أخبار علي في جيشه و هو في طريقه إلى صفين

قال نصر بن مزاحم ثم سار ع حتى انتهى إلى مدينة بهرسير و إذا رجل من أصحابه يقال له حر بن سهم بن طريف من بني ربيعة بن مالك ينظر إلى آثار كسرى و يتمثل بقول الأسود بن يعفر

جرت الرياح على محل ديارهم
فكأنما كانوا على ميعاد

فقال له ع ألا قلت كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّماءُ وَ اَلْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ إن هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا مورثين و لم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية إياكم و كفر النعم لا تحل بكم النقم انزلوا بهذه الفجوة .

[ 203 ]

قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن مسلم الأعور عن حبة العرني قال أمر علي ع الحارث الأعور فصاح في أهل المدائن من كان من المقاتلة فليواف أمير المؤمنين ع صلاة العصر فوافوه في تلك الساعة فحمد الله و أثنى عليه

ثم قال أما بعد فإني قد تعجبت من تخلفكم عن دعوتكم و انقطاعكم عن أهل مصركم في هذه المساكن الظالم أهلها الهالك أكثر ساكنيها لا معروف يأمرون به و لا منكر ينهون عنه . قالوا يا أمير المؤمنين إنا ننتظر أمرك مرنا بما أحببت فسار و خلف عليهم عدي بن حاتم أقام عليهم ثلاثا ثم خرج في ثمانمائة رجل منهم و خلف ابنه زيدا بعده فلحقه في أربعمائة رجل منهم . و جاء علي ع حتى مر بالأنبار فاستقبله بنو خشنوشك دهاقينها قال نصر الكلمة فارسية أصلها خش أي الطيب قال فلما استقبلوه نزلوا عن خيولهم ثم جاءوا يشتدون معه و بين يديه و معهم براذين قد أوقفوها في طريقه فقال ما هذه الدواب التي معكم و ما أردتم بهذا الذي صنعتم قالوا أما هذا الذي صنعنا فهو خلق منا نعظم به الأمراء و أما هذه البراذين فهدية لك و قد صنعنا للمسلمين طعاما و هيأنا لدوابكم علفا كثيرا .

فقال ع أما هذا الذي زعمتم أنه فيكم خلق تعظمون به الأمراء فو الله ما ينفع ذلك الأمراء و إنكم لتشقون به على أنفسكم و أبدانكم فلا تعودوا

[ 204 ]

له و أما دوابكم هذه فإن أحببتم أن آخذها منكم و أحسبها لكم من خراجكم أخذناها منكم و أما طعامكم الذي صنعتم لنا فإنا نكره أن نأكل من أموالكم إلا بثمن قالوا يا أمير المؤمنين نحن نقومه ثم نقبل ثمنه قال إذا لا تقومونه قيمته نحن نكتفي بما هو دونه قالوا يا أمير المؤمنين فإن لنا من العرب موالي و معارف أ تمنعنا أن نهدي لهم أو تمنعهم أن يقبلوا منا فقال كل العرب لكم موال و ليس ينبغي لأحد من المسلمين أن يقبل هديتكم و إن غصبكم أحد فأعلمونا قالوا يا أمير المؤمنين إنا نحب أن تقبل هديتنا و كرامتنا قال ويحكم فنحن أغنى منكم و تركهم و سار . قال نصر و حدثنا عبد العزيز بن سياه قال حدثنا حبيب بن أبي ثابت قال حدثنا أبو سعيد التيمي المعروف بعقيصي قال كنا مع علي ع في مسيره إلى الشام حتى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش الناس و احتاجوا إلى الماء فانطلق بنا علي ع حتى أتى بنا إلى صخرة ضرس في الأرض كأنها ربضة عنز فأمرنا فاقتلعناها فخرج لنا من تحتها ماء فشرب الناس منه و ارتووا ثم أمرنا فأكفأناها عليه و سار الناس حتى إذا مضى قليلا قال ع أ منكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه قالوا نعم يا أمير المؤمنين قال فانطلقوا إليه فانطلق منا رجال ركبانا و مشاة فاقتصصنا الطريق إليه حتى انتهينا إلى المكان الذي نرى أنه فيه فطلبناه فلم نقدر على شي‏ء حتى إذا عيل علينا انطلقنا إلى دير قريب

[ 205 ]

منا فسألناهم أين هذا الماء الذي عندكم قالوا ليس قربنا ماء فقلنا بلى إنا شربنا منه قالوا أنتم شربتم منه قلنا نعم فقال صاحب الدير و الله ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء و ما استخرجه إلا نبي أو وصي نبي .

