غلبة معاوية على الماء بصفين ثم غلبة علي عليه بعد ذلك

فأما حديث الماء و غلب أصحاب معاوية على شريعة الفرات بصفين فنحن نذكره من كتاب صفين لنصر بن مزاحم . قال نصر كان أبو الأعور السلمي على مقدمة معاوية و كان قد ناوش مقدمة

[ 313 ]

علي ع و عليها الأشتر النخعي مناوشة ليست بالعظيمة و قد ذكرنا ذلك فيما سبق من هذا الكتاب و انصرف أبو الأعور عن الحرب راجعا فسبق إلى الماء فغلب عليه في الموضع المعروف بقناصرين إلى جانب صفين و ساق الأشتر يتبعه فوجده غالبا على الماء و كان في أربعة آلاف من مستبصري أهل العراق فصدموا أبا الأعور و أزالوه عن الماء فأقبل معاوية في جميع الفيلق بقضه و قضيضه فلما رآهم الأشتر انحاز إلى علي ع و غلب معاوية و أهل الشام على الماء و حالوا بين أهل العراق و بينه و أقبل علي ع في جموعه فطلب موضعا لعسكره و أمر الناس أن يضعوا أثقالهم و هم أكثر من مائة ألف فارس فلما نزلوا تسرع فوارس من فوارس علي ع على خيولهم إلى جهة معاوية يتطاعنون و يرمون بالسهام و معاوية بعد لم ينزل فناوشهم أهل الشام القتال فاقتتلوا هويا . قال نصر فحدثني عمر بن سعد عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباته فكتب معاوية إلى علي ع عافانا الله و إياك

ما أحسن العدل و الإنصاف من عمل
و أقبح الطيش ثم النفش في الرجل

و كتب بعده

اربط حمارك لا تنزع سويته
إذا يرد و قيد العير مكروب
ليست ترى السيد زيدا في نفوسهم
كما يراه بنو كوز و مرهوب
إن تسألوا الحق نعط الحق سائله
و الدرع محقبة و السيف مقروب
أو تأنفون فإنا معشر أنف
لا نطعم الضيم إن السم مشروب

[ 314 ]

فأمر علي ع أن يوزع الناس عن القتال حتى أخذ أهل الشام مصافهم

ثم قال أيها الناس إن هذا موقف من نطف فيه نطف يوم القيامة و من فلج فيه فلج يوم القيامة

ثم قال لما رأى نزول معاوية بصفين

لقد أتانا كاشرا عن نابه
يهمط الناس على اعتزابه
فليأتينا الدهر بما أتى به

قال نصر و كتب علي ع إلى معاوية جواب كتابه أما بعد

فإن للحرب عراما شررا
إن عليها قائدا عشنزرا
ينصف من أحجر أو تنمرا
على نواحيها مزجا زمجرا
إذا ونين ساعة تغشمرا

و كتب بعده

أ لم تر قومي إن دعاهم أخوهم
أجابوا و إن يغضب على القوم يغضبوا
هم حفظوا غيبي كما كنت حافظا
لقومي أخرى مثلها إن يغيبوا
بنو الحرب لم تقعد بهم أمهاتهم
و آباؤهم آباء صدق فأنجبوا

قال قد تراجع الناس كل من الفريقين إلى معسكرهم و ذهب شباب من الناس إلى أن يستقوا فمنعهم أهل الشام . قلت في هذه الألفاظ ما ينبغي أن يشرح .

