خروج علي لحرب معاوية و ما دار بينه و بين أصحابه

و ينبغي أن نذكر هاهنا ابتداء عزمه على مفارقة الكوفة و المسير إلى الشام و ما خاطب به أصحابه و ما خاطبوه به و ما كاتب به العمال و كاتبوه جوابا عن كتبه و جميع ذلك منقول من كتاب نصر بن مزاحم .

قال نصر حدثنا عمر بن سعد عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود قال لما أراد علي ع المسير إلى الشام دعا من كان معه من المهاجرين و الأنصار فجمعهم ثم حمد الله و أثنى عليه و قال أما بعد فإنكم ميامين

[ 172 ]

الرأي مراجيح الحلم مباركو الأمر و مقاويل بالحق و قد عزمنا على المسير إلى عدونا و عدوكم فأشيروا علينا برأيكم . فقام هاشم بن عتبة بن أبي وقاص فحمد الله و أثنى عليه و قال أما بعد يا أمير المؤمنين فأنا بالقوم جد خبير هم لك و لأشياعك أعداء و هم لمن يطلب حرث الدنيا أولياء و هم مقاتلوك و مجادلوك لا يبقون جهدا مشاحة على الدنيا و ضنا بما في أيديهم منها ليس لهم إربة غيرها إلا ما يخدعون به الجهال من طلب دم ابن عفان كذبوا ليس لدمه ينفرون و لكن الدنيا يطلبون انهض بنا إليهم فإن أجابوا إلى الحق فليس بعد الحق إلا الضلال و إن أبوا إلا الشقاق فذاك ظني بهم و الله ما أراهم يبايعون و قد بقي فيهم أحد ممن يطاع إذا نهى و يسمع إذا أمر . قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن الحارث بن حصيرة عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود أن عمار بن ياسر قام فحمد الله و أثنى عليه و قال يا أمير المؤمنين إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا فافعل اشخص بنا قبل استعار نار الفجرة و اجتماع رأيهم على الصدود و الفرقة و ادعهم إلى حظهم و رشدهم فإن قبلوا سعدوا و إن أبوا إلا حربنا فو الله إن سفك دمائهم و الجد في جهادهم لقربة عند الله و كرامة منه ثم قام قيس بن سعد بن عبادة فحمد الله و أثنى عليه ثم قال يا أمير المؤمنين انكمش بنا إلى عدونا و لا تعرج فو الله لجهادهم أحب إلي من جهاد الترك

[ 173 ]

و الروم لإدهانهم في دين الله و استذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد ص من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان إذا غضبوا على رجل حبسوه و ضربوه و حرموه و سيروه و فيئنا لهم في أنفسهم حلال و نحن لهم فيما يزعمون قطين قال يعني رقيق فقال أشياخ الأنصار منهم خزيمة بن ثابت و أبو أيوب و غيرهما لم تقدمت أشياخ قومك و بدأتهم بالكلام يا قيس فقال أما إني عارف بفضلكم معظم لشأنكم و لكني وجدت في نفسي الضغن الذي في صدوركم جاش حين ذكرت الأحزاب . فقال بعضهم لبعض ليقم رجل منكم فليجب أمير المؤمنين عن جماعتكم فقام سهل بن حنيف فحمد الله و أثنى عليه ثم قال يا أمير المؤمنين نحن سلم لمن سالمت و حرب لمن حاربت و رأينا رأيك و نحن يمينك و قد رأينا أن تقوم بهذا الأمر في أهل الكوفة فتأمرهم بالشخوص و تخبرهم بما صنع لهم في ذلك من الفضل فإنهم أهل البلد و هم الناس فإن استقاموا لك استقام لك الذي تريد و تطلب فأما نحن فليس عليك خلاف منا متى دعوتنا أجبناك و متى أمرتنا أطعناك .

