قصة الخريت بن راشد الناجي و خروجه على علي

قال ابن هلال الثقفي و روى محمد بن عبد الله بن عثمان عن أبي سيف عن الحارث بن كعب الأزدي عن عمه عبد الله بن قعين الأزدي قال كان الخريت بن راشد الناجي أحد بني ناجية قد شهد مع علي ع صفين فجاء إلى علي ع بعد انقضاء صفين و بعد تحكيم الحكمين في ثلاثين من أصحابه يمشي بينهم حتى قام بين يديه فقال لا و الله لا أطيع أمرك و لا أصلي خلفك و إني غدا لمفارق لك فقال له ثكلتك أمك إذا تنقض عهدك و تعصي ربك و لا تضر إلا نفسك أخبرني لم تفعل ذلك قال لأنك حكمت في الكتاب و ضعفت عن الحق إذ جد الجد و ركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم فأنا عليك راد و عليهم ناقم و لكم جميعا مباين . فقال له علي ع ويحك هلم إلي أدارسك و أناظرك في السنن و أفاتحك أمورا من الحق أنا أعلم بها منك فلعلك تعرف ما أنت الآن له منكر و تبصر ما أنت الآن عنه عم و به جاهل فقال الخريت فإني غاد عليك غدا فقال علي ع اغد و لا يستهوينك الشيطان و لا يتقحمن بك رأي السوء و لا يستخفنك الجهلاء الذين لا يعلمون فو الله إن استرشدتني و استنصحتني و قبلت مني لأهدينك سبيل الرشاد . فخرج الخريت من عنده منصرفا إلى أهله . قال عبد الله بن قعين فعجلت في أثره مسرعا و كان لي من بني عمه صديق فأردت أن ألقى ابن عمه في ذلك فأعلمه بما كان من قوله لأمير المؤمنين و آمر ابن عمه أن يشتد بلسانه عليه و أن يأمره بطاعة أمير المؤمنين و مناصحته و يخبره أن ذلك خير له في عاجل الدنيا و آجل الآخرة . قال فخرجت حتى انتهيت إلى منزله و قد سبقني فقمت عند باب دار فيها رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على أمير المؤمنين ع فو الله ما رجع

[ 129 ]

و لا ندم على ما قال لأمير المؤمنين و ما رد عليه و لكنه قال لهم يا هؤلاء إني قد رأيت أن أفارق هذا الرجل و قد فارقته على أن أرجع إليه من غد و لا أرى إلا المفارقة فقال له أكثر أصحابه لا تفعل حتى تأتيه فإن أتاك بأمر تعرفه قبلت منه و إن كانت الأخرى فما أقدرك على فراقه قال لهم نعم ما رأيتم قال فاستأذنت عليهم فأذنوا لي فأقبلت على ابن عمه و هو مدرك بن الريان الناجي و كان من كبراء العرب فقلت له إن لك على حقا لإحسانك و ودك و حق المسلم على المسلم إن ابن عمك كان منه ما قد ذكر لك فأخل به فاردد عليه رأيه و عظم عليه ما أتى و اعلم أني خائف إن فارق أمير المؤمنين أن يقتلك و نفسه و عشيرته فقال جزاك الله خيرا من أخ إن أراد فراق أمير المؤمنين ع ففي ذلك هلاكه و إن اختار مناصحته و الإقامة معه ففي ذلك حظه و رشده . قال فأردت الرجوع إلى علي ع لأعلمه الذي كان ثم اطمأننت إلى قول صاحبي فرجعت إلى منزلي فبت ثم أصبحت فلما ارتفع النهار أتيت أمير المؤمنين ع فجلست عنده ساعة و أنا أريد أن أحدثه بالذي كان على خلوة فأطلت الجلوس و لا يزداد الناس إلا كثرة فدنوت منه فجلست وراءه فأصغى إلي برأسه فأخبرته بما سمعته من الخريت و ما قلت لابن عمه و ما رد علي فقال ع دعه فإن قبل الحق و رجع عرفنا له ذلك و قبلناه منه فقلت يا أمير المؤمنين فلم لا تأخذه الآن فتستوثق منه فقال إنا لو فعلنا هذا بكل من يتهم من الناس ملأنا السجون منهم و لا أراني يسعني الوثوب بالناس و الحبس لهم و عقوبتهم حتى يظهروا لي الخلاف . قال فسكت عنه و تنحيت فجلست مع أصحابي هنيهة فقال لي ع

[ 130 ]

ادن مني فدنوت فقال لي مسرا اذهب إلى منزل الرجل فاعلم ما فعل فإنه قل يوم لم يكن يأتيني فيه قبل هذه الساعة فأتيت إلى منزله فإذا ليس في منزله منهم ديار فدرت على أبواب دور أخرى كان فيها طائفة من أصحابه فإذا ليس فيها داع و لا مجيب فأقبلت إلى أمير المؤمنين ع فقال لي حين رآني أ وطنوا فأقاموا أم جبنوا فظعنوا قلت لا بل ظعنوا فقال أبعدهم الله كما بعدت ثمود أما و الله لو قد أشرعت لهم الأسنة و صبت على هامهم السيوف لقد ندموا إن الشيطان قد استهواهم و أضلهم و هو غدا متبرئ منهم و مخل عنهم فقام إليه زياد بن خصفة فقال يا أمير المؤمنين إنه لو لم يكن من مضرة هؤلاء إلا فراقهم إيانا لم يعظم فقدهم علينا فإنهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا و قلما ينقصون من عددنا بخروجهم منا و لكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليهم من أهل طاعتك فائذن لي في اتباعهم حتى أردهم عليك إن شاء الله . فقال له ع فاخرج في آثارهم راشدا فلما ذهب ليخرج قال له و هل تدري أين توجه القوم قال لا و الله و لكني أخرج فأسأل و أتبع الأثر فقال اخرج رحمك الله حتى تنزل دير أبي موسى ثم لا تبرحه حتى يأتيك أمري فإنهم إن كانوا خرجوا ظاهرين بارزين للناس في جماعة فإن عمالي ستكتب إلي بذلك و إن كانوا متفرقين مستخفين فذلك أخفى لهم و سأكتب إلى من حولي من عمالي فيهم .

