أخبار متفرقة

و روى نصر بن مزاحم قال لما قتل عثمان ضربت الركبان إلى الشام بقتله فبينا معاوية يوما إذا أقبل رجل متلفف فكشف عن وجهه و قال لمعاوية يا أمير المؤمنين أ تعرفني قال نعم أنت الحجاج بن خزيمة بن الصمة فأين تريد قال إليك القربان نعي ابن عفان ثم قال

إن بني عمك عبد المطلب
هم قتلوا شيخكم غير كذب
و أنت أولى الناس بالوثب فثب
و اغضب معاوي للإله و احتسب
و سر بنا سير الجرير المتلئب
و انهض بأهل الشام ترشد و تصب
ثم اهزز الصعدة للشأس الشغب

قال يعني عليا ع قلت المتلئب المستقيم المطرد يقال هذا قياس متلئب أي مستمر مطرد

[ 92 ]

و يقال مكان شأس أي غليظ صلب و الشغب الهائج للشر و من رواه للشاسي بالياء فأصله الشاصي بالصاد و هو المرتفع يقال شصا السحاب إذا ارتفع فأبدل الصاد سينا و مراده هنا نسبة علي ع إلى التيه و الترفع عن الناس . قال نصر فقال له معاوية أ فيك مهز فقال نعم فقال أخبر الناس فقال الحجاج يا أمير المؤمنين و لم يخاطب معاوية بأمير المؤمنين قبلها إني كنت فيمن خرج مع يزيد بن أسد القسري مغيثا لعثمان فقدمت أنا و زفر بن الحارث فلقينا رجلا زعم أنه ممن قتل عثمان فقتلناه و إني أخبرك يا أمير المؤمنين إنك لتقوى على علي بدون ما يقوى به عليك لأن معك قوما لا يقولون إذا قلت و لا يسألون إذا أمرت و إن مع علي قوما يقولون إذا قال و يسألون إذا أمر فقليل ممن معك خير من كثير ممن معه و اعلم أنه لا يرضى علي إلا بالرضا و إن رضاه سخطك و لست و علي سواء علي لا يرضى بالعراق دون الشام و أنت ترضى بالشام دون العراق . قال نصر فضاق معاوية صدرا بما أتاه و ندم على خذلان عثمان و قال

أتاني أمر فيه للنفس غمة
و فيه بكاء للعيون طويل
و فيه فناء شامل و خزاية
و فيه اجتداع للأنوف أصيل
مصاب أمير المؤمنين و هدة
تكاد لها صم الجبال تزول
فلله عينا من رأى مثل هالك
أصيب بلا ذنب و ذاك جليل
تداعت عليه بالمدينة عصبة
فريقان منهم قاتل و خذول
دعاهم فصموا عنه عند دعائه
و ذاك على ما في النفوس دليل
ندمت على ما كان من تبعي الهوى
و قصري فيه حسرة و عويل

[ 93 ]

سأبغي أبا عمرو بكل مثقف
و بيض لها في الدار عين صليل
تركتك للقوم الذين هم هم
شجاك فما ذا بعد ذاك أقول
فلست مقيما ما حييت ببلدة
أجر بها ذيلي و أنت قتيل
فلا نوم حتى تشجر الخيل بالقنا
و يشفي من القوم الغواة غليل
و نطحنهم طحن الرحى بثفالها
و ذاك بما أسدوا إليك قليل
فأما التي فيها مودة بيننا
فليس إليها ما حييت سبيل
سألقحها حربا عوانا ملحة
و إني بها من عامنا لكفيل

قال نصر و افتخر الحجاج على أهل الشام بما كان من تسليمه على معاوية بأمره المؤمنين . قال نصر و حدثنا صالح بن صدقة عن ابن إسحاق عن خالد الخزاعي و غيره ممن لا يتهم أن عثمان لما قتل و أتي معاوية بكتاب علي ع بعزله عن الشام صعد المنبر و نادى في الناس أن يحضروا فحضروا فخطبهم فحمد الله و أثنى عليه و صلى على رسوله ثم قال يا أهل الشام قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب و خليفة عثمان و قد قتل و أنا ابن عمه و وليه و الله تعالى يقول وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً و أنا أحب أن تعلموني ما في نفوسكم من قتل خليفتكم .