قال نصر ثم مضى ع حتى نزل بأرض الجزيرة فاستقبله بنو تغلب و النمر بن قاسط بجزور فقال ع ليزيد بن قيس الأرحبي يا يزيد قال لبيك يا أمير المؤمنين قال هؤلاء قومك من طعامهم فاطعم و من شرابهم فاشرب . قال ثم سار حتى أتى الرقة و جل أهلها عثمانية فروا من الكوفة إلى معاوية فأغلقوا أبوابها دونه و تحصنوا و كان أميرهم سماك بن مخرقة الأسدي في طاعة معاوية و قد كان فارق عليا ع في نحو من مائة رجل من بني أسد ثم كاتب معاوية و أقام بالرقة حتى لحق به سبعمائة رجل . قال نصر فروى حبة أن عليا ع لما نزل على الرقة نزل بموضع يقال له البليخ على جانب الفرات فنزل راهب هناك من صومعته فقال لعلي ع إن عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا كتبه أصحاب عيسى ابن مريم أعرضه عليك قال نعم فقرأ الراهب الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضي فيما قضي و سطر فيما كتب أنه باعث في الأميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب و الحكمة و يدلهم على سبيل الله لا فظ و لا غليظ و لا صخاب في الأسواق و لا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو و يصفح أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل نشر و في كل صعود و هبوط تذل ألسنتهم

[ 206 ]

بالتكبير و التهليل و التسبيح و ينصره الله على من ناواه فإذا توفاه الله اختلفت أمته من بعده ثم اجتمعت فلبثت ما شاء الله ثم اختلفت فيمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يقضي بالحق و لا يركس الحكم الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت به الريح و الموت أهون عليه من شرب الماء على الظمآن يخاف الله في السر و ينصح له في العلانية لا يخاف في الله لومة لائم فمن أدرك ذلك النبي من أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني و الجنة و من أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإن القتل معه شهادة . ثم قال له أنا مصاحبك فلا أفارقك حتى يصيبني ما أصابك فبكى ع

ثم قال الحمد لله الذي لم أكن عنده منسيا الحمد لله الذي ذكرني عنده في كتب الأبرار . فمضى الراهب معه فكان فيما ذكروا يتغدى مع أمير المؤمنين و يتعشى حتى أصيب يوم صفين فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم

قال ع اطلبوه فلما وجدوه صلى عليه و دفنه و قال هذا منا أهل البيت و استغفر له مرارا . روى هذا الخبر نصر بن مزاحم في كتاب صفين عن عمر بن سعد عن مسلم الأعور عن حبة العرني و رواه أيضا إبراهيم بن ديزيل الهمداني بهذا الإسناد عن حبة أيضا في كتاب صفين .

و روى ابن ديزيل في هذا الكتاب قال حدثني يحيى بن سليمان حدثني يحيى بن عبد الملك بن حميد بن عتيبة عن أبيه عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه و محمد

[ 207 ]

بن فضيل عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبي سعيد الخدري رحمه الله قال كنا مع رسول الله ص فانقطع شسع نعله فألقاها إلى علي ع يصلحها ثم قال إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فقال أبو بكر الصديق أنا هو يا رسول الله فقال لا فقال عمر بن الخطاب أنا هو يا رسول الله قال لا و لكنه ذاكم خاصف النعل و يد علي ع على نعل النبي ص يصلحها . قال أبو سعيد فأتيت عليا ع فبشرته بذلك فلم يحفل به كأنه شي‏ء قد كان علمه من قبل . و روى ابن ديزيل في هذا الكتاب أيضا عن يحيى بن سليمان عن ابن فضيل عن إبراهيم الهجري عن أبي صادق قال قدم علينا أبو أيوب الأنصاري العراق فأهدت له الأزد جزرا فبعثوها معي فدخلت إليه فسلمت عليه و قلت له يا أبا أيوب قد كرمك الله عز و جل بصحبة نبيه ص و نزوله عليك فما لي أراك تستقبل الناس بسيفك تقاتلهم هؤلاء مرة و هؤلاء مرة قال إن رسول الله ص عهد إلينا أن نقاتل مع علي الناكثين فقد قاتلناهم و عهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين فهذا وجهنا إليهم يعني معاوية و أصحابه و عهد إلينا أن نقاتل معه المارقين و لم أرهم بعد .