فكتب نسخة واحدة و أخرجها إلى العمال من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من العمال أما بعد فإن رجالا لنا عندهم تبعة خرجوا هرابا نظنهم خرجوا نحو بلاد البصرة فاسأل عنهم أهل بلادك و اجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك ثم اكتب إلي بما ينتهي إليك عنهم و السلام .

[ 131 ]

فخرج زياد بن خصفة حتى أتى داره و جمع أصحابه فحمد الله و أثنى عليه ثم قال يا معشر بكر بن وائل إن أمير المؤمنين ندبني لأمر من أموره مهم له و أمرني بالانكماش فيه بالعشيرة حتى آتي أمره و أنتم شيعته و أنصاره و أوثق حي من أحياء العرب في نفسه فانتدبوا معي الساعة و عجلوا فو الله ما كان إلا ساعة حتى اجتمع إليه مائة و ثلاثون رجلا فقال اكتفينا لا نريد أكثر من هؤلاء فخرج حتى قطع الجسر ثم أتى دير أبي موسى فنزله فأقام به بقية يومه ذلك ينتظر أمر أمير المؤمنين ع . قال إبراهيم بن هلال فحدثني محمد بن عبد الله عن ابن أبي سيف عن أبي الصلت التيمي عن أبي سعيد عن عبد الله بن وأل التيمي قال إني لعند أمير المؤمنين إذا فيج قد جاءه يسعى بكتاب من قرظة بن كعب بن عمرو الأنصاري و كان أحد عماله فيه لعبد الله علي أمير المؤمنين من قرظة بن كعب سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أن خيلا مرت من قبل الكوفة متوجهة نحو نفر و أن رجلا من دهاقين أسفل الفرات قد أسلم و صلى يقال له زاذان فروخ أقبل من عند أخوال له فلقوه فقالوا له أ مسلم أنت أم كافر قال بل مسلم قالوا فما تقول في علي قال أقول فيه خيرا أقول إنه أمير المؤمنين ع و سيد البشر و وصي رسول الله ص فقالوا كفرت يا عدو الله ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه بأسيافهم و أخذوا معه رجلا من أهل الذمة يهوديا فقالوا له ما دينك قال يهودي فقالوا

[ 132 ]

خلوا سبيل هذا لا سبيل لكم عليه فأقبل إلينا ذلك الذمي فأخبرنا الخبر و قد سألت عنهم فلم يخبرني أحد عنهم بشي‏ء فليكتب إلي أمير المؤمنين فيهم برأي أنته إليه إن شاء الله .

فكتب إليه أمير المؤمنين ع أما بعد فقد فهمت ما ذكرت من أمر العصابة التي مرت بعملك فقتلت البر المسلم و أمن عندهم المخالف المشرك و أن أولئك قوم استهواهم الشيطان فضلوا كالذين حسبوا ألا تكون فتنة فعموا و صموا فأسمع بهم و أبصر يوم تخبر أعمالهم فالزم عملك و أقبل على خراجك فإنك كما ذكرت في طاعتك و نصيحتك و السلام

قال فكتب علي ع إلى زياد بن خصفة مع عبد الله بن وأل التيمي كتابا نسخته أما بعد فقد كنت أمرتك أن تنزل دير أبي موسى حتى يأتيك أمري و ذلك أني لم أكن علمت أين توجه القوم و قد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية من قرى السواد فاتبع آثارهم و سل عنهم فإنهم قد قتلوا رجلا من أهل السواد مسلما مصليا فإذا أنت لحقت بهم فارددهم إلي فإن أبوا فناجزهم و استعن بالله عليهم فإنهم قد فارقوا الحق و سفكوا الدم الحرام و أخافوا السبيل و السلام . قال عبد الله بن وأل فأخذت الكتاب منه ع و أنا يومئذ شاب فمضيت به غير بعيد ثم رجعت إليه فقلت يا أمير المؤمنين أ لا أمضي مع زياد بن خصفة إلى عدوك إذا دفعت إليه كتابك فقال يا ابن أخي افعل فو الله إني لأرجو أن تكون من أعواني على الحق و أنصاري على القوم الظالمين قال فو الله ما أحب أن لي بمقالته

[ 133 ]

تلك حمر النعم فقلت له يا أمير المؤمنين أنا و الله كذلك من أولئك أنا و الله حيث تحب . ثم مضيت إلى زياد بالكتاب و أنا على فرس رائع كريم و على السلاح فقال لي زياد يا ابن أخي و الله ما لي عنك من غنى و إني أحب أن تكون معي في وجهي هذا فقلت إني قد استأذنت أمير المؤمنين في ذلك فأذن لي فسر بذلك ثم خرجنا حتى أتينا الموضع الذي كانوا فيه فسألنا عنهم فقيل أخذوا نحو المدائن فلحقناهم و هم نزول بالمدائن و قد أقاموا بها يوما و ليلة و قد استراحوا و علفوا خيولهم فهم جامون مريحون و أتيناهم و قد تقطعنا و لغبنا و نصنا فلما رأونا وثبوا على خيولهم فاستووا عليها فجئنا حتى انتهينا إليهم فنادى الخريت بن راشد يا عميان القلوب و الأبصار أ مع الله و كتابه أنتم أم مع القوم الظالمين فقال له زياد بن خصفة بل مع الله و كتابه و سنة رسوله و مع من الله و رسوله و كتابه آثر عنده من الدنيا ثوابا و لو أنها منذ يوم خلقت إلى يوم تفنى لآثر الله عليها أيها العمي الأبصار الصم الأسماع . فقال الخريت فأخبرونا ما تريدون فقال له زياد و كان مجربا رفيقا قد ترى ما بنا من النصب و اللغوب و الذي جئنا له لا يصلح فيه الكلام علانية على رءوس أصحابك و لكن تنزلون و ننزل ثم نخلو جميعا فنتذاكر أمرنا و ننظر فيه فإن رأيت فيما جئنا له حظا لنفسك قبلته و إن رأيت فيما أسمع منك أمرا أرجو فيه العافية لنا و لك لم أرده عليك . فقال الخريت انزل فنزل فأقبل إلينا زياد فقال انزلوا على هذا الماء فأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فنزلنا به فما هو إلا أن نزلنا فتفرقنا فتحلقنا عشرة و تسعة و ثمانية و سبعة تضع كل حلقة طعامها بين أيديها لتأكل ثم تقوم إلى الماء فتشرب .