قال نصر فحدثنا عمر بن سعد عن أبي مخنف عن زكريا بن الحارث عن أبي خشيش عن معبد قال قام علي ع خطيبا على منبره فكنت تحت المنبر أسمع تحريضه الناس و أمره لهم بالمسير إلى صفين لقتال أهل الشام فسمعته يقول

[ 174 ]

سيروا إلى أعداء الله سيروا إلى أعداء القرآن و السنن سيروا إلى بقية الأحزاب و قتلة المهاجرين و الأنصار فقام رجل من بني فزارة فقال له أ تريد أن تسير بنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلهم لك كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقتلتهم كلا ها الله إذا لا نفعل ذلك . فقام الأشتر فقال من هذا المارق . فهرب الفزاري و اشتد الناس على أثره فلحق في مكان من السوق تباع فيه البراذين فوطئوه بأرجلهم و ضربوه بأيديهم و نعال سيوفهم حتى قتل

فأتى علي ع فقيل له يا أمير المؤمنين قتل الرجل قال و من قتله قالوا قتلته همدان و معهم شوب من الناس فقال قتيل عمية لا يدرى من قتله ديته من بيت مال المسلمين فقال بعض بني تيم اللات بن ثعلبة

أعوذ بربي أن تكون منيتي
كما مات في سوق البراذين أربد
تعاوره همدان خفق نعالهم
إذا رفعت عنه يد وضعت يد

فقام الأشتر فقال يا أمير المؤمنين لا يهدنك ما رأيت و لا يؤيسنك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقي الخائن إن جميع من ترى من الناس شيعتك لا يرغبون بأنفسهم عن نفسك و لا يحبون البقاء بعدك فإن شئت فسر بنا إلى عدوك فو الله ما ينجو من الموت من خافه و لا يعطي البقاء من أحبه و إنا لعلى بينة من ربنا و إن أنفسنا لن تموت حتى يأتي أجلها و كيف لا نقاتل قوما هم كما وصف أمير المؤمنين و قد وثبت عصابة منهم على طائفة من المسلمين بالأمس و باعوا خلاقهم بعرض من الدنيا يسير .

[ 175 ]

فقال علي ع الطريق مشترك و الناس في الحق سواء و من اجتهد رأيه في نصيحة العامة فقد قضى ما عليه ثم نزل فدخل منزله . قال نصر و حدثنا عمر بن سعد قال حدثني أبو زهير العبسي عن النضر بن صالح أن عبد الله بن المعتم العبسي و حنظلة بن الربيع التميمي لما أمر علي ع الناس بالمسير إلى الشام دخلا عليه في رجال كثير من غطفان و بني تميم فقال له حنظلة يا أمير المؤمنين إنا قد مشينا إليك في نصيحة فاقبلها و رأينا لك رأيا فلا تردنه علينا فإنا نظرنا لك و لمن معك أقم و كاتب هذا الرجل و لا تعجل إلى قتال أهل الشام فإنا و الله ما ندري و لا تدري لمن تكون الغلبة إذا التقيتم و لا على من تكون الدبرة . و قال ابن المعتم مثل قوله و تكلم القوم الذين دخلوا معهما بمثل كلامهما

فحمد علي ع الله و أثنى ثم قال أما بعد فإن الله وارث العباد و البلاد و رب السموات السبع و الأرضين السبع و إليه ترجعون يؤتي الملك من يشاء و ينزع الملك ممن يشاء و يعز من يشاء و يذل من يشاء أما الدبرة فإنها على الضالين العاصين ظفروا أو ظفر بهم و ايم الله إني لأسمع كلام قوم ما أراهم يعرفون معروفا و لا ينكرون منكرا . فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال يا أمير المؤمنين إن هؤلاء و الله ما آثروك بنصح و لا دخلوا عليك إلا بغش فاحذرهم فإنهم أدنى العدو . و قال له مالك بن حبيب إنه بلغني يا أمير المؤمنين أن حنظلة هذا يكاتب معاوية فادفعه إلينا نحبسه حتى تنقضي غزاتك و تنصرف .

[ 176 ]

و قام من بني عبس قائد بن بكير و عياش بن ربيعة العبسيان فقالا يا أمير المؤمنين إن صاحبنا عبد الله بن المعتم قد بلغنا أنه يكاتب معاوية فاحبسه أو مكنا من حبسه حتى تنقضي غزاتك ثم تنصرف . فقالا هذا جزاء لمن نظر لكم و أشار عليكم بالرأي فيما بينكم و بين عدوكم .