[ 94 ]

فقام مرة بن كعب و في المسجد يومئذ أربعمائة رجل من أصحاب النبي ص أو نحوها فقال و الله لقد قمت مقامي هذا و إني لأعلم أن فيكم من هو أقدم صحبة لرسول الله ص مني و لكني شهدت رسول الله ص نصف النهار في يوم شديد الحر و هو يقول لتكونن فتنة حاضرة فمر رجل مقنع فقال رسول الله و هذا المقنع يومئذ على الهدى فقمت فأخذت بمنكبه و حسرت عن رأسه فإذا عثمان فأقبلت بوجهه على رسول الله ص و قلت هذا يا رسول الله فقال نعم فأصفق أهل الشام مع معاوية حينئذ و بايعوه على الطلب بدم عثمان أميرا لا يطمع في الخلافة ثم الأمر شورى . و روى إبراهيم بن الحسن بن ديزيل في كتاب صفين عن أبي بكر بن عبد الله الهذلي أن الوليد بن عقبة كتب إلى معاوية يستبطئه في الطلب بدم عثمان و يحرضه و ينهاه عن قطع الوقت بالمكاتبة

ألا أبلغ معاوية بن حرب
فإنك من أخي ثقة مليم
قطعت الدهر كالسدم المعنى
تهدر في دمشق و لا تريم

[ 95 ]

فإنك و الكتاب إلى علي
كدابغة و قد حلم الأديم
لك الويلات أقحمها عليهم
فخير الطالبي الترة الغشوم

قال فكتب معاوية إليه الجواب بيتا من شعر أوس بن حجر

و مستعجب مما يرى من أناتنا
و لو زبنته الحرب لم يترمرم

و روى ابن ديزيل قال لما عزم علي ع على المسير إلى الشام دعا رجلا فأمره أن يتجهز و يسير إلى دمشق فإذا دخل أناخ راحلته بباب المسجد و لا يلقي من ثياب سفره شيئا فإن الناس إذا رأوه عليه آثار الغربة سألوه فليقل لهم تركت عليا قد نهد إليكم بأهل العراق فانظر ما يكون من أمرهم ففعل الرجل ذلك فاجتمع الناس و سألوه فقال لهم فكثروا عليه يسألونه فأرسل

[ 96 ]

إليه معاوية بالأعور السلمي يسأله فأتاه فسأله فقال له فأتى معاوية فأخبره فنادى الصلاة جامعة ثم قام فخطب الناس و قال لهم إن عليا قد نهد إليكم في أهل العراق فما ترون فضرب الناس بأذقانهم على صدورهم لا يتكلمون فقام ذو الكلاع الحميري فقال عليك ام‏رأي و علينا ام‏فعال و هي لغة حمير . فنزل و نادى في الناس بالخروج إلى معسكرهم و عاد إلى علي ع فأخبره فنادى الصلاة جامعة ثم قام فخطب الناس فأخبرهم أنه قدم عليه رسول كان بعثه إلى الشام و أخبره أن معاوية قد نهد إلى العراق في أهل الشام فما الرأي . قال فاضطرب أهل المسجد هذا يقول الرأي كذا و هذا يقول الرأي كذا و كثر اللغط و اللجب فلم يفهم علي ع من كلامهم شيئا و لم يدر المصيب من المخطئ فنزل عن المنبر و هو يقول إنا لله و إنا إليه راجعون ذهب بها ابن آكلة الأكباد يعني معاوية . و روى ابن ديزيل عن عقبة بن مكرم عن يونس بن بكير عن الأعمش قال كان أبو مريم صديقا لعلي ع فسمع بما كان فيه علي ع من اختلاف أصحابه عليه فجاءه فلم يرع عليا ع إلا و هو قائم على رأسه بالعراق فقال له أبا مريم ما جاء بك نحوي قال ما جاء بي غيرك عهدي بك لو وليت أمر الأمة كفيتهم ثم سمعت بما أنت فيه من الاختلاف فقال يا أبا مريم إني منيت بشرار خلق الله أريدهم على الأمر الذي هو الرأي فلا يتبعونني .

[ 97 ]

و روى ابن ديزيل عن عبد الله بن عمر عن زيد بن الحباب عن علاء بن جرير العنبري عن الحكم بن عمير الثمالي و كانت أمه بنت أبي سفيان بن حرب قال قال رسول الله ص لأصحابه ذات يوم كيف بك يا أبا بكر إذا وليت قال لا يكون ذلك أبدا قال فكيف بك يا عمر إذا وليت فقال آكل حجرا لقد لقيت إذن شرا قال فكيف بك يا عثمان إذا وليت قال آكل و أطعم و أقسم و لا أظلم قال فكيف بك يا علي إذا وليت قال آكل الفوت و أحمي الجمرة و أقسم التمرة و أخفي الصور قال أي العورة فقال ص أما إنكم كلكم سيلي و سيرى الله أعمالكم ثم قال يا معاوية كيف بك إذا وليت قال الله و رسوله أعلم فقال أنت رأس الحطم و مفتاح الظلم حصبا و حقبا تتخذ الحسن قبيحا و السيئة حسنة يربو فيها الصغير و يهرم فيها الكبير أجلك يسير و ظلمك عظيم . و روى ابن ديزيل أيضا عن عمر بن عون عن هشيم عن أبي فلج عن عمرو بن ميمون قال قال عبد الله بن مسعود كيف أنتم إذا لقيتكم فتنة يهرم فيها الكبير و يربو فيها الصغير تجري بين الناس و يتخذونها سنة فإذا غيرت قيل هذا منكر . و روى ابن ديزيل قال حدثنا الحسن بن الربيع البجلي عن أبي إسحاق الفزاري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك في قوله تعالى فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ اَلَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ قال أكرم الله تعالى نبيه ع أن يريه في أمته ما يكره رفعه إليه و بقيت النقمة .