و روى ابن ديزيل أيضا في هذا الكتاب عن يحيى عن يعلى بن عبيد الحنفي عن إسماعيل السدي عن زيد بن أرقم قال كنا مع رسول الله ص و هو

[ 208 ]

في الحجرة يوحى إليه و نحن ننتظره حتى اشتد الحر فجاء علي بن أبي طالب و معه فاطمة و حسن و حسين ع فقعدوا في ظل حائط ينتظرونه فلما خرج رسول الله ص رآهم فأتاهم و وقفنا نحن مكاننا ثم جاء إلينا و هو يظلهم بثوبه ممسكا بطرف الثوب و علي ممسك بطرفه الآخر و هو يقول اللهم إني أحبهم فأحبهم اللهم إني سلم لمن سالمهم و حرب لمن حاربهم قال فقال ذلك ثلاث مرات

قال إبراهيم في الكتاب المذكور و حدثنا يحيى بن سليمان قال حدثنا ابن فضيل قال حدثنا الحسن بن الحكم النخعي عن رباح بن الحارث النخعي قال كنت جالسا عند علي ع إذ قدم عليه قوم متلثمون فقالوا السلام عليك يا مولانا فقال لهم أ و لستم قوما عربا قالوا بلى و لكنا سمعنا رسول الله ص يقول يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله قال فلقد رأيت عليا ع ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال اشهدوا . ثم إن القوم مضوا إلى رحالهم فتبعتهم فقلت لرجل منهم من القوم قالوا نحن رهط من الأنصار و ذاك يعنون رجلا منهم أبو أيوب صاحب منزل رسول الله ص قال فأتيته فصافحته .

قال نصر و حدثني عمر بن سعد عن نمير بن وعلة عن أبي الوداك أن عليا ع بعث من المدائن معقل بن قيس الرياحي في ثلاث آلاف و قال له خذ على

[ 209 ]

الموصل ثم نصيبين ثم القنى بالرقة فإني موافيها و سكن الناس و أمنهم و لا تقاتل إلا من قاتلك و سر البردين و غور بالناس أقم الليل و رفه في السير و لا تسر أول الليل فإن الله جعله سكنا أرح فيه بدنك و جندك و ظهرك فإذا كان السحر أو حين يتبلج الفجر فسر . فسار حتى أتى الحديثة و هي إذ ذاك منزل الناس و إنما بنى مدينة الموصل بعد ذلك محمد بن مروان فإذا بكبشين ينتطحان و مع معقل بن قيس رجل من خثعم يقال له شداد بن أبي ربيعة قتل بعد ذلك مع الحرورية فأخذ يقول إيه إيه فقال معقل ما تقول فجاء رجلان نحو الكبشين فأخذ كل واحد منهما كبشا و انصرفا فقال الخثعمي لمعقل لا تغلبون و لا تغلبون فقال معقل من أين علمت قال أ ما أبصرت الكبشين أحدهما مشرق و الآخر مغرب التقيا فاقتتلا و انتطحا فلم يزل كل واحد من مصاحبه منتصفا حتى أتى كل واحد منهما صاحبه فانطلق به فقال معقل أ و يكون خيرا مما تقول يا أخا خثعم ثم مضى حتى وافى عليا ع بالرقة . قال نصر و قالت طائفة من أصحاب علي ع له يا أمير المؤمنين اكتب إلى معاوية و من قبله من قومك فإن الحجة لا تزداد عليهم بذلك إلا عظما

فكتب إليهم ع بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية و من قبله من قريش

[ 210 ]

سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن لله عبادا آمنوا بالتنزيل و عرفوا التأويل و فقهوا في الدين و بين الله فضلهم في القرآن الحكيم و أنتم في ذلك الزمان أعداء للرسول تكذبون بالكتاب مجمعون على حرب المسلمين من ثقفتم منهم حبستموه أو عذبتموه أو قتلتموه حتى أراد الله تعالى إعزاز دينه و إظهار أمره فدخلت العرب في الدين أفواجا و أسلمت له هذه الأمة طوعا و كرها فكنتم فيمن دخل في هذا الدين إما رغبة و إما رهبة على حين فاز أهل السبق بسبقهم و فاز المهاجرون الأولون بفضلهم و لا ينبغي لمن ليست له مثل سوابقهم في الدين و لا فضائلهم في الإسلام أن ينازعهم الأمر الذي هم أهله و أولى به فيجور و يظلم و لا ينبغي لمن كان له عقل أن يجهل قدره و يعدو طوره و يشقى نفسه بالتماس ما ليس بأهله فإن أولى الناس بأمر هذه الأمة قديما و حديثا أقربها من الرسول و أعلمها بالكتاب و أفقهها في الدين أولها إسلاما و أفضلها جهادا و أشدها بما تحمله الأئمة من أمر الأمة اضطلاعا فاتقوا الله الذي إليه ترجعون و لا تلبسوا الحق بالباطل و تكتموا الحق و أنتم تعلمون و اعلموا أن خيار عباد الله الذين يعملون بما يعلمون و أن شرارهم الجهال الذين ينازعون بالجهل أهل العلم فإن للعالم بعلمه فضلا و إن الجاهل لا يزداد بمنازعته العالم إلا جهلا ألا و إني أدعوكم إلى كتاب الله و سنة نبيه و حقن دماء هذه الأمة فإن قبلتم أصبتم رشدكم و اهتديتم لحظكم و إن أبيتم إلا الفرقة و شق عصا هذه الأمة لم تزدادوا من الله إلا بعدا و لا يزداد الرب عليكم إلا سخطا و السلام . فكتب إليه معاوية جواب هذا الكتاب سطرا واحدا و هو أما بعد فإنه

