الفصل الأول

و هو الكلام في كونه تعالى عالما بالأمور الخفية

فاعلم أن أمير المؤمنين ع إنما قال بطن خفيات الأمور و هذا القدر من الكلام يقتضي كونه تعالى عالما يعلم الأمور الخفية الباطنة و هذا منقسم قسمين أحدهما أن يعلم الأمور الخفية الحاضرة . و الثاني أن يعلم الأمور الخفية المستقبلة . و الكلام من حيث إطلاقه يحتمل الأمرين فنحمله عليهما معا فقد خالف في كل واحدة من المسألتين قوم فمن الناس من نفى كونه عالما بالمستقبلات و من الناس من نفى كونه عالما بالأمور الحاضرة سواء كانت خفية أو ظاهرة و هذا يقتضينا أن نشرح أقوال العقلاء في هذه المسائل فنقول إن الناس فيها على أقوال القول الأول قول جمهور المتكلمين و هو أن البارئ سبحانه يعلم كل معلوم الماضي و الحاضر و المستقبل ظاهرها و باطنها و محسوسها و غير محسوسها فهو تعالى العالم بما كان و ما هو حاضر و ما سيكون و ما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون كقوله

[ 219 ]

تعالى وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ فهذا علم بأمر مقدر على تقدير وقوع أصله الذي قد علم أنه لا يكون . القول الثاني قول من زعم أنه تعالى لا يعلم الأمور المستقبلة و شبهوه بكونه مدركا قالوا كما أنه لا يدرك المستقبلات فكذلك لا يعلم المستقبلات و هو قول هشام بن الحكم . القول الثالث قول من زعم أنه لا يعلم الأمور الحاضرة و هذا القول نقيض القول الثاني و شبهوه بكونه قادرا قالوا كما أنه لا يقدر على الموجود فكذلك لا يعلم الموجود و نسب ابن الراوندي هذا القول إلى معمر بن عباد أحد شيوخنا و أصحابنا يكذبونه في ذلك و يدفعون الحكاية عنه . القول الرابع قول من زعم أنه تعالى لا يعلم نفسه خاصة و يعلم كل ما عدا ذاته و نسب ابن الراوندي هذه المقالة إلى معمر أيضا و قال إنه يقول إن العالم غير المعلوم و الشي‏ء لا يكون غير نفسه و أصحابنا يكذبون ابن الراوندي في هذه الحكاية و ينزهون معمرا عنها . القول الخامس قول من قال إنه تعالى لم يكن فيما لم يزل عالما بشي‏ء أصلا و إنما أحدث لنفسه علما علم به الأشياء و هو قول جهم بن صفوان . القول السادس قول من قال إنه تعالى لا يعلم كل المعلومات على تفاصيلها و إنما يعلم ذلك إجمالا و هؤلاء يسمون المسترسلية لأنهم يقولون يسترسل علمه على المعلومات

[ 220 ]

إجمالا لا تفصيلا و هو مذهب الجويني من متكلمي الأشعرية . القول السابع قول من قال إنه تعالى يعلم المعلومات المفصلة ما لم يفض القول به إلى محال و زعموا أن القول بأنه يعلم كل شي‏ء يفضي إلى محال و هو أن يعلم و يعلم أنه يعلم و هلم جرا إلى ما لا نهاية له و كذلك المحال لازم إذا قيل إنه يعلم الفروع و فروع الفروع و لوازمها و لوازم لوازمها إلى ما لا نهاية له قالوا و محال اجتماع كل هذه العلوم غير المتناهية في الوجود و هذا مذهب أبي البركات البغدادي صاحب المعتبر . القول الثامن قول من زعم أنه تعالى لا يعلم الشخصيات الجزئية و إنما يعلم الكليات التي لا يجوز عليها التغيير كالعلم بأن كل إنسان حيوان و يعلم نفسه أيضا و هذا مذهب أرسطو و ناصري قوله من الفلاسفة كابن سينا و غيره . القول التاسع قول من زعم أنه تعالى لا يعلم شيئا أصلا لا كليا و لا جزئيا و إنما وجد العالم عنه لخصوصية ذاته فقط من غير أن يعلمه كما أن المغناطيس يجذب الحديد لقوة فيه من غير أن يعلم بالجذب و هذا قول قوم من قدماء الفلاسفة . فهذا تفصيل المذاهب في هذه المسألة . و اعلم أن حجة المتكلمين على كونه عالما بكل شي‏ء إنما تتضح بعد إثبات حدوث العالم و أنه فعله بالاختيار فحينئذ لا بد من كونه عالما لأنه لو لم يكن عالما بشي‏ء أصلا لما صح أن يحدث العالم على طريق الاختيار لأن الإحداث على طريق الاختيار إنما يكون بالغرض و الداعي و ذلك يقتضي كونه عالما فإذا ثبت أنه عالم بشي‏ء أفسدوا حينئذ أن يكون عالما بمعنى اقتضى له العالمية أو بأمر خارج عن ذاته مختارا كان أو غير مختار

[ 221 ]

فحينئذ ثبت لهم أنه إنما علم لأنه هذه الذات المخصوصة لا لشي‏ء أزيد منها فإذا كان لهم ذلك وجب أن يكون عالما بكل معلوم لأن الأمر الذي أوجب كونه عالما بأمر ما هو ذاته يوجب كونه عالما بغيره من الأمور لأن نسبة ذاته إلى الكل نسبة واحدة . فأما الجواب عن شبه المخالفين فمذكور في المواضع المختصة بذلك فليطلب من كتبنا الكلامية