[ 98 ]

قال ابن ديزيل و حدثنا عبد الله بن عمر قال حدثنا عمرو بن محمد قال أخبرنا أسباط عن السدي عن أبي المنهال عن أبي هريرة قال قال رسول الله ص سألت ربي لأمتي ثلاث خلال فأعطاني اثنتين و منعني واحدة سألته ألا تكفر أمتي صفقة واحدة فأعطانيها و سألته ألا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم فأعطانيها و سألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها . قال ابن ديزيل و حدثنا يحيى بن عبد الله الكرابيسي قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو معاوية عن عمار بن زريق عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال إن الله تعالى قد آمننا أن يظلمنا و لم يؤمنا أن يفتننا أ رأيت إذا أنزلت فتنة كيف أصنع فقال عليك كتاب الله تعالى قال أ فرأيت إن جاء قوم كلهم يدعو إلى كتاب الله تعالى

فقال ابن مسعود سمعت رسول الله ص يقول إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق يعني عمارا .

و روى ابن ديزيل قال حدثنا يحيى بن زكريا قال حدثنا علي بن القاسم عن سعيد بن طارق عن عثمان بن القاسم عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله ص أ لا أدلكم على ما إن تساءلتم عليه لم تهلكوا إن وليكم الله و إن إمامكم علي بن أبي طالب فناصحوه و صدقوه فإن جبريل أخبرني بذلك . فإن قلت هذا نص صريح في الإمامة فما الذي تصنع المعتزلة بذلك . قلت يجوز أن يريد أنه إمامهم في الفتاوي و الأحكام الشرعية لا في الخلافة . و أيضا فإنا قد شرحنا من قول شيوخنا البغداديين ما محصله إن الإمامة كانت لعلي

[ 99 ]

ع إن رغب فيها و نازع عليها و إن أقرها في غيره و سكت عنها تولينا ذلك الغير و قلنا بصحة خلافته و أمير المؤمنين ع لم ينازع الأئمة الثلاثة و لا جرد السيف و لا استنجد بالناس عليهم فدل ذلك على إقراره لهم على ما كانوا فيه فلذلك توليناهم و قلنا فيهم بالطهارة و الخير و الصلاح و لو حاربهم و جرد السيف عليهم و استصرخ العرب على حربهم لقلنا فيهم ما قلناه فيمن عامله هذه المعاملة من التفسيق و التضليل . قال ابن ديزيل و حدثنا عمرو بن الربيع قال حدثنا السري بن شيبان عن عبد الكريم أن عمر بن الخطاب قال لما طعن يا أصحاب محمد تناصحوا فإنكم إن لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص و معاوية بن أبي سفيان . قلت إن محمد بن النعمان المعروف بالمفيد أحد الإمامية قال في بعض كتبه إنما أراد عمر بهذا القول إغراء معاوية و عمرو بن العاص بطلب الخلافة و إطماعهما فيها لأن معاوية كان عامله و أميره على الشام و عمرو بن العاص عامله و أميره على مصر و خاف أن يضعف عثمان عنها و أن تصير إلى علي ع فألقى هذه الكلمة إلى الناس لتنقل إليهما و هما بمصر و الشام فيتغلبا على هذين الإقليمين إن أفضت إلى علي ع . و هذا عندي من باب الاستنباطات التي يوجبها الشنآن و الحنق و عمر كان أتقى لله من أن يخطر له هذا و لكنه من فراسته الصادقة التي كان يعلم بها كثيرا من الأمور المستقبلة كما قال عبد الله بن عباس في وصفه و الله ما كان أوس بن حجر عنى أحدا سواه بقوله

الألمعي الذي يظن بك الظن
كان قد رأى و قد سمعا

[ 100 ]