فقال لهما علي ع الله بيني و بينكم و إليه أكلكم و به أستظهر عليكم اذهبوا حيث شئتم

قال نصر و بعث علي ع إلى حنظلة بن الربيع المعروف بحنظلة الكاتب و هو من الصحابة فقال له يا حنظلة أنت علي أم لي فقال لا لك و لا عليك قال فما تريد قال اشخص إلى الرها فإنه فرج من الفروج اصمد له حتى ينقضي هذا الأمر . فغضب من قوله خيار بني عمرو بن تميم و هم رهطه فقال إنكم و الله لا تغروني من ديني دعوني فأنا أعلم منكم فقالوا و الله إن لم تخرج مع هذا الرجل لا ندع فلانة تخرج معك لأم ولده و لا ولدها و لئن أردت ذلك لنقتلنك . فأعانه ناس من قومه و اخترطوا سيوفهم فقال أجلوني حتى أنظر و دخل منزله و أغلق بابه حتى إذا أمسى هرب إلى معاوية و خرج من بعده إليه من قومه رجال كثير و هرب ابن المعتم أيضا حتى أتى معاوية في أحد عشر رجلا من قومه . و أما حنظلة فخرج إلى معاوية في ثلاثة و عشرين رجلا من قومه لكنهما لم يقاتلا مع معاوية و اعتزلا الفريقين جميعا .

[ 177 ]

و قال و أمر علي ع بهدم دار حنظلة فهدمت هدمها عريفهم شبث بن ربعي و بكر بن تميم فقال حنظلة بهجوهما

أيا راكبا إما عرضت فبلغن
مغلغلة عني سراة بني عمرو
فأوصيكم بالله و البر و التقى
و لا تنظروا في النائبات إلى بكر
و لا شبث ذي المنخرين كأنه
أزب جمال قد رغا ليلة النفر

و قال أيضا يحرض معاوية بن أبي سفيان

أبلغ معاوية بن حرب خطة
و لكل سائلة تسيل قرار
لا تقبلن دنية ترضونها
في الأمر حتى تقتل الأنصار
و كما تبوء دماؤهم بدمائكم
و كما تهدم بالديار ديار
و ترى نساؤهم يجلن حواسرا
و لهن من ثكل الرجال جؤار

قال نصر حدثنا عمر بن سعد عن سعد بن طريف عن أبي المجاهد عن المحل بن خليفة قال قام عدي بن حاتم الطائي بين يدي علي ع فحمد الله و أثنى عليه و قال يا أمير المؤمنين ما قلت إلا بعلم و لا دعوت إلا إلى حق و لا أمرت إلا برشد و لكن إذا رأيت أن تستأني هؤلاء القوم و تستديمهم حتى تأتيهم كتبك و يقدم عليهم رسلك فعلت فإن يقبلوا يصيبوا رشدهم و العافية أوسع لنا و لهم

[ 178 ]

و إن يتمادوا في الشقاق و لا ينزعوا عن الغي فسر إليهم و قد قدمنا إليهم بالعذر و دعوناهم إلى ما في أيدينا من الحق فو الله لهم من الحق أبعد و على الله أهون من قوم قاتلناهم أمس بناحية البصرة لما دعوناهم إلى الحق فتركوه ناوجناهم براكاء القتال حتى بلغنا منهم ما نحب و بلغ الله منهم رضاه . فقام زيد بن حصين الطائي و كان من أصحاب البرانس المجتهدين فقال الحمد لله حتى يرضى و لا إله إلا الله ربنا أما بعد فو الله إن كنا في شك من قتال من خالفنا و لا تصلح لنا النية في قتالهم حتى نستديمهم و نستأنيهم ما الأعمال إلا في تباب و لا السعي إلا في ضلال و الله تعالى يقول وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ إننا و الله ما ارتبنا طرفة عين فيمن يتبعونه فكيف بأتباعه القاسية قلوبهم القليل من الإسلام حظهم أعوان الظلمة و أصحاب الجور و العدوان ليسوا من المهاجرين و لا الأنصار و لا التابعين بإحسان . فقام رجل من طيئ فقال يا زيد بن حصين أ كلام سيدنا عدي بن حاتم تهجن فقال زيد ما أنتم بأعرف بحق عدي مني و لكني لا أدع القول بالحق و إن سخط الناس . قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن الحارث بن حصين قال دخل أبو زينب