[ 134 ]

و قال لنا زياد علقوا على خيولكم فعلقنا عليها مخاليها و وقف زياد في خمسة فوارس أحدهم عبد الله بن وأل بيننا و بين القوم و انطلق القوم فتنحوا فنزلوا و أقبل إلينا زياد فلما رأى تفرقنا و تحلقنا قال سبحان الله أنتم أصحاب حرب و الله لو أن هؤلاء جاءوكم الساعة على هذه الحالة ما أرادوا من غرتكم أفضل من أعمالكم التي أنتم عليها عجلوا قوموا إلى خيولكم فأسرعنا فمنا من يتوضأ و منا من يشرب و منا من يسقي فرسه حتى إذا فرغنا من ذلك أتينا زيادا و إن في يده لعرقا ينهسه فنهس منه نهستين أو ثلاثة ثم أتى بإداوة فيها ماء فشرب ثم ألقى العرق من يده و قال يا هؤلاء إنا قد لقينا العدو و إن القوم لفي عدتكم و لقد حزرتهم فما أظن أحد الفريقين يزيد على الآخر خمسة نفر فإني أرى أمركم و أمرهم سيصير إلى القتال فإن كان ذلك فلا تكونوا أعجز الفريقين . ثم قال ليأخذ كل رجل منكم بعنان فرسه فإذا دنوت منهم و كلمت صاحبهم فإن تابعني على ما أريد و إلا فإذا دعوتكم فاستووا على متون خيلكم ثم أقبلوا معا غير متفرقين ثم استقدم أمامنا و أنا معه فسمعت رجلا من القوم يقول جاءكم القوم و هم كالون معيون و أنتم جامون مريحون فتركتموهم حتى نزلوا فأكلوا و شربوا و أراحوا دوابهم هذا و الله سوء الرأي . قال و دعا زياد صاحبهم الخريت فقال له اعتزل ننظر في أمرنا فأقبل إليه في خمسة نفر فقلت لزياد أدعو لك ثلاثة نفر من أصحابنا حتى نلقاهم في عددهم فقال ادع من أحببت فدعوت له ثلاثة فكنا خمسة و هم خمسة . فقال له زياد ما الذي نقمت على أمير المؤمنين و علينا حتى فارقتنا فقال لم أرض

[ 135 ]

صاحبكم إماما و لم أرض بسيرتكم سيرة فرأيت أن أعتزل و أكون مع من يدعو إلى الشورى بين الناس فإذا اجتمع الناس على رجل هو لجميع الأمة رضا كنت مع الناس . فقال زياد ويحك و هل يجتمع الناس على رجل يداني عليا عالما بالله و بكتابه و سنة رسوله مع قرابته و سابقته في الإسلام فقال الخريت هو ما أقول لك فقال ففيم قتلتم الرجل المسلم فقال الخريت ما أنا قتلته قتلته طائفة من أصحابي قال فادفعهم إلينا قال ما إلي ذلك من سبيل قال أو هكذا أنت فاعل قال هو ما تسمع . قال فدعونا أصحابنا و دعا الخريت أصحابه ثم اقتتلنا فو الله ما رأيت قتالا مثله منذ خلقني الله لقد تطاعنا بالرماح حتى لم يبق في أيدينا رمح ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنت و عقرت عامه خيلنا و خيلهم و كثرت الجراح فيما بيننا و بينهم و قتل منا رجلان مولى لزياد كانت معه رأيته يدعى سويدا و رجل من الأبناء يدعى واقد بن بكر و صرع منهم خمسة نفر و حال الليل بيننا و بينهم و قد و الله كرهونا و كرهناهم و هرونا و هررناهم و قد جرح زياد و جرحت ثم إنا بتنا في جانب و تنحوا فمكثوا ساعة من الليل ثم مضوا فذهبوا و أصبحنا فوجدناهم قد ذهبوا فو الله ما كرهنا ذلك فمضينا حتى أتينا البصرة و بلغنا أنهم أتوا الأهواز فنزلوا في جانب منها و تلاحق بهم ناس من أصحابهم نحو مائتين كانوا معهم بالكوفة لم يكن لهم من القوة ما ينهضون به معهم حين نهضوا فاتبعوهم من بعد لحوقهم بالأهواز فأقاموا معهم . قال و كتب زياد بن خصفة إلى علي ع أما بعد فإنا لقينا عدو الله الناجي و أصحابه بالمدائن فدعوناهم إلى الهدى و الحق و كلمة

[ 136 ]

السواء فتولوا عن الحق و أخذتهم العزة بالإثم و زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فقصدونا و صمدنا صمدهم فاقتتلنا قتالا شديدا ما بين قائم الظهر إلى أن دلكت الشمس و استشهد منا رجلان صالحان و أصيب منهم خمسة نفر و خلوا لنا المعركة و قد فشت فينا و فيهم الجراح ثم إن القوم لما أدركوا الليل خرجوا من تحته متنكرين إلى أرض الأهواز و قد بلغني أنهم نزلوا من الأهواز جانبا و نحن بالبصرة نداوي جراحنا و ننتظر أمرك رحمك الله و السلام . فلما أتاه الكتاب قرأه على الناس فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال أصلحك الله يا أمير المؤمنين إنما كان ينبغي أن يكون مكان كل رجل من هؤلاء الذين بعثتهم في طلبهم عشرة من المسلمين فإذا لحقوهم استأصلوا شأفتهم و قطعوا دابرهم فأما أن تلقاهم بأعدادهم فلعمري ليصبرن لهم فإنهم قوم عرب و العدة تصبر للعدة فيقاتلون كل القتال .