[ 315 ]

قوله فاقتتلوا هويا بفتح الهاء أي قطعة من الزمان و ذهب هوي من الليل أي فريق منه . و النفش كثرة الكلام و الدعاوي و أصله من نفش الصوف . و السوية كساء محشو بثمام و نحوه كالبرذعة و كرب القيد إذا ضيقه على المقيد و قيد مكروب أي ضيق يقول لا تنزع برذعة حمارك عنه و اربطه و قيده و إلا أعيد إليك و قيده ضيق و هذا مثل ضربه لعلي ع يأمره فيه بأن يردع جيشه عن التسرع و العجلة في الحرب . و زيد المذكور في الشعر هو زيد بن حصين بن ضرار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان و هو المعروف بزيد الخيل و كان فارسهم و بنو السيد من ضبة أيضا و هم بنو السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أد بن طابخة . . . إلى آخر النسب و بنو السيد بنو عم زيد الفوارس لأنه من بني ذهل بن مالك و هؤلاء بنو السيد بن مالك و بينهم عداوة النسب يقول إن بني السيد لا يرون زيدا في نفوسهم كما تراه أهله الأدنون منه نسبا و هم بنو كوز و بنو مرهوب فأما بنو كوز فإنهم بنو كوز بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك و أما بنو مرهوب فإنهم بنو مرهوب بن عبيد بن هاجر بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك يقول نحن لا نعظم زيدا و لا نعتقد فيه من الفضيلة ما يعتقده أهله و بنو عمه الأدنون و المثل لعلي ع أي نحن لا نرى في علي ما يراه أهل العراق من تعظيمه و تبجيله . و قوله

و الدرع محقبة و السيف مقروب

أي و الدرع بحالها في حقابها و هو ما يشد به في غلافها و السيف بحاله أي في قرابه

[ 316 ]

و هو جفنه يقال حقبت الدرع و قربت السيف كلاهما ثلاثيان يقول إن سألتم الحق أعطيناكموه من غير حاجة إلى الحرب بل نجيبكم إليه و الدروع بحالها لم تلبس و السيوف في أجفانها لم تشهر . و أما إثبات النون في تأنفون فإن الأصوب حذفها لعطف الكلمة على المجزوم قبلها و لكنه استأنف و لم يعطف كأنه قال أ و كنتم تأنفون يقول و إن أنفتم و أبيتم إلا الحرب فإنا نأنف مثلكم أيضا لا نطعم الضيم و لا نقبله ثم قال إن السم مشروب أي إن السم قد نشربه و لا نشرب الضيم أي نختار الموت على الضيم و الذلة و يروى

و إن أنفتم فإنا معشر أنف
لا نطعم الضيم إن الضيم مرهوب

و الشعر لعبد الله بن عنمة الضبي من بني السيد و من جملته

و قد أروح أمام الحي يقدمني
صافي الأديم كميت اللون منسوب
محنب مثل شاة الربل محتفز
بالقصريين على أولاه مصبوب
يبذ ملجمه هاد له تلع
كأنه من جذوع العين مشذوب
فذاك ذخري إذا ما خيلهم ركضت
إلى المثوب أو مقاء سرحوب

فأما قوله ع هذا موقف من نطف فيه نطف يوم القيامة أي من تلطخ

[ 317 ]

فيه بعيب من فرار أو نكول عن العدو يقال نطف فلان بالكسر إذا تدنس بعيب و نطف أيضا إذا فسد يقول من فسدت حاله اليوم في هذا الجهاد فسدت حاله غدا عند الله . قوله من فلج فيه بفتح اللام أي من ظهر و فاز و كذلك يكون غدا عند الله يقال فلج زيد على خصمه بالفتح يفلج بضم اللام أي ظهرت حجته عليه و في المثل من يأت الحكم وحده يفلج . قوله يهمط الناس أي يقهرهم و يخبطهم و أصله الأخذ بغير تقدير . و قوله على اعتزابه أي على بعده عن الإمارة و الولاية على الناس و العرام بالضم الشراسة و الهوج و العشنزر الشديد القوي . و أحجر ظلم الناس حتى ألجأهم إلى أن دخلوا حجرهم أو بيوتهم و تنمر أي تنكر حتى صار كالنمر يقول هذا القائد الشديد القوي ينصف من يظلم الناس و يتنكر لهم أي ينصف منه فحذف حرف الجر كقوله وَ اِخْتارَ مُوسى‏ قَوْمَهُ أي من قومه و المزج بكسر الميم السريع النفوذ و أصله الرمح القصير كالمزراق . و رجل زمجر أي مانع حوزته و الميم زائدة و من رواها زمخرا بالخاء عنى به المرتفع العالي الشأن و جعل الميم زائدة أيضا من زخر الوادي أي علا و ارتفع . و غشمر السيل أقبل و الغشمرة إثبات الأمر بغير تثبيت يقول إذا أبطأن ساقهن سوقا عنيفا . و الأبيات البائية لربيعة بن مقروم الطائي . قال نصر حدثنا عمر بن سعد عن يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن

[ 318 ]

الأحمر قال لما قدمنا على معاوية و أهل الشام بصفين وجدناهم قد نزلوا منزلا اختاروه مستويا بساطا واسعا و أخذوا الشريعة فهي في أيديهم و قد صف عليها أبو الأعور الخيل و الرجالة و قدم الرامية و معهم أصحاب الرماح و الدرق و على رءوسهم البيض و قد أجمعوا أن يمنعونا الماء ففزعنا إلى أمير المؤمنين ع فأخبرناه بذلك فدعا صعصعة بن صوحان

فقال ائت معاوية و قل له إنا سرنا إليك مسيرنا هذا و أنا كره لقتالكم قبل الإعذار إليكم و إنك قدمت خيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك و بدأتنا بالحرب و نحن ممن رأينا الكف حتى ندعوك و نحتج عليك و هذه أخرى قد فعلتموها قد حلتم بين الناس و بين الماء فخل بينهم و بينه حتى ننظر فيما بيننا و بينكم و فيما قدمنا له و قدمتم له و إن كان أحب إليك أن ندع ما جئنا له و ندع الناس يقتتلون حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا . فلما مضى صعصعة برسالته إلى معاوية قال معاوية لأصحابه ما ترون فقال الوليد بن عقبة أمنعهم الماء كما منعوه ابن عفان حصروه أربعين يوما يمنعونه برد الماء و لين الطعام أقتلهم عطشا قتلهم الله . و قال عمرو بن العاص خل بين القوم و بين الماء فإنهم لن يعطشوا و أنت ريان و لكن لغير الماء فانظر فيما بينك و بينهم . فأعاد الوليد مقالته . و قال عبد الله بن سعيد بن أبي سرح و كان أخا عثمان من الرضاعة أمنعهم الماء إلى الليل فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا و كان رجوعهم هزيمتهم أمنعهم الماء منعهم

[ 319 ]

الله يوم القيامة فقال صعصعة بن صوحان إنما يمنعه الله يوم القيامة الفجرة الكفرة شربة الخمر ضربك و ضرب هذا الفاسق يعني الوليد بن عقبة . فتواثبوا إليه يشتمونه و يتهددونه فقال معاوية كفوا عن الرجل فإنما هو رسول . قال عبد الله بن عوف بن أحمر إن صعصعة لما رجع إلينا حدثنا بما قال معاوية و ما كان منه و ما رده عليه قلنا و ما الذي رده عليك معاوية قال لما أردت الانصراف من عنده قلت ما ترد علي قال سيأتيكم رأيي قال فو الله ما راعنا إلا تسوية الرجال و الصفوف و الخيل فأرسل إلى أبي الأعور امنعهم الماء فازدلفنا و الله إليهم فارتمينا و أطعنا بالرماح و اضطربنا بالسيوف فطال ذلك بيننا و بينهم حتى صار الماء في أيدينا فقلنا لا و الله لا نسقيهم

فأرسل إلينا علي ع أن خذوا من الماء حاجتكم و ارجعوا إلى معسكركم و خلوا بينهم و بين الماء فإن الله قد نصركم عليهم بظلمهم و بغيهم . و روى نصر بن محمد بن عبد الله قال قام ذلك اليوم رجل من أهل الشام من السكون يعرف بالشليل بن عمر إلى معاوية فقال