[ 211 ]

ليس بيني و بين قيس عتاب
غير طعن الكلي و ضرب الرقاب

فقال علي ع لما أتاه هذا الجواب إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اَللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ

قال نصر و قال علي ع لأهل الرقة جسروا لي جسرا أعبر عليه من هذا المكان إلى الشام فأبوا و قد كانوا ضموا السفن إليهم فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج و خلف عليهم الأشتر فقال يا أهل هذا الحصن إني أقسم بالله إن مضى أمير المؤمنين ع و لم تجسروا له عند مدينتكم حتى يعبر منها لأجردن فيكم السيف فلأقتلن مقاتلكم و لأخربن أرضكم و لآخذن أموالكم . فلقي بعضهم بعضا فقالوا إن الأشتر يفي بما حلف عليه و إنما خلفه علي عندنا ليأتينا بشر فبعثوا إليه إنا ناصبون لكم جسرا فأقبلوا فأرسل الأشتر إلى علي ع فجاء و نصبوا له الجسر فعبر الأثقال و الرجال و أمر الأشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس حتى لم يبق من الناس أحد إلا عبر ثم عبر آخر الناس رجلا . قال نصر و ازدحمت الخيل حين عبرت فسقطت قلنسوة عبد الله بن أبي الحصين فنزل فأخذها و ركب ثم سقطت قلنسوة عبد الله بن الحجاج فنزل فأخذها ثم ركب فقال لصاحبه

فإن يك ظن الزاجري الطير صادقا
كما زعموا أقتل وشيكا و تقتل

فقال عبد الله بن أبي الحصين ما شي‏ء أحب إلي مما ذكرت فقتلا معا يوم صفين .

[ 212 ]

قال نصر فلما قطع علي ع الفرات دعا زياد بن النضر و شريح بن هانئ فسرحهما أمامه نحو معاوية على حالهما الذي كانا عليه حين خرجا من الكوفة في اثني عشر ألفا و قد كانا حيث سرحهما من الكوفة مقدمة له أخذا على شاطئ الفرات من قبل البر مما يلي الكوفة حتى بلغا عانات فبلغهم أخذ علي ع طريق الجزيرة و علما أن معاوية قد أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقباله فقالا و الله ما هذا برأي أن نسير و بيننا و بين أمير المؤمنين هذا البحر و ما لنا خير في أن نلقى جموع الشام في قلة من العدد منقطعين عن المدد فذهبوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهلها و حبسوا عنهم السفن فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت و لحقوا عليا ع بقرية دون قرقيسيا فلما لحقوا عليا ع عجب و قال مقدمتي تأتي من ورائي فقام له زياد و شريح و أخبراه بالرأي الذي رأيا فقال قد أصبتما رشدكما فلما عبروا الفرات قدمهما أمامه نحو معاوية فلما انتهيا إلى معاوية لقيهما أبو الأعور السلمي في جنود من أهل الشام و هو على مقدمة معاوية فدعواه إلى الدخول في طاعة أمير المؤمنين ع فأبى فبعثوا إلى علي ع إنا قد لقينا أبا الأعور السلمي بسور الروم في جند من أهل الشام فدعوناه و أصحابه إلى الدخول في طاعتك فأبى علينا فمرنا بأمرك . فأرسل علي ع إلى الأشتر

فقال يا مال إن زيادا و شريحا أرسلا إلي يعلمانني أنهما لقيا أبا الأعور السلمي في جند من أهل الشام بسور الروم و نبأني الرسول أنه تركهم متواقفين فالنجاء النجاء إلى أصحابك فإذا أتيتهم فأنت عليهم و إياك أن تبدأ القوم بقتال إن لم يبدءوك و ألقهم و اسمع منهم و لا يجرمنك شنآنهم على قتالهم قبل

[ 213 ]