قال فقال ع له تجهز يا معقل إليهم و ندب معه ألفين من أهل الكوفة فيهم يزيد بن معقل

و كتب إلى عبد الله بن العباس بالبصرة رحمه الله تعالى أما بعد فابعث رجلا من قبلك صليبا شجاعا معروفا بالصلاح في ألفي رجل من أهل البصرة فليتبع معقل بن قيس فإذا خرج من أرض البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقلا فإذا لقيه فمعقل أمير الفريقين فليسمع منه و ليطعه و لا يخالفه و مر زياد بن خصفة فليقبل إلينا فنعم المرء زياد و نعم القبيل قبيله و السلام

[ 137 ]

قال و كتب ع إلى زياد بن خصفة أما بعد فقد بلغني كتابك و فهمت ما ذكرت به الناجي و أصحابه الذين طبع الله على قلوبهم و زين لهم الشيطان أعمالهم فهم حيارى عمون يحسبون أنهم يحسنون صنعا و وصفت ما بلغ بك و بهم الأمر فأما أنت و أصحابك فلله سعيكم و عليه جزاؤكم و أيسر ثواب الله للمؤمن خير له من الدنيا التي يقبل الجاهلون بأنفسهم عليها فما عندكم ينفد و ما عند الله باق و لنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون و أما عدوكم الذين لقيتم فحسبهم خروجهم من الهدى و ارتكاسهم في الضلالة و ردهم الحق و جماحهم في التيه فذرهم و ما يفترون و دعهم في طغيانهم يعمهون فأسمع بهم و أبصر فكأنك بهم عن قليل بين أسير و قتيل فأقبل إلينا أنت و أصحابك مأجورين فقد أطعتم و سمعتم و أحسنتم البلاء و السلام . قال و نزل الناجي جانبا من الأهواز و اجتمع إليه علوج كثير من أهلها ممن أراد كسر الخراج و من اللصوص و طائفة أخرى من الأعراب ترى رأيه . قال إبراهيم بن هلال فحدثنا محمد بن عبد الله قال حدثني ابن أبي سيف عن الحارث بن كعب عن عبد الله بن قعين قال كنت أنا و أخي كعب بن قعين في ذلك الجيش مع معقل بن قيس فلما أراد الخروج أتى أمير المؤمنين ع يودعه

فقال يا معقل بن قيس اتق الله ما استطعت فإنه وصية الله للمؤمنين لا تبغ على أهل القبلة و لا تظلم أهل الذمة و لا تتكبر فإن الله لا يحب المتكبرين فقال معقل الله المستعان فقال خير مستعان .

[ 138 ]

ثم قام فخرج و خرجنا معه حتى نزل الأهواز فأقمنا ننتظر بعث البصرة فأبطأ علينا فقام معقل فقال أيها الناس إنا قد انتظرنا أهل البصرة و قد أبطئوا علينا و ليس بنا بحمد الله قلة و لا وحشة إلى الناس فسيروا بنا إلى هذا العدو القليل الذليل فإني أرجو أن ينصركم الله و يهلكهم فقام إليه أخي كعب بن قعين فقال أصبت إن شاء الله رأينا رأيك و إني لأرجو أن ينصرنا الله عليهم و إن كانت الأخرى فإن في الموت على الحق لتعزية عن الدنيا فقال سيروا على بركة الله فسرنا فو الله ما زال معقل بن قيس لي و لأخي مكرما وادا ما يعدل بنا أحدا من الجند و لا يزال يقول لأخي كيف قلت إن في الموت على الحق لتعزية عن الدنيا صدقت و الله و أحسنت و وفقت وفقك الله قال فو الله ما سرنا يوما و إذا بفيج يشتد بصحيفة في يده . من عبد الله بن عباس إلى معقل بن قيس أما بعد فإن أدركك رسولي بالمكان الذي كنت مقيما به أو أدركك و قد شخصت منه فلا تبرحن من المكان الذي ينتهي إليك رسولي و أنت فيه حتى يقدم عليك بعثنا الذي وجهناه إليك فقد وجهت إليك خالد بن معدان الطائي و هو من أهل الدين و الصلاح و النجدة فاسمع منه و أعرف ذلك له إن شاء الله و السلام . قال فقرأه معقل بن قيس على أصحابه فسروا به و حمدوا الله و قد كان ذلك الوجه هالهم و أقمنا حتى قدم علينا خالد بن معدان الطائي و جاءنا حتى دخل على صاحبنا فسلم عليه بالإمرة و اجتمعنا جميعا في عسكر واحد ثم خرجنا إلى الناجي و أصحابه فأخذوا يرتفعون نحو جبال رامهرمز يريدون قلعة حصينة و جاءنا أهل البلد فأخبرونا بذلك فخرجنا في آثارهم فلحقناهم و قد دنوا من الجبل فصففنا لهم ثم أقبلنا نحوهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن المعقل الأزدي و على ميسرته منجاب بن راشد الضبي و وقف

[ 139 ]