[ 179 ]

بن عوف على علي ع فقال يا أمير المؤمنين لئن كنا على الحق لأنت أهدانا سبيلا و أعظمنا في الخير نصيبا و لئن كنا على ضلال إنك لأثقلنا ظهرا و أعظمنا وزرا قد أمرتنا بالمسير إلى هذا العدو و قد قطعنا ما بيننا و بينهم من الولاية و أظهرنا لهم العداوة نريد بذلك ما يعلمه الله تعالى من طاعتك أ ليس الذي نحن عليه هو الحق المبين و الذي عليه عدونا هو الحوب الكبير .

فقال ع بلى شهدت أنك إن مضيت معنا ناصرا لدعوتنا صحيح النية في نصرنا قد قطعت منهم الولاية و أظهرت لهم العداوة كما زعمت فإنك ولي الله تسبح في رضوانه و تركض في طاعته فأبشر أبا زينب . و قال له عمار بن ياسر اثبت أبا زينب و لا تشك في الأحزاب أعداء الله و رسوله . فقال أبو زينب ما أحب أن لي شاهدين من هذه الأمة شهدا لي عما سألت من هذا الأمر الذي أهمني مكانكما . قال و خرج عمار بن ياسر و هو يقول

سيروا إلى الأحزاب أعداء النبي
سيروا فخير الناس أتباع علي
هذا أوان طاب سل المشرفي
وقودنا الخيل و هز السمهري

قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن أبي روق قال دخل يزيد بن قيس الأرحبي على علي ع فقال يا أمير المؤمنين نحن أولو جهاز و عدة و أكثر

[ 180 ]

الناس أهل قوة و من ليس به ضعف و لا علة فمر مناديك فليناد الناس يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة فإن أخا الحرب ليس بالسئوم و لا النئوم و لا من إذا أمكنته الفرص أجلها و استشار فيها و لا من يؤخر عمل الحرب في اليوم لغد و بعد غد . فقال زياد بن النضر لقد نصح لك يزيد بن قيس يا أمير المؤمنين و قال ما يعرف فتوكل على الله و ثق به و اشخص بنا إلى هذا العدو راشدا معانا فإن يرد الله بهم خيرا لا يتركوك رغبة عنك إلى من ليس له مثل سابقتك و قدمك و إلا ينيبوا و يقبلوا و يأبوا إلا حربنا نجد حربهم علينا هينا و نرجو أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم بالأمس . ثم قام عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي فقال يا أمير المؤمنين إن القوم لو كانوا الله يريدون و لله يعملون ما خالفونا و لكن القوم إنما يقاتلوننا فرارا من الأسوة و حبا للأثرة و ضنا بسلطانهم و كرها لفراق دنياهم التي في أيديهم و على إحن في نفوسهم و عداوة يجدونها في صدورهم لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة قتلت فيها آباءهم و أعوانهم . ثم التفت إلى الناس فقال كيف يبايع معاوية عليا و قد قتل أخاه حنظلة و خاله الوليد و جده عتبة في موقف واحد و الله ما أظنهم يفعلون و لن يستقيموا لكم دون أن تقصف فيهم قنا المران و تقطع على هامهم السيوف و تنثر حواجبهم بعمد الحديد و تكون أمور جمة بين الفريقين .

[ 181 ]

قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن الحارث بن حصين عن عبد الله بن شريك قال خرج حجر بن عدي و عمرو بن الحمق يظهران البراءة من أهل الشام فأرسل علي ع إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما فأتياه فقالا يا أمير المؤمنين أ لسنا محقين قال بلى قالا أ و ليسوا مبطلين قال بلى قالا فلم منعتنا من شتمهم قال كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين تشتمون و تتبرءون و لكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا و كذا و من أعمالهم كذا و كذا كان أصوب في القول و أبلغ في العذر و قلتم مكان لعنكم إياهم و براءتكم منهم اللهم احقن دماءهم و دماءنا و أصلح ذات بينهم و بيننا و اهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق منهم من جهله و يرعوي عن الغي و العدوان منهم من لهج به لكان أحب إلي و خيرا لكم فقالا يا أمير المؤمنين نقبل عظتك و نتأدب بأدبك . قال نصر و قال له عمرو بن الحمق يومئذ و الله يا أمير المؤمنين إني ما أحببتك و لا بايعتك على قرابة بيني و بينك و لا إرادة مال تؤتينيه و لا التماس سلطان ترفع ذكري به و لكنني أحببتك بخصال خمس إنك ابن عم رسول الله ص و وصيه و أبو الذرية التي بقيت فينا من رسول الله ص و أسبق الناس إلى الإسلام و أعظم المهاجرين سهما في الجهاد فلو أني كلفت نقل الجبال الرواسي و نزح البحور الطوامي حتى يأتي علي يومي في أمر أقوي به وليك و أهين عدوك ما رأيت أني قد أديت فيه كل الذي يحق علي من حقك .

فقال علي ع اللهم نور قلبه بالتقى و اهده إلى صراطك المستقيم

[ 182 ]

ليت أن في جندي مائة مثلك فقال حجر إذا و الله يا أمير المؤمنين صح جندك و قل فيهم من يغشك . قال نصر و قام حجر بن عدي فقال يا أمير المؤمنين نحن بنو الحرب و أهلها الذين نلقحها و ننتجها قد ضارستنا و ضارسناها و لنا أعوان و عشيرة ذات عدد و رأي مجرب و بأس محمود و أزمتنا منقادة لك بالسمع و الطاعة فإن شرقت شرقنا و إن غربت غربنا و ما أمرتنا به من أمر فعلنا

فقال علي ع أ كل قومك يرى مثل رأيك قال ما رأيت منهم إلا حسنا و هذه يدي عنهم بالسمع و الطاعة و حسن الإجابة فقال له علي ع خيرا . قال نصر حدثنا عمر بن سعد قال كتب ع إلى عماله حينئذ يستفزهم

فكتب إلى مخنف بن سليم سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن جهاد من صدف عن الحق رغبة عنه و عب في نعاس العمى و الضلال اختيارا له فريضة على العارفين إن الله يرضى عمن أرضاه و يسخط على من عصاه و إنا قد هممنا بالسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد الله بغير ما أنزل الله و استأثروا بالفي‏ء و عطلوا الحدود و أماتوا الحق و أظهروا في الأرض الفساد و اتخذوا الفاسقين وليجة من دون المؤمنين فإذا ولي لله أعظم أحداثهم أبغضوه و أقصوه و حرموه و إذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبوه و أدنوه و بروه فقد أصروا على الظلم و أجمعوا على الخلاف و قديما ما صدوا عن الحق و تعاونوا على الإثم و كانوا ظالمين فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك في نفسك و أقبل إلينا لعلك تلقى معنا هذا العدو

[ 183 ]

المحل فتأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر و تجامع الحق و تباين الباطل فإنه لا غناء بنا و لا بك عن أجر الجهاد و حسبنا الله و نعم الوكيل . و كتبه عبيد الله بن أبي رافع في سنة سبع و ثلاثين . قال فاستعمل مخنف على أصبهان الحارث بن أبي الحارث بن الربيع و استعمل على همذان سعيد بن وهب و كلاهما من قومه و أقبل حتى شهد مع علي ع صفين . قال نصر و كتب عبد الله بن العباس من البصرة إلى علي ع يذكر له اختلاف أهل البصرة

فكتب إليه علي ع من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس أما بعد فقد قدم علي رسولك و قرأت كتابك تذكر فيه حال أهل البصرة و اختلافهم بعد انصرافي عنهم و سأخبرك عن القوم و هم بين مقيم لرغبة يرجوها أو خائف من عقوبة يخشاها فأرغب راغبهم بالعدل عليه و الإنصاف له و الإحسان إليه و احلل عقدة الخوف عن قلوبهم و انته إلى أمري و لا تعده و أحسن إلى هذا الحي من ربيعة و كل من قبلك فأحسن إليه ما استطعت إن شاء الله . قال نصر و كتب إلى أمراء أعماله كلهم بنحو ما كتب به إلى مخنف بن سليم و أقام ينتظرهم . قال فحدثنا عمر بن سعد عن أبي روق قال قال زياد بن النضر الحارثي لعبد الله بن بديل إن يومنا اليوم عصبصب ما يصبر عليه إلا كل مشيع القلب الصادق

