأسد العرين حمين العرينا
يرون الطعان خلال العجاج
و ضرب الفوارس في النقع دينا
هم هزموا الجمع جمع الزبير
و طلحة و المعشر الناكثينا
و آلوا يمينا على حلفة
لنهدي إلى الشام حربا زبونا
تشيب النواهد قبل المشيب
و تلقى الحوامل منها الجنينا
فإن تكرهوا الملك ملك العراق
فقد رضي القوم ما تكرهونا
فقل للمضلل من وائل
و من جعل الغث يوما سمينا
جعلتم عليا و أشياعه
نظير ابن هند أ ما تستحونا
إلى أفضل الناس بعد الرسول
و صنو الرسول من العالمينا
و صهر الرسول و من مثله
إذا كان يوم يشيب القرونا

قلت أبيات كعب بن جعيل خير من هذه الأبيات و أخبث مقصدا و أدهى و أحسن . و زاد نصر بن مزاحم في هذه الرسالة بعد قوله و لا ليضربهم بالعمى و ما ألبت فتلزمني خطيئة الأمر و لا قتلت فيجب على القصاص و أما قولك إن

[ 91 ]

أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز فهات رجلا من أهل الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة فإن زعمت ذلك كذبك المهاجرون و الأنصار و إلا أتيتك به من قريش الحجاز و أما ولوعك بي في أمر عثمان فما قلت ذلك عن حق العيان و لا يقين الخبر . و هذه الزيادة التي ذكرها نصر بن مزاحم تقتضي أنه كان في كتاب معاوية إليه ع أن أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز و ما وجدنا هذا الكلام في كتابه