الخريت بن راشد الناجي بمن معه من العرب فكانوا ميمنة و جعل أهل البلد و العلوج و من أراد كسر الخراج و جماعة من الأكراد ميسرة . قال و سار فينا معقل يحرضنا و يقول يا عباد الله لا تبدءوا القوم و غضوا الأبصار و أقلوا الكلام و وطنوا أنفسكم على الطعن و الضرب و أبشروا في قتالهم بالأجر العظيم إنما تقاتلون مارقة مرقت و علوجا منعوا الخراج و لصوصا و أكرادا فما تنتظرون فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد . قال فمر في الصف يكلمهم يقول هذه المقالة حتى إذا مر بالناس كلهم أقبل فوقف وسط الصف في القلب و نظرنا إليه ما يصنع فحرك رأسه تحريكتين ثم حمل في الثالثة و حملنا معه جميعا فو الله ما صبروا لنا ساعة حتى ولوا و انهزموا و قتلنا سبعين عربيا من بني ناجية و من بعض من اتبعه من العرب و نحو ثلاثمائة من العلوج و الأكراد . قال كعب و نظرت فإذا صديقي مدرك بن الريان قتيلا و خرج الخريت منهزما حتى لحق بسيف من أسياف البحر و بها جماعة من قومه كثير فما زال يسير فيهم و يدعوهم إلى خلاف علي ع و يزين لهم فراقه و يخبرهم أن الهدى في حربه و مخالفته حتى اتبعه منهم ناس كثير . و أقام معقل بن قيس بأرض الأهواز و كتب إلى أمير المؤمنين ع بالفتح و كنت أنا الذي قدم بالكتاب عليه و كان في الكتاب لعبد الله علي أمير المؤمنين من معقل بن قيس سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنا لقينا المارقين و قد استظهروا علينا بالمشركين

[ 140 ]

فقتلنا منهم ناسا كثيرا و لم نعد فيهم سيرتك فلم نقتل منهم مدبرا و لا أسيرا و لم نذفف منهم على جريح و قد نصرك الله و المسلمين و الحمد لله رب العالمين . قال فلما قدمت بالكتاب على علي ع قرأه على أصحابه و استشارهم في الرأي فاجتمع رأي عامتهم على قول واحد قالوا نرى أن تكتب إلى معقل بن قيس يتبع آثارهم و لا يزال في طلبهم حتى يقتلهم أو ينفيهم من أرض الإسلام فإنا لا نأمن أن يفسدوا عليك الناس .

قال فردني إليه و كتب معي أما بعد فالحمد لله على تأييده أولياءه و خذله أعداءه جزاك الله و المسلمين خيرا فقد أحسنتم البلاء و قضيتم ما عليكم فاسأل عن أخي بني ناجية فإن بلغك أنه استقر في بلد من البلدان فسر إليه حتى تقتله أو تنفيه فإنه لم يزل للمسلمين عدوا و للفاسقين وليا و السلام . قال فسأل معقل عن مسيره و المكان الذي انتهى إليه فنبئ بمكانه بسيف البحر بفارس و أنه قد رد قومه عن طاعة علي ع و أفسد من قبله من عبد القيس و من والاهم من سائر العرب و كان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين و منعوها في ذلك العام أيضا فسار إليهم معقل بن قيس في ذلك الجيش من أهل الكوفة و البصرة فأخذوا على أرض فارس حتى انتهوا إلى أسياف البحر فلما سمع الخريت بن راشد بمسيره أقبل على من كان معه من أصحابه ممن يرى رأي الخوارج فأسر إليهم إني أرى رأيكم و أن عليا ما كان ينبغي له أن يحكم الرجال في دين الله و قال لمن يرى رأي عثمان و أصحابه أنا على رأيكم و إن عثمان قتل مظلوما معقولا و قال لمن منع الصدقة

[ 141 ]

شدوا أيديكم على صدقاتكم ثم صلوا بها أرحامكم و عودوا إن شئتم على فقرائكم فأرضى كل طائفة بضرب من القول و كان فيهم نصارى كثير و قد كانوا أسلموا فلما رأوا ذلك الاختلاف قالوا و الله لديننا الذي خرجنا منه خير و أهدى من دين هؤلاء الذين لا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء و إخافة السبل فرجعوا إلى دينهم . فلقي الخريت أولئك فقال ويحكم إنه لا ينجيكم من القتل إلا الصبر لهؤلاء القوم و لقتالهم أ تدرون ما حكم علي فيمن أسلم من النصارى ثم رجع إلى النصرانية لا و الله لا يسمع له قولا و لا يرى له عذرا و لا يقبل منه توبة و لا يدعوه إليها و إن حكمه فيه أن يضرب عنقه ساعة يستمكن منه فما زال حتى خدعهم و جاءهم من كان من بني ناجية في تلك الناحية و من غيرهم فاجتمع إليه ناس كثير و كان منكرا داهيا . قال فلما رجع معقل قرأ على أصحابه كتابا من علي ع

فيه من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المسلمين و المؤمنين و المارقين و النصارى و المرتدين سلام على من اتبع الهدى و آمن بالله و رسوله و كتابه و البعث بعد الموت وافيا بعهد الله و لم يكن من الخائنين أما بعد فإني أدعوكم إلى كتاب الله و سنة نبيه و أن أعمل فيكم بالحق و بما أمر الله تعالى في كتابه فمن رجع منكم إلى رحله و كف يده و اعتزل هذا المارق الهالك المحارب الذي حارب الله و رسوله و المسلمين و سعى في الأرض فسادا فله الأمان على ماله و دمه و من تابعه على حربنا و الخروج من طاعتنا استعنا بالله عليه و جعلناه بيننا و بينه و كفى بالله وليا و السلام . قال فأخرج معقل راية أمان فنصبها و قال من أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت و أصحابه الذين نابذوا أول مرة فتفرق عن الخريت كل من كان معه من غير قومه و عبأ معقل بن قيس أصحابه ثم زحف بهم نحوه و قد حضر مع الخريت جميع

[ 142 ]