[ 184 ]

النية رابط الجأش و ايم الله ما أظن ذلك اليوم يبقي منهم و لا منا إلا الرذال . فقال عبد الله بن بديل أنا و الله أظن ذلك فبلغ كلامهما عليا ع

فقال لهما ليكن هذا الكلام مخزونا في صدوركما لا تظهراه و لا يسمعه منكما سامع إن الله كتب القتل على قوم و الموت على آخرين و كل آتيه منيته كما كتب الله له فطوبى للمجاهدين في سبيله و المقتولين في طاعته . قال نصر فلما سمع هاشم بن عتبة ما قالاه أتى عليا ع فقال سر بنا يا أمير المؤمنين إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم و عملوا في عباد الله بغير رضا الله فأحلوا حرامه و حرموا حلاله و استوى بهم الشيطان و وعدهم الأباطيل و مناهم الأماني حتى أزاغهم عن الهدى و قصد بهم قصد الردى و حبب إليهم الدنيا فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها كرغبتنا في الآخرة و انتجاز موعد ربنا و أنت يا أمير المؤمنين أقرب الناس من رسول الله ص رحما و أفضل الناس سابقة و قدما و هم يا أمير المؤمنين يعلمون منك مثل الذي نعلم و لكن كتب عليهم الشقاء و مالت بهم الأهواء و كانوا ظالمين فأيدينا مبسوطة لك بالسمع و الطاعة و قلوبنا منشرحة لك ببذل النصيحة و أنفسنا تنصرك على من خالفك و تولى الأمر دونك جذلة و الله ما أحب أن لي ما على الأرض مما أقلت و لا ما تحت السماء مما أظلت و أني واليت عدوا لك أو عاديت وليا لك

فقال ع اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك و المرافقة لنبيك

قال نصر ثم إن عليا ع صعد المنبر فخطب الناس و دعاهم إلى الجهاد فبدأ بحمد الله و الثناء عليه ثم قال

[ 185 ]

إن الله قد أكرمكم بدينه و خلقكم لعبادته فانصبوا أنفسكم في أداء حقه و تنجزوا موعوده و اعلموا أن الله جعل أمراس الإسلام متينة و عراه وثيقة ثم جعل الطاعة حظ الأنفس و رضا الرب و غنيمة الأكياس عند تفريط العجزة و قد حملت أمر أسودها و أحمرها و لا قوة إلا بالله و نحن سائرون إن شاء الله إلى من سفه نفسه و تناول ما ليس له و ما لا يدركه معاوية و جنده الفئة الطاغية الباغية يقودهم إبليس و يبرق لهم ببارق تسويفه و يدليهم بغروره و أنتم أعلم الناس بالحلال و الحرام فاستغنوا بما علمتم و احذروا ما حذركم الله من الشيطان و ارغبوا فيما عنده من الأجر و الكرامة و اعلموا أن المسلوب من سلب دينه و أمانته و المغرور من آثر الضلالة على الهدى فلا أعرفن أحدا منكم تقاعس عني و قال في غيري كفاية فإن الذود إلى الذود إبل و من لا يذد عن حوضه يتهدم ثم إني آمركم بالشدة في الأمر و الجهاد في سبيل الله و ألا تغتابوا مسلما و انتظروا للنصر العاجل من الله إن شاء الله

قال نصر ثم قام ابنه الحسن بن علي ع فقال الحمد لله لا إله غيره و لا شريك له ثم قال إن مما عظم الله عليكم من حقه و أسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره و لا يؤدى شكره و لا يبلغه قول و لا صفة و نحن إنما غضبنا لله و لكم إنه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد أمرهم و استحكمت عقدتهم فاحتشدوا في قتال عدوكم معاوية و جنوده و لا تخاذلوا فإن الخذلان يقطع نياط القلوب و إن الإفدام على الأسنة نخوة و عصمة لم يتمنع قوم قط إلا رفع الله عنهم العلة و كفاهم جوائح الذلة و هداهم إلى معالم الملة ثم أنشد