و روى ابن ديزيل عن عفان بن مسلم عن وهب بن خالد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن مرة بن كعب قال ذكر رسول الله ص فتنة فقربها فمر رجل قد تقنع بثوبه فقال ع هذا و أصحابه يومئذ على الحق فقمت إليه فأخذت بمنكبه فقلت هو هذا فقال نعم فإذا هو عثمان بن عفان . قلت هذا الحديث قد رواه كثير من محققي أصحاب الحديث و رواه محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير بعدة روايات و ليس لقائل أن يقول فهذا الحديث إذا صححتموه كان حجة للسفيانية لأنا نقول الخبر يتضمن أن عثمان و أصحابه على الحق و هذا مذهبنا لأنا نذهب إلى أن عثمان قتل مظلوما و أنه و ناصريه يوم الدار على الحق و أن القوم الذين قتلوه لم يكونوا على الحق فأما معاوية و أهل الشام الذين حاربوا عليا ع بصفين فليسوا بداخلين في الخبر و لا في ألفاظ الخبر لفظ عموم يتعلق به أ لا ترى أنه ليس فيه كل من أظهر الانتصار لعثمان في حياته و بعد وفاته فهو على الحق و إنما خلاصته أنه ستقوم فتنة يكون عثمان فيها و أصحابه على الحق و نحن لا نأبى ذلك بل هو مذهبنا . و روى نصر بن مزاحم في كتاب صفين قال لما قدم عبيد الله بن عمر بن الخطاب على معاوية بالشام أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص إن الله قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم عبيد الله بن عمر و قد رأيت أن أقيمه خطيبا يشهد على علي بقتل عثمان و ينال منه فقال الرأي ما رأيت فبعث إليه فأتاه فقال له معاوية يا ابن أخي إن لك

[ 101 ]

اسم أبيك فانظر بمل‏ء عينيك و أنطق بمل‏ء فيك فأنت المأمون المصدق فاصعد المنبر و اشتم عليا و اشهد عليه أنه قتل عثمان . فقال أيها الأمير أما شتمه فإن أباه أبو طالب و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم فما عسى أن أقول في حسبه و أما بأسه فهو الشجاع المطرق و أما أيامه فما قد عرفت و لكني ملزمه دم عثمان فقال عمرو بن العاص قد و أبيك إذن نكأت القرحة . فلما خرج عبيد الله بن عمر قال معاوية أما و الله لو لا قتله الهرمزان و مخافته عليا على نفسه ما أتانا أبدا أ لا ترى إلى تقريظه عليا فقال عمرو يا معاوية إن لم تغلب فاخلب قال و خرج حديثهما إلى عبيد الله فلما قام خطيبا تكلم بحاجته فلما انتهى إلى أمر علي أمسك و لم يقل شيئا فلما نزل بعث إليه معاوية يا ابن أخي إنك بين عي و خيانة فبعث إليه إني كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان و عرفت أن الناس محتملوها عني فتركتها . قال فهجره معاوية و استخف به و فسقه فقال عبيد الله

معاوي لم أحرض بخطبة خاطب
و لم أك عيا في لؤي بن غالب
و لكنني زاولت نفسا أبية
على قذف شيخ بالعراقين غائب
و قذفي عليا بابن عفان جهرة
كذاب و ما طبي سجايا المكاذب
و لكنه قد قرب القوم جهده
و دبوا حواليه دبيب العقارب
فما قال أحسنتم و لا قد أسأتم
و أطرق إطراق الشجاع المواثب

[ 102 ]

فأما ابن عفان فأشهد أنه
أصيب بريئا لابسا ثوب تائب
و قد كان فيها للزبير عجاجة
و طلحة فيها جاهد غير لاعب
و قد أظهرا من بعد ذلك توبة
فيا ليت شعري ما هما في العواقب

قال فلما بلغ معاوية شعره بعث إليه فأرضاه و قال حسبي هذا منك . و روى نصر عن عبيد الله بن موسى قال سمعت سفيان بن سعيد المعروف بسفيان الثوري يقول ما أشك أن طلحة و الزبير بايعا عليا و ما نقما عليه جورا في حكم و لا استئثارا بفي‏ء و ما قاتل عليا أحد إلا و علي أولى بالحق منه . و روى نصر بن مزاحم أن عليا ع قدم من البصرة في غرة شهر رجب من سنة ست و ثلاثين إلى الكوفة و أقام بها سبعة عشر شهرا تجري الكتب بينه و بين معاوية و عمرو بن العاص حتى سار إلى الشام . قال نصر و قد روي من طريق أبي الكنود و غيره أنه قدم الكوفة بعد وقعة الجمل لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رجب سنة ست و ثلاثين .

