فصل بلاغي في الموازنة و السجع

فأما الفصل الأول فمشتمل من علم البيان على باب كبير يعرف بالموازنة و ذلك غير مقنوط فإنه وازنه في الفقرة الثانية بقوله و لا مخلو أ لا ترى أن كل واحدة منهما على وزن مفعول ثم قال في الفقرة الثالثة و لا مأيوس فجاء بها على وزن مفعول أيضا و لم يمكنه في الفقرة الرابعة ما أمكنه في الأولى فقال و لا مستنكف فجاء به على وزن مستفعل و هو و إن كان خارجا عن الوزن فإنه غير خارج عن المفعولية لأن مستفعل مفعول في الحقيقة كقولك زيد مستحسن أ لا ترى أن مستحسنا من استحسنه فهو أيضا غير خارج عن المفعولية . ثم وازن ع بين قوله لا تبرح و قوله لا تفقد و بين رحمة و نعمة فأعطت هذه الموازنات الكلام من الطلاوة و الصنعة ما لا تجده عليه لو قال الحمد لله غير مخلو من نعمته و لا مبعد من رحمته لأن مبعد بوزن مفعل و هو غير مطابق و لا مماثل لمفعول بل هو بناء آخر . و كذلك لو قال لا تزول منه رحمة فإن تزول ليست في المماثلة و الموازنة

[ 154 ]

لتفقد كتبرح أ لا ترى أنها معتلة و تلك صحيحة و كذلك لو قال لا تبرح منه رحمة و لا يفقد له أنعام فإن أنعاما ليس في وزن رحمة و الموازنة مطلوبة في الكلام الذي يقصد فيه الفصاحة لأجل الاعتدال الذي هو مطلوب الطبع في جميع الأشياء و الموازنة أعم من السجع لأن السجع تماثل أجزاء الفواصل لو أوردها على حرف واحد نحو القريب و الغريب و النسيب و ما أشبه ذلك و أما الموازنة فنحو القريب و الشديد و الجليل و ما كان على هذا الوزن و إن لم يكن الحرف الآخر بعينه واحدا و كل سجع موازنة و ليس كل موازنة سجعا و مثال الموازنة في الكتاب العزيز وَ آتَيْناهُمَا اَلْكِتابَ اَلْمُسْتَبِينَ وَ هَدَيْناهُمَا اَلصِّراطَ اَلْمُسْتَقِيمَ و قوله تعالى لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ثم قال وَ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ثم قال تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ثم قال نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا فهذه الموازنة . و مما جاء من المثال في الشعر قوله

بأشدهم بأسا على أعدائهم
و أعزهم فقدا على الأصحاب

فقوله و أعزهم بإزاء أشدهم و قوله فقدا بإزاء بأسا . و الموازنة كثيرة في الكلام و هي في كتاب الله تعالى أكثر