اسمع اليوم ما يقول الشليل
إن قولي قول له تأويل
امنع الماء من صحاب علي
أن يذوقوه فالذليل ذليل
و اقتل القوم مثل ما قتل الشيخ
صدى فالقصاص أمر جميل
إننا و الذي تساق له البدن
هدايا كأنهن الفيول
لو علي و صحبه وردوا الماء
لما ذقتموه حتى تقولوا

[ 320 ]

قد رضينا بأمركم و علينا
بعد ذاك الرضا جلاد ثقيل
فامنع القوم ماءكم ليس للقوم
بقاء و إن يكن فقليل

فقال معاوية أما أنت فندري ما تقول و هو الرأي و لكن عمرا لا يدري فقال عمرو خل بينهم و بين الماء فإن عليا لم يكن ليظمأ و أنت ريان و في يده أعنة الخيل و هو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت و أنت تعلم أنه الشجاع المطرق و معه أهل العراق و أهل الحجاز

و قد سمعته أنا مرارا و هو يقول لو استمكنت من أربعين رجلا يعني في الأمر الأول . و روى نصر قال لما غلب أهل الشام على الفرات فرحوا بالغلبة و قال معاوية يا أهل الشام هذا و الله أول الظفر لا سقاني الله و لا أبا سفيان أن شربوا منه أبدا حتى يقتلوا بأجمعهم عليه و تباشر أهل الشام فقام إلى معاوية رجل من أهل الشام همداني ناسك يتأله و يكثر العبادة يعرف بمعري بن أقبل و كان صديقا لعمرو بن العاص و أخا له فقال يا معاوية سبحان الله لأن سبقتم القوم إلى الفرات فغلبتموهم عليه تمنعوهم الماء أما و الله لو سبقوكم إليه لسقوكم منه أ ليس أعظم ما تنالون من القوم أن تمنعوهم الفرات فينزلوا على فرضة أخرى و يجازوكم بما صنعتم أ ما تعلمون أن فيهم العبد و الأمة و الأجير و الضعيف و من لا ذنب له هذا و الله أول الجور لقد شجعت الجبان و نصرت المرتاب و حملت من لا يريد قتالك على كتفيك فأغلظ له معاوية و قال لعمرو اكفني صديقك فأتاه عمرو فأغلظ له فقال الهمداني في ذلك شعرا

لعمر أبي معاوية بن حرب
و عمرو ما لدائمها دواء

[ 321 ]

سوى طعن يحار العقل فيه
و ضرب حين تختلط الدماء
و لست بتابع دين ابن هند
طوال الدهر ما أرسى حراء
لقد ذهب العتاب فلا عتاب
و قد ذهب الولاء فلا ولاء
و قولي في حوادث كل خطب
على عمرو و صاحبه العفاء
ألا لله درك يا ابن هند
لقد برح الخفاء فلا خفاء
أ تحمون الفرات على رجال
و في أيديهم الأسل الظماء
و في الأعناق أسياف حداد
كأن القوم عندهم نساء
أ ترجو أن يجاوركم علي
بلا ماء و للأحزاب ماء
دعاهم دعوة فأجاب قوم
كجرب الإبل خالطها الهناء

قال ثم سار الهمداني في سواد الليل حتى لحق بعلي ع . قال و مكث أصحاب علي ع بغير ماء و اغتم علي ع بما فيه أهل العراق . قال نصر و حدثنا محمد بن عبد الله عن الجرجاني قال لما اغتم علي بما فيه أهل العراق من العطش خرج ليلا قبل رايات مذحج فإذا رجل ينشد شعرا

أ يمنعنا القوم ماء الفرات
و فينا الرماح و فينا الحجف
و فينا الشوازب مثل الوشيج
و فينا السيوف و فينا الزغف

[ 322 ]