قال نصر فدخل الكوفة و معه أشراف الناس من أهل البصرة و غيرهم فاستقبله أهل الكوفة و فيهم قراؤهم و أشرافهم فدعوا له بالبركة و قالوا يا أمير المؤمنين أين تنزل أ تنزل القصر قال لا و لكني أنزل الرحبة فنزلها و أقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى فيه ركعتين ثم صعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه و صلى على رسوله ثم قال

[ 103 ]

أما بعد يا أهل الكوفة فإن لكم في الإسلام فضلا ما لم تبدلوا و تغيروا دعوتكم إلى الحق فأجبتم و بدأتم بالمنكر فغيرتم ألا إن فضلكم فيما بينكم و بين الله فأما في الأحكام و القسم فأنتم أسوة غيركم ممن أجابكم و دخل فيما دخلتم فيه ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى و طول الأمل أما اتباع الهوى فيصد عن الحق و أما طول الأمل فينسي الآخرة ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة و إن الآخرة قد ترحلت مقبلة و لكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل الحمد لله الذي نصر وليه و خذل عدوه و أعز الصادق المحق و أذل الناكث المبطل عليكم بتقوى الله و طاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه من المستحلين المدعين المقابلين إلينا يتفضلون بفضلنا و يجاحدوننا أمرنا و ينازعوننا حقنا و يباعدوننا عنه فقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا ألا إنه قد قعد عن نصرتي رجال منكم و أنا عليهم عاتب زار فاهجروهم و أسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي و كان صاحب شرطته فقال و الله إني لأرى الهجر و سماع المكروه لهم قليلا و الله لو أمرتنا لنقتلنهم فقال علي ع سبحان الله يا مال جزت المدى و عدوت الحد فأغرقت في النزع فقال يا أمير المؤمنين لبعض الغشم أبلغ في أمر ينوبك من مهادنة الأعادي فقال علي ع ليس هكذا قضى الله يا مال قال سبحانه اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ فما بال ذكر الغشم

[ 104 ]

و قال تعالى وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ و الإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك فقد نهى الله عنه و ذاك هو الغشم فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي و كان ممن تخلف عنه فقال يا أمير المؤمنين أ رأيت القتلى حول عائشة و طلحة و الزبير علام قتلوا أو قال بم قتلوا فقال علي ع قتلوا بما قتلوا شيعتي و عمالي و قتلوا أخا ربيعة العبدي في عصابة من المسلمين قالوا إنا لا ننكث كما نكثتم و لا نغدر كما غدرتم فوثبوا عليهم فقتلوهم فسألتهم أن يدفعوا إلي قتلة إخواني أقتلهم بهم ثم كتاب الله حكم بيني و بينهم فأبوا علي و قاتلوني و في أعناقهم بيعتي و دماء قريب من ألف رجل من شيعتي فقتلتهم أ في شك أنت من ذلك فقال قد كنت في شك فأما الآن فقد عرفت و استبان لي خطأ القوم و أنك المهتدي المصيب . قال نصر و كان أشياخ الحي يذكرون أنه كان عثمانيا و قد شهد على ذلك صفين مع علي ع و لكنه بعد ما رجع كان يكاتب معاوية فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة و كان عليه كريما . قال ثم إن عليا ع تهيأ لينزل و قام رجال ليتكلموا فلما رأوه نزل جلسوا و سكتوا . قال و نزل علي ع بالكوفة على جعدة بن هبيرة المخزومي . قلت جعدة ابن أخته أم هانئ بنت أبي طالب كانت تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي فأولدها جعدة و كان شريفا .

[ 105 ]

قال نصر و لما قدم علي ع إلى الكوفة نزل على باب المسجد فدخل فصلى ثم تحول فجلس إليه الناس فسأل عن رجل من الصحابة كان نزل الكوفة فقال قائل استأثر الله به

فقال علي ع إن الله تبارك و تعالى لا يستأثر بأحد من خلقه إنما أراد الله جل ذكره بالموت إعزاز نفسه و إذلال خلقه و قرأ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ قال نصر فلما لحقه ع ثقله قالوا أ ننزل القصر فقال قصر الخبال لا تنزلوا فيه .

قال نصر و دخل سليمان بن صرد الخزاعي على علي ع مرجعه من البصرة فعاتبه و عذله و قال له ارتبت و تربصت و راوغت و قد كنت من أوثق الناس في نفسي و أسرعهم فيما أظن إلى نصرتي فما قعد بك عن أهل بيت نبيك و ما زهدك في نصرتهم فقال يا أمير المؤمنين لا تردن الأمور على أعقابها و لا تؤنبني بما مضى منها و استبق مودتي تخلص لك نصيحتي فقد بقيت أمور تعرف فيها عدوك من وليك فسكت عنه و جلس سليمان قليلا ثم نهض فخرج إلى الحسن بن علي ع و هو قاعد في باب المسجد فقال أ لا أعجبك من أمير المؤمنين و ما لقيت منه من التوبيخ و التبكيت فقال الحسن إنما يعاتب من ترجى مودته و نصيحته فقال لقد وثبت أمور ستشرع فيها القنا و تنتضى فيها السيوف و يحتاج فيها إلى أشباهي فلا

