الفصل الخامس

في بيان أن الجاحد له مكابر بلسانه و مثبت له بقلبه

و هو معنى قوله ع فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود . لا شبهة في أن العلم بافتقار المتغير إلى المغير ضروري و العلم بأن المتغير ليس هو المغير

[ 239 ]

إما أن يكون ضروريا أو قريبا من الضروري فإذا قد شهدت أعلام الوجود على أن الجاحد لإثبات الصانع إنما هو جاحد بلسانه لا بقلبه لأن العقلاء لا يجحدون الأوليات بقلوبهم و إن كابروا بألسنتهم و لم يذهب أحد من العقلاء إلى نفي الصانع سبحانه . و أما القائلون بأن العالم وجد عن طبيعة و أن الطبيعة هي المدبرة له و القائلون بتصادم الأجزاء في الخلاء الذي لا نهاية له حتى حصل منها هذا العالم و القائلون بأن أصل العالم و أساس بنيته هو النور و الظلمة و القائلون بأن مبادئ العالم هي الأعداد المجردة و القائلون بالهيولى القديمة التي منها حدث العالم و القائلون بعشق النفس للهيولى حتى تكونت منها هذه الأجسام فكل هؤلاء أثبتوا الصانع و إنما اختلفوا في ماهيته و كيفية فعله . و قال قاضي القضاة إن أحدا من العقلاء لم يذهب إلى نفي الصانع للعالم بالكلية و لكن قوما من الوراقين اجتمعوا و وضعوا بينهم مقالة لم يذهب أحد إليها و هي أن العالم قديم لم يزل على هيئته هذه و لا إله للعالم و لا صانع أصلا و إنما هو هكذا ما زال و لا يزال من غير صانع و لا مؤثر . قال و أخذ ابن الراوندي هذه المقالة فنصرها في كتابه المعروف بكتاب التاج قال فأما الفلاسفة القدماء و المتأخرون فلم ينفوا الصانع و إنما نفوا كونه فاعلا بالاختيار و تلك مسألة أخرى قال و القول بنفي الصانع قريب من القول بالسفسطة بل هو هو بعينه لأن من شك في المحسوس أعذر ممن قال إن المتحركات تتحرك من غير محرك حركها . و قول قاضي القضاة هذا هو محض كلام أمير المؤمنين ع و عينه و ليس قول الجاحظ هو هذا لأن الجاحظ يذهب إلى أن جميع المعارف و العلوم الإلهية ضرورية و نحن ما ادعينا في هذا المقام إلا أن العلم بإثبات الصانع فقط هو الضروري فأين أحد القولين من الآخر

[ 240 ]