و فينا علي له سورة
إذا خوفوه الردى لم يخف
و نحن الذين غداة الزبير
و طلحة خضنا غمار التلف
فما بالنا أمس أسد العرين
و ما بالنا اليوم شاء النجف
فما للعراق و ما للحجاز
سوى الشام خصم فصكوا الهدف
و ثوروا عليهم كبزل الجمال
دوين الذميل و فوق القطف
فإما تفوزوا بماء الفرات
و منا و منهم عليه جيف
و إما تموتوا على طاعة
تحل الجنان و تحبو الشرف
و إلا فأنتم عبيد العصا
و عبد العصا مستذل نطف

قال فحرك ذلك عليا ع ثم مضى إلى رايات كندة فإذا إنسان ينشد إلى جانب منزل الأشعث و هو يقول

لئن لم يجل الأشعث اليوم كربة
من الموت فيها للنفوس تعنت
فنشرب من ماء الفرات بسيفه
فهبنا أناسا قبل ذاك فموتوا
فإن أنت لم تجمع لنا اليوم أمرنا
و تنض التي فيها عليك المذلة

[ 323 ]

فمن ذا الذي تثني الخناصر باسمه
سواك و من هذا إليه التلفت
و هل من بقاء بعد يوم و ليلة
نظل خفوتا و العدو يصوت
هلموا إلى ماء الفرات و دونه
صدور العوالي و الصفيح المشتت
و أنت امرؤ من عصبة يمنية
و كل امرئ من سنخه حين ينبت

قال فلما سمع الأشعث قول الرجل قام فأتى عليا ع فقال يا أمير المؤمنين أ يمنعنا القوم ماء الفرات و أنت فينا و السيوف في أيدينا خل عنا و عن القوم فو الله لا نرجع حتى نرده أو نموت و مر الأشتر فليعل بخيله و يقف حيث تأمره فقال علي ع ذلك إليكم . فرجع الأشعث فنادى في الناس من كان يريد الماء أو الموت فميعاده موضع كذا فإني ناهض فأتاه اثنا عشر ألفا من كندة و أفناء قحطان واضعي سيوفهم على عواتقهم فشد عليه سلاحه و نهض بهم حتى كاد يخالط أهل الشام و جعل يلقي رمحه و يقول لأصحابه بأبي و أمي أنتم تقدموا إليهم قاب رمحي هذا فلم يزل ذلك دأبه حتى خالط القوم و حسر عن رأسه و نادى أنا الأشعث بن قيس خلوا عن الماء فنادى أبو الأعور أما و الله حتى لا تأخذنا و إياكم السيوف فقال الأشعث

[ 324 ]

قد و الله أظنها دنت منا و منكم و كان الأشتر قد تعالى بخيله حيث أمره علي فبعث إليه الأشعث أقحم الخيل فأقحمها حتى وضعت سنابكها في الفرات و أخذت أهل الشام السيوف فولوا مدبرين . قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر و زيد بن الحسن قال فنادى الأشعث عمرو بن العاص فقال ويحك يا ابن العاص خل بيننا و بين الماء فو الله لئن لم تفعل لتأخذنا و إياكم السيوف فقال عمرو و الله لا نخلي عنه حتى تأخذنا السيوف و إياكم فيعلم ربنا أينا أصبر اليوم فترجل الأشعث و الأشتر و ذوو البصائر من أصحاب علي ع و ترجل معهما اثنا عشر ألفا فحملوا على عمرو و أبي الأعور و من معهما من أهل الشام فأزالوهم عن الماء حتى غمست خيل علي ع سنابكها في الماء .