قومه مسلمهم و نصرانيهم و مانعي الصدقة منهم فجعل مسلميهم يمنة و النصارى و مانعي الصدقة يسرة و جعل يقول لقومه امنعوا اليوم حريمكم و قاتلوا عن نسائكم و أولادكم و الله لئن ظهروا عليكم ليقتلنكم و ليسلبنكم . فقال له رجل من قومه هذا و الله ما جرته علينا يدك و لسانك فقال لهم قاتلوا فقد سبق السيف العذل . قال و سار معقل بن قيس يحرض أصحابه فيما بين الميمنة و الميسرة و يقول أيها الناس ما تدرون ما سيق إليكم في هذا الموقف من الأجر العظيم إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة و ارتدوا عن الإسلام و نكثوا البيعة ظلما و عدوانا إني شهيد لمن قتل منكم بالجنة و من عاش بأن الله يقر عينه بالفتح و الغنيمة ففعل ذلك حتى مر بالناس أجمعين ثم وقف في القلب برايته و بعث إلى يزيد بن المعقل الأزدي و هو في الميمنة أن احمل عليهم فحمل فثبتوا له فقاتل طويلا و قاتلوه ثم رجع حتى وقف موقفه الذي كان فيه من الميمنة ثم بعث إلى المنجاب بن راشد الضبي و هو في الميسرة أن احمل عليهم فحمل فثبتوا له فقاتل طويلا و قاتلوه ثم رجع حتى وقف موقفه الذي كان في الميسرة ثم بعث معقل إلى ميمنته و ميسرته إذا حملت فاحملوا جميعا ثم أجرى فرسه و ضربها و حمل أصحابه فصبروا لهم ساعة . ثم إن النعمان بن صهبان الراسبي بصر بالخريت فحمل عليه فصرعه عن فرسه ثم نزل إليه و قد جرحه فاختلفا بينهما ضربتين فقتله النعمان و قتل معه في المعركة سبعون و مائة و ذهب الباقون في الأرض يمينا و شمالا و بعث معقل الخيل إلى رحالهم فسبى من أدرك فيها رجالا و نساء و صبيانا ثم نظر فيهم فمن كان مسلما خلاه و أخذ

[ 143 ]

بيعته و خلى سبيل عياله و من كان ارتد عن الإسلام عرض عليه الرجوع إلى الإسلام و إلا القتل فأسلموا فخلى سبيلهم و سبيل عيالاتهم إلا شيخا منهم نصرانيا يقال له الرماحس بن منصور فإنه قال و الله ما زلت مصيبا مذ عقلت إلا في خروجي من ديني دين الصدق إلى دينكم دين السوء لا و الله لا أدع ديني و لا أقرب دينكم ما حييت . فقدمه معقل فضرب عنقه و جمع الناس فقال أدوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة فأخذ من المسلمين عقالين و عمد إلى النصارى و عيالاتهم فاحتملهم معه و أقبل المسلمون الذين كانوا معهم يشيعونهم فأمر معقل بردهم فلما ذهبوا لينصرفوا تصايحوا و دعا الرجال و النساء بعضهم إلى بعض . قال فلقد رحمتهم رحمة ما رحمتها أحدا قبلهم و لا بعدهم و كتب معقل إلى علي ع أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين عن جنده و عن عدوه إنا دفعنا إلى عدونا بأسياف البحر فوجدنا بها قبائل ذات حد و عدد و قد جمعوا لنا فدعوناهم إلى الجماعة و الطاعة و إلى حكم الكتاب و السنة و قرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين ع و رفعنا لهم راية أمان فمالت إلينا طائفة منهم و ثبتت طائفة أخرى فقبلنا أمر التي أقبلت و صمدنا إلى التي أدبرت فضرب الله وجوههم و نصرنا عليهم فأما من كان مسلما فإنا مننا عليه و أخذنا بيعته لأمير المؤمنين و أخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم و أما من ارتد فعرضنا عليهم الرجوع إلى الإسلام و إلا قتلناهم فرجعوا إلى الإسلام غير رجل واحد فقتلناه و أما النصارى فإنا سبيناهم و أقبلنا بهم ليكونوا نكالا لمن بعدهم من أهل الذمة كي لا يمنعوا الجزية و لا يجترئوا على قتال أهل القبلة و هم للصغار و الذلة

[ 144 ]

أهل رحمك الله يا أمير المؤمنين و عليك الصلاة و السلام و أوجب لك جنات النعيم و السلام . قال ثم أقبل بالأسارى حتى مر على مصقلة بن هبيرة الشيباني و هو عامل لعلي ع على أردشيرخرة و هم خمسمائة إنسان فبكى إليه النساء و الصبيان و تصايح الرجال يا أبا الفضل يا حامل الثقل يا مؤي الضعيف و فكاك العصاة امنن علينا فاشترنا و أعتقنا فقال مصقلة أقسم بالله لأتصدقن عليهم إن الله يجزي المتصدقين فبلغ قوله معقل بن قيس فقال و الله لو أعلمه قالها توجعا لهم و إزراء علي لضربت عنقه و إن كان في ذلك فناء بني تميم و بكر بن وائل . ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذهلي إلى معقل فقال بعني نصارى ناجية فقال أبيعكهم بألف ألف درهم فأبى عليه فلم يزل يراوده حتى باعه إياهم بخمسمائة ألف درهم و دفعهم إليه و قال عجل بالمال إلى أمير المؤمنين ع فقال مصقلة أنا باعث الآن بصدر منه ثم أتبعك بصدر آخر ثم كذلك حتى لا يبقى منه شي‏ء و أقبل معقل إلى أمير المؤمنين ع فأخبره بما كان من الأمر فقال له أحسنت و أصبت و وفقت . و انتظر علي ع مصقلة أن يبعث بالمال فأبطأ به و بلغ عليا ع أن مصقلة خلى الأسارى و لم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشي‏ء فقال ما أرى مصقلة إلا قد حمل حمالة و لا أراكم إلا سترونه عن قريب مبلدحا

ثم كتب إليه

[ 145 ]