دعائهم و الإعذار إليهم مرة بعد مرة و اجعل على ميمنتك زيادا و على ميسرتك شريحا و قف من أصحابك وسطا و لا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب و لا تتباعد عنهم تباعد من يهاب الناس حتى أقدم عليك فإني حثيث السير إليك إن شاء الله قال و كتب علي ع إليهما و كان الرسول الحارث بن جمهان الجعفي

أما بعد فإني قد أمرت عليكما مالكا فاسمعا له و أطيعا أمره و هو ممن لا يخاف رهقه و لا سقاطه و لا بطؤه عما الإسراع إليه أحزم و لا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل و قد أمرته بمثل الذي أمرتكما ألا يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم و يدعوهم و يعذر إليهم إن شاء الله . قال فخرج الأشتر حتى قدم على القوم فاتبع ما أمره به علي ع و كف عن القتال فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور فثبتوا له و اضطربوا ساعة ثم إن أهل الشام انصرفوا ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل و رجال حسن عدتها و عددها فخرج إليهم أبو الأعور السلمي فاقتتلوا يومهم ذلك تحمل الخيل على الخيل و الرجال على الرجال و صبر بعضهم لبعض ثم انصرفوا و بكر عليهم الأشتر فقتل من أهل الشام عبد الله بن المنذر التنوخي قتله ظبيان بن عمارة التميمي و ما هو يومئذ إلا فتى حديث السن و إن كان الشامي لفارس أهل الشام و أخذ الأشتر يقول ويحكم أروني أبا الأعور . ثم إن أبا الأعور دعا الناس فرجعوا نحوه فوقف على تل من وراء المكان الذي كان فيه أول مرة و جاء الأشتر حتى صف أصحابه في المكان الذي كان فيه أبو الأعور أول مرة فقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي انطلق إلى أبو الأعور فادعه إلى المبارزة

[ 214 ]

فقال إلى مبارزتي أم إلى مبارزتك فقال أ و لو أمرتك بمبارزته فعلت قال نعم و الذي لا إله إلا هو لو أمرتني أن أعترض صفهم بسيفي لفعلت حتى أضربه بالسيف فقال يا ابن أخي أطال الله بقاءك قد و الله ازددت فيك رغبة لا ما أمرتك بمبارزته إنما أمرتك أن تدعوه لمبارزتي فإنه لا يبارز إن كان ذلك من شأنه إلا ذوي الأسنان و الكفاءة و الشرف و أنت بحمد الله من أهل الكفاءة و الشرف و لكنك حديث السن و ليس يبارز الأحداث فاذهب فادعه إلى مبارزتي . فأتاهم فقال أنا رسول فآمنوني فجاء حتى انتهى إلى أبي الأعور . قال نصر فحدثني عمر بن سعد عن أبي زهير العبسي عن صالح بن سنان عن أبيه قال فقلت له إن الأشتر يدعوك إلى المبارزة قال فسكت عني طويلا ثم قال إن خفة الأشتر و سوء رأيه و هوانه دعاه إلى إجلاء عمال عثمان و افترائه عليه يقبح محاسنه و يجهل حقه و يظهر عداوته و من خفة الأشتر و سوء رأيه أنه سار إلى عثمان في داره و قراره فقتله فيمن قتله و أصبح متبعا بدمه لا حاجة لي في مبارزته . فقلت إنك قد تكلمت فاسمع حتى أجيبك فقال لا حاجة لي في جوابك و لا الاستماع منك اذهب عني و صاح بي أصحابه فانصرفت عنه و لو سمع لأسمعته عذر صاحبي و حجته . فرجعت إلى الأشتر فأخبرته أنه قد أبى المبارزة فقال لنفسه نظر . قال فتواقفنا فإذا هم قد انصرفوا قال و صبحنا علي ع غدوة سائرا نحو معاوية فإذا أبو الأعور قد سبق إلى سهولة الأرض و سعة المنزل و شريعة الماء مكان

[ 215 ]

أفيح و كان أبو الأعور على مقدمة معاوية و اسمه سفيان بن عمرو و قد جعل على ساقته بسر بن أرطاة العامري و على الخيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب و دفع اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد و جعل على ميمنته حبيب بن مسلمة الفهري و على رجالته من الميمنة يزيد بن زحر الضبي و على الميسرة عبد الله بن عمرو بن العاص و على الرجالة من الميسرة حابس بن سعيد الطائي و على خيل دمشق الضحاك بن قيس الفهري و على رجالة أهل دمشق يزيد بن أسد بن كرز البجلي و على أهل حمص ذا الكلاع و على أهل فلسطين مسلمة بن مخلد و كان وصول علي ع إلى صفين لثمان بقين من المحرم من سنة سبع و ثلاثين

[ 216 ]