[ 106 ]

تستغشوا عتبي و لا تتهموا نصحي فقال الحسن رحمك الله ما أنت عندنا بظنين

قال نصر و دخل عليه سعيد بن قيس الأزدي فسلم عليه فقال و عليك السلام و إن كنت من المتربصين قال حاش لله يا أمير المؤمنين فإني لست من أولئك فقال لعل الله فعل ذلك . قال نصر و حدثنا عمر بن سعد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن مخنف قال دخلت مع أبي على علي ع مقدمه من البصرة و هو عام بلغت الحلم فإذا بين يديه رجال يؤنبهم

و يقول لهم ما أبطأ بكم عني و أنتم أشراف قومكم و الله إن كان من ضعف النية و تقصير البصيرة إنكم لبور و إن كان من شك في فضلي و مظاهرة علي إنكم لعدو . فقالوا حاش لله يا أمير المؤمنين نحن سلمك و حرب عدوك ثم اعتذر القوم فمنهم من ذكر عذرا و منهم من اعتل بمرض و منهم من ذكر غيبة فنظرت إليهم فعرفتهم فإذا عبد الله المعتم العبسي و حنظلة بن الربيع التميمي و كلاهما كانت له صحبة و إذا أبو بردة بن عوف الأزدي و إذا غريب بن شرحبيل الهمداني . قال و نظر علي ع إلى أبي

فقال و لكن مخنف بن مسلم و قومه لم يتخلفوا و لم يكن مثلهم كمثل القوم الذين قال الله تعالى فيهم وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ

[ 107 ]

أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً وَ لَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اَللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً . قال نصر ثم إن عليا ع مكث بالكوفة فقال الشني في ذلك [ شن بن عبد القيس ]

قل لهذا الإمام قد خبت الحرب
و تمت بذلك النعماء
و فرغنا من حرب من نقض العهد
و بالشام حية صماء
تنفث السم ما لمن نهشته
فارمها قبل أن تعض شفاء
إنه و الذي يحج له الناس
و من دون بيته البيداء
لضعيف النخاع إن رمي اليوم
بخيل كأنها أشلاء
تتبارى بكل أصيد كالفحل
بكفيه صعدة سمراء
إن تذره فما معاوية الدهر
بمعطيك ما أراك تشاء
و لنيل السماء أقرب من ذاك
و نجم العيوق و العواء
فأعد بالحد و الحديد إليهم
ليس و الله غير ذاك دواء

[ 108 ]

قال نصر و أتم علي ع صلاته يوم دخل الكوفة فلما كانت الجمعة خطب الناس فقال الحمد لله الذي أحمده و أستعينه و أستهديه و أعوذ بالله من الضلالة من يهد الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله انتجبه لأمره و اختصه بنبوته أكرم خلقه عليه و أحبهم إليه فبلغ رسالة ربه و نصح لأمته و أدى الذي عليه أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله و أقربه إلى رضوان الله و خيره في عواقب الأمور عند الله و بتقوى الله أمرتم و للإحسان و الطاعة خلقتم فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه فإنه حذر بأسا شديدا و اخشوا خشية ليست بتعذير و اعملوا في غير رياء و لا سمعة فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل له و من عمل لله مخلصا تولى الله أجره أشفقوا من عذاب الله فإنه لم يخلقكم عبثا و لم يترك شيئا من أمركم سدى قد سمى آثاركم و علم أعمالكم و كتب آجالكم فلا تغتروا بالدنيا فإنها غرارة لأهلها مغرور من اغتر بها و إلى فناء ما هي و إن الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون أسأل الله منازل الشهداء و مرافقة الأنبياء و معيشة السعداء فإنما نحن به و له . قال نصر ثم استعمل علي ع العمال و فرقهم في البلاد و كتب إلى معاوية مع جرير بن عبد الله البجلي ما تقدم ذكره

[ 109 ]