أما بعد فإن من أعظم الخيانة خيانة الأمة و أعظم الغش على أهل المصر غش الإمام و عندك من حق المسلمين خمسمائة ألف درهم فابعث بها إلى حين يأتيك رسولي و إلا فأقبل إلي حين تنظر في كتابي فإني قد تقدمت إلى رسولي ألا يدعك ساعة واحدة تقيم بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال و السلام . و كان الرسول أبو جرة الحنفي فقال له أبو جرة إن تبعث بهذا المال و إلا فاشخص معي إلى أمير المؤمنين فلما قرأ كتابه أقبل حتى نزل البصرة و كان العمال يحملون المال من كور البصرة إلى ابن عباس فيكون ابن عباس هو الذي يبعث به إلى أمير المؤمنين ع ثم أقبل من البصرة حتى أتى عليا ع بالكوفة فأقره أياما لم يذكر له شيئا ثم سأله المال فأدى إليه مائتي ألف درهم و عجز عن الباقي . قال فروى ابن أبي سيف عن أبي الصلت عن ذهل بن الحارث قال دعاني مصقلة إلى رحله فقدم عشاء فطعمنا منه ثم قال و الله إن أمير المؤمنين ع يسألني هذا المال و و الله ما أقدر عليه فقلت له لو شئت لم يمض عليك جمعة حتى تجمع هذا المال فقال ما كنت لأحملها قومي و لا أطلب فيها إلى أحد . ثم قال و الله لو أن ابن هند مطالبي بها أو ابن عفان لتركها لي أ لم تر إلى عثمان كيف أعطى الأشعث مائة ألف درهم من خراج آذربيجان في كل سنة فقلت إن هذا لا يرى ذلك الرأي و ما هو بتارك لك شيئا فسكت ساعة و سكت عنه فما مكث ليلة واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية . فبلغ ذلك عليا ع فقال ما له ترحه الله فعل فعل السيد و فر فرار العبد و خان خيانة الفاجر أما إنه لو أقام فعجز ما زدنا على حبسه فإن وجدنا له شيئا أخذناه

[ 146 ]

و إن لم نجد له مالا تركناه ثم سار علي ع إلى داره فهدمها . و كان أخوه نعيم بن هبيرة الشيباني شيعة لعلي ع مناصحا فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من نصارى تغلب يقال له حلوان أما بعد فإني كلمت معاوية فيك فوعدك الكرامة و مناك الإمارة فأقبل ساعة تلقى رسولي و السلام . فأخذه مالك بن كعب الأرحبي فسرح به إلى علي ع فأخذ كتابه فقرأه ثم قدمه فقطع يده فمات و كتب نعيم إلى أخيه مصقلة شعرا لم يرده عليه

لا ترمين هداك الله معترضا
بالظن منك فما بالي و حلوانا
ذاك الحريص على ما نال من طمع
و هو البعيد فلا يورثك أحزانا
ما ذا أردت إلى إرساله سفها
ترجو سقاط امرئ لم يلف وسنانا
عرضته لعلي إنه أسد
يمشي العرضنة من آساد خفانا
قد كنت في خير مصطاف و مرتبع
تحمي العراق و تدعى خير شيبانا
حتى تقحمت أمرا كنت تكرهه
للراكبين له سرا و إعلانا
لو كنت أديت مال الله مصطبرا
للحق زكيت أحيانا و موتانا
لكن لحقت بأهل الشام ملتمسا
فضل ابن هند فذاك الرأي أشجانا
فاليوم تقرع سن العجز من ندم
ما ذا تقول و قد كان الذي كانا
أصبحت تبغضك الأحياء قاطبة
لم يرفع الله بالعصيان إنسانا

[ 147 ]

فلما بلغ الكتاب إليه علم أن النصراني قد هلك و لم يلبث التغلبيون إلا قليلا حتى بلغهم هلاك صاحبهم فأتوا مصقلة فقالوا أنت أهلكت صاحبنا فإما أن تجيئنا به و إما أن تديه فقال أما أن أجي‏ء به فلست أستطيع ذلك و أما أن أديه فنعم فوداه . قال إبراهيم و حدثني ابن أبي سيف عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال قيل لعلي ع حين هرب مصقلة اردد الذين سبوا و لم تستوف أثمانهم في الرق فقال ليس ذلك في القضاء بحق قد عتقوا إذ أعتقهم الذي اشتراهم و صار مالي دينا على الذي اشتراهم . و روى إبراهيم أيضا عن إبراهيم بن ميمون عن عمرو بن القاسم بن حبيب التمار عن عمار الدهني قال لما هرب مصقلة قال أصحاب علي ع له يا أمير المؤمنين فيئنا قال إنه قد صار على غريم من الغرماء فاطلبوه . و قال ظبيان بن عمارة أحد بني سعد بن زيد مناة في بني ناجية

هلا صبرت للقراع ناجيا
و المرهفات تختلي الهواديا
و الطعن في نحوركم تواليا
و صائبات الأسهم القواضيا

و قال ظبيان أيضا

ألا فاصبروا للطعن و الضرب ناجيا
و للمرهفات يختلين الهواديا
فقد صب رب الناس خزيا عليكم
و صيركم من بعد عز مواليا

[ 148 ]

سما لكم بالخيل جردا عواديا
أخو ثقة لا يبرح الدهر غازيا
فصبحكم في رحلكم و خيولكم
بضرب يرى منه المدجج هاويا
فأصبحتم من بعد عز و كثرة
عبيد العصا لا تمنعون الذراريا

قال إبراهيم بن هلال و روى عبد الرحمن بن حبيب عن أبيه أنه لما بلغ عليا ع مصاب بني ناجية و قتل صاحبهم قال هوت أمه ما كان أنقص عقله و أجرأه إنه جاءني مرة فقال إن في أصحابك رجالا قد خشيت أن يفارقوك فما ترى فيهم فقلت إني لا آخذ على التهمة و لا أعاقب على الظن و لا أقاتل إلا من خالفني و ناصبني و أظهر العداوة لي ثم لست مقاتله حتى أدعوه و أعذر إليه فإن تاب و رجع قبلنا منه و إن أبى إلا الاعتزام على حربنا استعنا بالله عليه و ناجزناه فكف عني ما شاء الله ثم جاءني مرة أخرى فقال لي إني قد خشيت أن يفسد عليك عبد الله بن وهب و زيد بن حصين الطائي إني سمعتهما يذكرانك بأشياء لو سمعتهما لم تفارقهما حتى تقتلهما أو توثقهما فلا يزالان بمحبسك أبدا فقلت له إني مستشيرك فيهما فما ذا تأمرني به قال إني آمرك أن تدعو بهما فتضرب رقابهما فعلمت أنه لا ورع له و لا عقل فقلت له و الله ما أظن لك ورعا و لا عقلا لقد كان ينبغي لك أن تعلم أني لا أقتل من لم يقاتلني و لم يظهر لي عداوته للذي كنت أعلمتكه من رأيي حيث جئتني في المرة الأولى و لقد كان ينبغي لك لو أردت قتلهم أن تقول لي اتق الله بم تستحل قتلهم و لم يقتلوا أحدا و لم ينابذوك و لم يخرجوا من طاعتك . فأما ما يقوله الفقهاء في مثل هذا السبي فقبل أن نذكر ذلك نقول إن الرواية قد

