الفصل الثاني

 في تفسير قوله ع و دلت عليه أعلام الظهور

فنقول إن الذي يستدل به على إثبات الصانع يمكن أن يكون من وجهين و كلاهما يصدق عليه أنه أعلام الظهور أحدهما الوجود و الثاني الموجود . أما الاستدلال عليه بالوجود نفسه فهي طريقة المدققين من الفلاسفة فإنهم استدلوا على أن مسمى الوجود مشترك و أنه زائد على ماهيات الممكنات و أن وجود البارئ لا يصح أن يكون زائدا على ماهيته فتكون ماهيته وجودا و لا يجوز أن تكون ماهيته عارية عن الوجود فلم يبق إلا أن تكون ماهيته هي الوجود نفسه و أثبتوا وجوب ذلك الوجود و استحالة تطرق العدم بوجه ما فلم يفتقروا في إثبات البارئ إلى تأمل أمر غير نفس الوجود . و أما الاستدلال عليه بالموجود لا بالوجود نفسه فهو الاستدلال عليه بأفعاله و هي طريقة المتكلمين قالوا كل ما لم يعلم بالبديهة و لا بالحس فإنما يعلم بآثاره الصادرة عنه و البارئ تعالى كذلك فالطريق إليه ليس إلا أفعاله فاستدلوا عليه بالعالم و قالوا تارة العالم محدث و كل محدث له محدث و قالوا تارة أخرى العالم ممكن فله مؤثر

[ 222 ]

و قال ابن سينا إن الطريقة الأولى و هي الاستدلال عليه بالوجود نفسه أعلى و أشرف لأنه لم يحتج فيها إلى الاحتجاج بأمر خارج عن ذاته و استنبط آية من الكتاب العزيز في هذا المعنى و هي قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي اَلْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ . قال ابن سينا أقول إن هذا حكم لقوم يعني المتكلمين و غيرهم ممن يستدل عليه تعالى بأفعاله و تمام الآية أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ . قال هذا حكم الصديقين الذين يستشهدون به لا عليه يعني الذين استدلوا عليه بنفس الوجود و لم يفتقروا إلى التعلق بأفعاله في إثبات ربوبيته