قال نصر و قال معاوية لعمرو بن العاص أيام كان جرير عنده ينتظر جوابه إنني قد رأيت أن نلقي إلى أهل مكة و أهل المدينة كتابا نذكر فيه أمر عثمان فإما أن ندرك به حاجتنا أو نكف القوم عنا فقال له عمرو إنما تكتب إلى ثلاثة نفر رجل راض بعلي فلا يزيده كتابك إلا بصيرة فيه أو رجل يهوي عثمان فلن يزيده كتابك على ما هو عليه أو رجل معتزل فلست في نفسه بأوثق من علي . قال علي ذاك فكتبا أما بعد فإنه مهما غاب عنا من الأمور فلم يغب عنا أن عليا قتل عثمان و الدليل على ذلك مكان قتلته منه و إنما نطلب قتلته حتى يدفعوا إلينا فنقتلهم بكتاب الله عز و جل فإن دفعهم علي إلينا كففنا عنه و جعلناها شورى بين المسلمين على ما جعلها عليه عمر بن الخطاب فأما الخلافة فلسنا نطلبها فأعينونا على أمرنا هذا و انهضوا من ناحيتكم فإن أيدينا و أيديكم إذا اجتمعت على أمر واحد هاب علي ما هو فيه و السلام . فكتب إليهما عبد الله بن عمر أما بعد فلعمري لقد أخطأتما موضع النصرة و تناولتماها من مكان بعيد و ما زاد الله من شك في هذا الأمر بكتابكما إلا شكا و ما أنتما و المشورة و ما أنتما و الخلافة أما أنت يا معاوية فطليق و أما أنت يا عمرو فظنين ألا فكفا أنفسكما فليس لكم فينا ولي و لا نصير و السلام . قال نصر و كتب رجل من الأنصار إليهما مع كتاب عبد الله بن عمر

[ 110 ]

معاوي إن الحق أبلج واضح
و ليس بما ربصت أنت و لا عمرو
نصبت ابن عفان لنا اليوم خدعة
كما نصب الشيخان إذ قضي الأمر

يعني طلحة و الزبير رحمهما الله

فهذا كهذاك البلا حذو نعله
سواء كرقراق يغر به السفر
رميتم عليا بالذي لا يضيره
و إن عظمت فيه المكيدة و المكر
و ما ذنبه إن نال عثمان معشر
أتوه من الأحياء تجمعهم مصر
فثار إليه المسلمون ببيعة
علانية ما كان فيها لهم قسر
و بايعه الشيخان ثم تحملا
إلى العمرة العظمى و باطنها الغدر
فكان الذي قد كان مما اقتصاصه
يطول فيا لله ما أحدث الدهر
و ما أنتما و النصر منا و أنتما
بعيثا حروب ما يبوخ لها جمر
و ما أنتما لله در أبيكما
و ذكركما الشورى و قد وضح الفجر

قال نصر و قام عدي بن حاتم الطائي إلى علي ع فقال يا أمير المؤمنين إن عندي رجلا لا يوازى به رجل و هو يريد أن يزور ابن عمه حابس بن سعد الطائي بالشام فلو أمرناه أن يلقى معاوية لعله أن يكسره و يكسر أهل الشام فقال علي

[ 111 ]

ع نعم فأمره عدي بذلك و كان اسم الرجل خفاف بن عبد الله . فقدم على ابن عمه حابس بن سعد بالشام و حابس سيد طي‏ء بها فحدث خفاف حابسا أنه شهد عثمان بالمدينة و سار مع علي إلى الكوفة و كان لخفاف لسان و هيئة و شعر فغدا حابس بخفاف إلى معاوية فقال إن هذا ابن عم لي قدم الكوفة مع علي و شهد عثمان بالمدينة و هو ثقة فقال له معاوية هات حدثنا عن عثمان فقال نعم حصره المكشوح و حكم فيه حكيم و وليه عمار و تجرد في أمره ثلاثة نفر عدي بن حاتم و الأشتر النخعي و عمرو بن الحمق و جد في أمره رجلان و طلحة و الزبير و أبرأ الناس منه علي قال ثم مه قال ثم تهافت الناس على علي بالبيعة تهافت الفراش حتى ضاعت النعل و سقط الرداء و وطئ الشيخ و لم يذكر عثمان و لم يذكر له ثم تهيأ للمسير و خف معه المهاجرون و الأنصار و كره القتال معه ثلاثة نفر سعد بن مالك و عبد الله بن عمر و محمد بن مسلمة فلم يستكره أحدا و استغنى بمن خف معه عمن ثقل ثم سار حتى أتى جبل طي‏ء فأتته منا جماعة كان ضاربا بهم الناس حتى إذا كان ببعض الطريق أتاه مسير طلحة و الزبير و عائشة إلى البصرة فسرح رجالا إلى الكوفة يدعونهم فأجابوا دعوته فسار إلى البصرة فإذا هي في كفه ثم قدم الكوفة فحمل إليه الصبي و دبت إليه العجوز و خرجت إليه العروس فرحا به و شوقا إليه و تركته و ليس له همة إلا الشام . فذعر معاوية من قوله و قال حابس أيها الأمير لقد أسمعني شعرا غير به حالي في عثمان و عظم به عليا عندي .