قال نصر فروى عمر بن سعد أن عليا ع قال ذلك اليوم هذا يوم نصرتم فيه بالحمية . قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر قال سمعت تميما الناجي يقول سمعت الأشعث يقول حال عمرو بن العاص بيننا و بين الفرات فقلت له ويحك يا عمرو أما و الله إن كنت لأظن لك رأيا فإذا أنت لا عقل لك أ ترانا نخليك و الماء تربت يداك أ ما علمت أنا معشر عرب ثكلتك أمك و هبلتك لقد رمت أمرا عظيما فقال لي عمرو أما و الله لتعلمن اليوم أنا سنفي بالعهد و نحكم العقد و نلقاكم

[ 325 ]

بصبر و جد فنادى به الأشتر يا ابن العاص أما و الله لقد نزلنا هذه الفرضة و إنا لنريد القتال على البصائر و الدين و ما قتالنا سائر اليوم إلا حمية . ثم كبر الأشتر و كبرنا معه و حملنا فما ثار الغبار حتى انهزم أهل الشام . قالوا فلقي عمرو بن العاص بعد انقضاء صفين الأشعث فقال له يا أخا كندة أما و الله لقد أبصرت صواب قولك يوم الماء و لكن كنت مقهورا على ذلك الرأي فكابرتك بالتهدد و الوعيد و الحرب خدعة . قال نصر و لقد كان من رأي عمرو التخلية بين أهل العراق و الماء و رجع معاوية بأخرة إلى قوله بعد اختلاط القوم في الحرب فإن عمرا فيما روينا أرسل إلى معاوية أن خل بين القوم و بين الماء أ ترى القوم يموتون عطشا و هم ينظرون إلى الماء فأرسل معاوية إلى يزيد بن أسد القسري أن خل بين القوم و بين الماء يا أبا عبد الله فقال يزيد و كان شديد العثمانية كلا و الله لنقتلنهم عطشا كما قتلوا أمير المؤمنين .

قال فحدثنا عمرو بن شمر عن جابر قال خطب علي ع يوم الماء فقال أما بعد فإن القوم قد بدءوكم بالظلم و فاتحوكم بالبغي و استقبلوكم بالعدوان و قد استطعموكم القتال حيث منعوكم الماء فأقروا على مذلة و تأخير مهلة . . . الفصل إلى آخره . قال نصر و كان قد بلغ أهل الشام أن عليا ع جعل للناس إن فتح الشام أن يقسم بينهم التبر و الذهب و هما الأحمران و أن يعطي كلا منهم خمسمائة كما أعطاهم بالبصرة فنادى ذلك اليوم منادي أهل الشام يا أهل العراق لما ذا نزلتم بعجاج

[ 326 ]

من الأرض نحن أزد شنوءة لا أزد عمان يا أهل العراق

لا خمس إلا جندل الأحرين
و الخمس قد تجشمك الأمرين

قال نصر فحدثني عمرو بن شمر عن إسماعيل السدي عن بكر بن تغلب قال حدثني من سمع الأشعث يوم الفرات و قد كان له غناء عظيم من أهل العراق و قتل رجالا من أهل الشام بيده و هو يقول و الله إن كنت لكارها قتال أهل الصلاة و لكن معي من هو أقدم مني في الإسلام و أعلم بالكتاب و السنة فهو الذي يسخي بنفسه .

[ 327 ]

قال نصر و حمل ظبيان بن عمارة التميمي على أهل الشام و هو يقول

هل لك يا ظبيان من بقاء
في ساكني الأرض بغير ماء
لا و إله الأرض و السماء
فاضرب وجوه الغدر الأعداء
بالسيف عند حمس الهيجاء
حتى يجيبوك إلى السواء

قال فضربهم و الله حتى خلوا له الماء . قال نصر و دعا الأشتر بالحارث بن همام النخعي ثم الصهباني فأعطاه لواءه و قال له يا حارث لو لا أني أعلم أنك تصبر عند الموت لأخذت لوائي منك و لم أحبك بكرامتي فقال و الله يا مالك لأسرنك أو لأموتن فاتبعني ثم تقدم باللواء و ارتجز فقال

يا أخا الخيرات يا خير النخع
و صاحب النصر إذا عم الفزع
و كاشف الخطب إذا الأمر وقع
ما أنت في الحرب العوان بالجذع
قد جزع القوم و عموا بالجزع
و جرعوا الغيظ و غصوا بالجرع
إن تسقنا الماء فليست بالبدع
أو نعطش اليوم فجند مقتطع
ما شئت خذ منها و ما شئت فدع

فقال الأشتر ادن مني يا حارث فدنا منه فقبل رأسه فقال لا يتبع رأسه اليوم إلا خير ثم صاح الأشتر في أصحابه فدتكم نفسي شدوا شدة المحرج الراجي للفرج فإذا نالتكم الرماح فالتووا فيها فإذا عضتكم السيوف فليعض الرجل على نواجذه فإنه أشد لشئون الرأس ثم استقبلوا القوم بهامكم .