[ 149 ]

اختلفت في المرتدين من بني ناجية فالرواية الأولى التي رواها محمد بن عبد الله بن عثمان عن نصر بن مزاحم تتضمن أن الأمير الذي من قبل علي ع قتل مقاتلة المرتدين منهم بعد امتناعهم من العود إلى الإسلام و سبى ذراريهم فقدم بها على علي ع فعلى هذه الرواية يكون الذين اشتراهم مصقلة ذراري أهل الردة . و الرواية الثانية التي رواها محمد بن عبد الله عن ابن أبي سيف تتضمن أن معقل بن قيس الأمير من قبل علي ع لم يقتل من المرتدين من بني ناجية إلا رجلا واحدا و أما الباقون فرجعوا إلى الإسلام و الاسترقاق إنما كان للنصارى الذين ساعدوا في الحرب و شهروا السيف على جيش الإمام و ليسوا مرتدين بل نصارى في الأصل و هم الذين اشتراهم مصقلة . فإن كانت الرواية الأولى هي الصحيحة ففيها إشكال لأن المرتدين لا يجوز عند الفقهاء استرقاقهم و لا أعرف خلافا في هذه المسألة و لا أظن الإمامية أيضا تخالف فيها و إنما ذهب أبو حنيفة إلى أن المرأة المرتدة إذا لحقت بدار الحرب جاز استرقاقها و سائر الفقهاء على خلافه و لم يختلفوا في أن الذكور البالغين من المرتدين لا يجوز استرقاقهم فلا أعلم كيف وقع استرقاق المرتدين من بني ناجية على هذه الرواية على أني أرى أن الرواية المذكورة لم يصرح فيها باسترقاقهم و لا بأنهم بيعوا على مصقلة لأن لفظ الراوي فأبوا فقتل مقاتلتهم و سبى ذراريهم فقدم بهم على علي ع و ليس في الرواية ذكر استرقاقهم و لا بيعهم على مصقلة بل فيها ما ينافي بيعهم على مصقلة و هو قوله فقدم بهم على علي ع فإن مصقلة ابتاع السبي من الطريق في أردشيرخرة قبل قدومه على علي ع و لفظ الخبر فقدم بهم على علي ع . و إنما يبقى الأشكال على هذه الرواية أن يقال إذا كان قد قدم بهم على علي ع

[ 150 ]

فمصقلة من اشترى و لا يمكن دفع كون مصقلة اشترى قوما في الجملة فإن الخبر بذلك مشهور جدا يكاد يكون متواترا . فإن قيل فما قولكم فيما إذا ارتد البالغون من الرجال و النساء ثم أولدوا ذرية صغارا بعد الردة هل يجوز استرقاق الأولاد فإن كان يجوز فهلا حملتم الخبر عليه قيل إذا ارتد الزوجان فحملت منه في حال الردة و أتت بولد كان محكوما بكفره لأنه ولد بين كافرين . و هل يجوز استرقاقه فيه للشافعي قولان و أما أبو حنيفة فقال إن ولد في دار الإسلام لم يجز استرقاقه و إن ولد في دار الحرب جاز استرقاقه فإن كان استرقاق هؤلاء الذرية موافقا لأحد قولي الشافعي فلعله ذاك . و أما الرواية الثانية فإن كانت هي الصحيحة و هو الأولى فالفقه في المسألة أن الذمي إذا حارب المسلمين فقد نقض عهده فصار كالمشركين الذين في دار الحرب فإذا ظفر به الإمام جاز استرقاقه و بيعه و كذلك إذا امتنع من أداء الجزية أو امتنع من التزام أحكام الإسلام . و اختلف الفقهاء في أمور سبعة هل ينتقض بها عهدهم و يجوز استرقاقهم أم لا و هي أن يزني الذمي بمسلمة أو يصيبها باسم نكاح أو يفتن مسلما عن دينه أو يقطع الطريق على المسلمين أو يؤوي للكفار عينا أو يدل على عورات المسلمين أو يقتل مسلما . فأصحاب الشافعي يقولون إن شرط عليهم في عقد الذمة الكف عن ذلك فهل ينقض عهدهم بفعله فيه وجهان و إن لم يشترط ذلك في عقد الذمة لم ينتقض عهدهم بذلك . و قال الطحاوي من أصحاب أبي حنيفة ينتقض عهدهم بذلك سواء شورطوا عن

[ 151 ]

الكف عنه في عقد الذمة أو لم يشارطوا عليه . فنصارى بني ناجية على هذه الرواية قد انتقض عهدهم بحرب المسلمين فأبيحت دماؤهم و جاز للإمام قتلهم و جاز له استرقاقهم كالمشركين الأصليين في دار الحرب و أما استرقاق أبي بكر بن أبي قحافة لأهل الردة و سبيه ذراريهم فإن صح كان مخالفا لما يقول الفقهاء من تحريم استرقاق المرتدين إلا أن يقولوا إنه لم يسب المرتدين و إنما سبى من ساعدهم و أعانهم في الحرب من المشركين الأصليين و في هذا الموضع نظر

[ 152 ]