[ 186 ]

و الصلح تأخذ منه ما رضيت به
و الحرب يكفيك من أنفاسها جرع

ثم قام الحسين بن علي ع فحمد الله و أثنى عليه و قال يا أهل الكوفة أنتم الأحبة الكرماء و الشعار دون الدثار جدوا في إطفاء ما دثر بينكم و تسهيل ما توعر عليكم ألا إن الحرب شرها ذريع و طعمها فظيع فمن أخذ لها أهبتها و استعد لها عدتها و لم يألم كلومها قبل حلولها فذاك صاحبها و من عاجلها قبل أوان فرصتها و استبصار سعيه فيها فذاك قمن ألا ينفع قومه و أن يهلك نفسه نسأل الله بقوته أن يدعمكم بالفيئة ثم نزل

قال نصر فأجاب عليا ع إلى السير جل الناس إلا أن أصحاب عبد الله بن مسعود أتوه فيهم عبيدة السلماني و أصحابه فقالوا له إنا نخرج معكم و لا نترك عسكركم و نعسكر على حدة حتى ننظر في أمركم و أمر أهل الشام فمن رأيناه أراد ما لا يحل له أو بدا لنا منه بغي كنا عليه فقال لهم علي ع مرحبا و أهلا هذا هو الفقه في الدين و العلم بالسنة من لم يرض بهذا فهو خائن جبار . و أتاه آخرون من أصحاب عبد الله بن مسعود منهم الربيع بن خثيم و هم يومئذ أربعمائة رجل فقالوا يا أمير المؤمنين إنا قد شككنا في هذا القتال على معرفتنا بفضلك و لا غناء بنا و لا بك و لا بالمسلمين عمن يقاتل العدو فولنا بعض هذه الثغور نكمن ثم نقاتل عن أهله فوجه علي ع بالربيع بن خثيم على ثغر الري فكان أول لواء عقده ع بالكوفة لواء الربيع بن خثيم .

[ 187 ]

قال نصر و حدثني عمر بن سعد عن يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر أن عليا ع لم يبرح النخيلة حتى قدم عليه ابن عباس بأهل البصرة قال و كان كتاب علي ع إلى ابن عباس

أما بعد فاشخص إلي بمن قبلك من المسلمين و المؤمنين و ذكرهم بلائي عندهم و عفوي عنهم في الحرب و أعلمهم الذي لهم في ذلك من الفضل و السلام

قال فلما وصل كتابه إلى ابن عباس بالبصرة قام في الناس فقرأ عليهم الكتاب و حمد الله و أثنى عليه و قال أيها الناس استعدوا للشخوص إلى إمامكم و انفروا خفافا و ثقالا و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم فإنكم تقاتلون المحلين القاسطين الذين لا يقرءون القرآن و لا يعرفون حكم الكتاب و لا يدينون دين الحق مع أمير المؤمنين و ابن عم رسول الله الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر و الصادع بالحق و القيم بالهدى و الحاكم بحكم الكتاب الذي لا يرتشي في الحكم و لا يداهن الفجار و لا تأخذه في الله لومة لائم . فقام إليه الأحنف بن قيس فقال نعم و الله لنجيبنك و لنخرجن معك على العسر و اليسر و الرضا و الكره نحتسب في ذلك الأجر و نأمل به من الله العظيم حسن الثواب . و قام خالد بن المعمر السدوسي فقال سمعنا و أطعنا فمتى استنفرتنا نفرتا و متى دعوتنا أجبنا . و قام عمرو بن مرجوم العبدي فقال وفق الله أمير المؤمنين و جمع له أمر المسلمين

[ 188 ]

و لعن المحلين القاسطين لا يقرءون القرآن نحن و الله عليهم حنقون و لهم في الله مفارقون فمتى أردتنا صحبك خيلنا و رجالنا إن شاء الله . قال و أجاب الناس إلى المسير و نشطوا و خفوا فاستعمل ابن عباس على البصرة أبا الأسود الدؤلي و خرج حتى قدم على علي ع بالنخيلة