[ 112 ]

فقال معاوية أسمعنيه يا خفاف فأنشده شعرا أوله

قلت و الليل ساقط الأكناف
و لجنبي عن الفراش تجاف

يذكر فيه حال عثمان و قتله و فيه إطالة عدلنا عن ذكره . . . و من جملته

قد مضى ما مضى و مر به الدهر
كما مر ذاهب الأسلاف
إنني و الذي يحج له الناس
على لحق البطون عجاف
تتبارى مثل القسي من النبع
بشعث مثل السهام نحاف
أرهب اليوم إن أتاكم علي
صيحة مثل صيحة الأحقاف
إنه الليث غاديا و شجاع
مطرق نافث بسم زعاف
واضع السيف فوق عاتقه الأيمن
يفري به شئون القحاف
سوم الخيل ثم قال لقوم
بايعوه إلى الطعان خفاف
استعدوا لحرب طاغية الشام
فلبوه كاليدين اللطاف
ثم قالوا أنت الجناح لك الريش
القدامى و نحن منه الخوافي
فانظر اليوم قبل بادرة القوم
بسلم تهم أم بخلاف

قال فانكسر معاوية و قال يا حابس إني لأظن هذا عينا لعلي أخرجه عنك لئلا يفسد علينا أهل الشام .

[ 113 ]

قال نصر و حدثنا عطية بن غني عن زياد بن رستم قال كتب معاوية إلى عبد الله بن عمر خاصة و إلى سعد بن أبي وقاص و إلى محمد بن مسلمة دون كتابه إلى أهل المدينة فكان كتابه إلى عبد الله بن عمر أما بعد فإنه لم يكن أحد من قريش أحب إلي أن يجتمع عليه الناس بعد قتل عثمان منك ثم ذكرت خذلك إياه و طعنك على أنصاره فتغيرت لك و قد هون ذلك علي خلافك على علي و محا عنك بعض ما كان منك فأعنا رحمك الله على حق هذا الخليفة المظلوم فإني لست أريد الإمارة عليك و لكني أريدها لك فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين . فأجابه عبد الله بن عمر أما بعد فإن الرأي الذي أطمعك في هو الذي صيرك إلى ما صيرك إليه اترك عليا في المهاجرين و الأنصار و طلحة و الزبير و عائشة أم المؤمنين و أتبعك و أما زعمك أني طعنت على علي فلعمري ما أنا كعلي في الإيمان و الهجرة و مكانه من رسول الله ص و نكايته في المشركين و لكني عهد إلي في هذا الأمر عهد ففزعت فيه إلى الوقوف و قلت إن كان هذا هدى ففضل تركته و إن كان ضلالا فشر نجوت منه فأغن عنا نفسك و السلام .

[ 114 ]

قال و كان كتاب معاوية إلى سعد أما بعد فإن أحق الناس بنصر عثمان أهل الشورى من قريش الذين أثبتوا حقه و اختاروه على غيره و قد نصره طلحة و الزبير و هما شريكان في الأمر و نظيراك في الإسلام و خفت لذلك أم المؤمنين فلا تكرهن ما رضوا و لا تردن ما قبلوا فإنا نردها شورى بين المسلمين . فأجابه سعد أما بعد فإن عمر لم يدخل في الشورى إلا من تحل له الخلافة من قريش فلم يكن أحد منا أحق بها من صاحبه إلا بإجماعنا عليه إلا أن عليا كان فيه ما فينا و لم يكن فينا ما فيه و هذا أمر قد كرهت أوله و كرهت آخره فأما طلحة و الزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما و الله يغفر لأم المؤمنين ما أتت و السلام . قال و كان كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة أما بعد فإني لم أكتب إليك و أنا أرجو مبايعتك و لكني أردت أن أذكرك النعمة التي خرجت منها و الشك الذي صرت إليه إنك فارس الأنصار و عدة المهاجرين و قد ادعيت على رسول الله ص أمرا لم تستطع إلا أن تمضي عليه و هو أنه نهاك عن قتال أهل القبلة أ فلا نهيت أهل القبلة عن قتال بعضهم بعضا

[ 115 ]

فقد كان عليك أن تكره لهم ما كره رسول الله ص أ لم تر عثمان و أهل الدار من أهل القبلة فأما قومك فقد عصوا الله و خذلوا عثمان و الله سائلهم و سائلك عما كان يوم القيامة و السلام . قال فكتب إليه محمد بن مسلمة أما بعد فقد اعتزل هذا الأمر من ليس في يده من رسول الله ص مثل الذي في يده قد أخبرني رسول الله ص بالذي هو كائن قبل أن يكون فلما كان كسرت سيفي و جلست في بيتي و اتهمت الرأي على الدين إذ لم يصح لي معروف آمر به و لا منكر أنهي عنه و أما أنت فلعمري ما طلبت إلا الدنيا و لا اتبعت إلا الهوى و إن تنصر عثمان ميتا فقد خذلته حيا و السلام