[ 328 ]

قال و كان الأشتر يومئذ على فرس له محذوف أدهم كأنه حلك الغراب و قتل بيده من أهل الشام من فرسانهم و صناديدهم سبعة صالح بن فيروز العكي و مالك بن أدهم السلماني و رياح بن عتيك الغساني و الأجلح بن منصور الكندي و كان فارس أهل الشام و إبراهيم بن وضاح الجمحي و زامل بن عبيد الحزامي و محمد بن روضة الجمحي . قال نصر فأول قتيل قتله الأشتر بيده ذلك اليوم صالح بن فيروز ارتجز على الأشتر و قال له

يا صاحب الطرف الحصان الأدهم
أقدم إذا شئت علينا أقدم
أنا ابن ذي العز و ذي التكرم
سيد عك كل عك فاعلم

قال و كان صالح مشهورا بالشدة و البأس فارتجز عليه الأشتر فقال له

أنا ابن خير مذحج مركبا
و خيرها نفسا و أما و أبا
آليت لا أرجع حتى أضربا
بسيفي المصقول ضربا معجبا

ثم شد عليه فقتله فخرج إليه مالك بن أدهم السلماني و هو من مشهوريهم أيضا فحمل على الأشتر بالرمح فلما رهقه التوى الأشتر على فرسه و مار السنان فأخطأه ثم استوى على فرسه و شد على الشامي فقتله طعنا بالرمح ثم قتل بعده رياح بن عقيل و إبراهيم بن وضاح ثم برز إليه زامل بن عقيل و كان فارسا فطعن الأشتر في موضع الجوشن فصرعه عن فرسه و لم يصب مقتلا و شد عليه الأشتر بالسيف راجلا فكشف قوائم فرسه و ارتجز عليه فقال

[ 329 ]

لا بد من قتلي أو من قتلكا
قتلت منكم أربعا من قبلكا
كلهم كانوا حماة مثلكا

ثم ضربه بالسيف و هما راجلان فقتله ثم خرج إليه محمد بن روضة فقال و هو يضرب في أهل العراق ضربا منكرا

يا ساكني الكوفة يا أهل الفتن
يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن
أورث قلبي قتله طول الحزن
أضربكم و لا أرى أبا حسن

فشد عليه الأشتر فقتله و قال

لا يبعد الله سوى عثمانا
و أنزل الله بكم هوانا
و لا يسلى عنكم الأحزانا

ثم برز إليه الأجلح بن منصور الكندي و كان من شجعان العرب و فرسانها و هو على فرس له اسمه لاحق فلما استقبله الأشتر كره لقاءه و استحيا أن يرجع عنه فتضاربا بسيفيهما فسبقه الأشتر بالضربة فقتله فقالت أخته ترثيه

ألا فابكي أخا ثقة
فقد و الله أبكينا
لقتل الماجد القمقام
لا مثل له فينا
أتانا اليوم مقتله
فقد جزت نواصينا
كريم ماجد الجدين
يشفي من أعادينا
شفانا الله من أهل
العراق فقد أبادونا
أ ما يخشون ربهم
و لم يرعوا له دينا

[ 330 ]

قال و بلغ شعرها عليا ع

فقال أما إنهن ليس بملكهن ما رأيتم من الجزع أما إنهم قد أضروا بنسائهم فتركوهن أيامى حزانى بائسات قاتل الله معاوية اللهم حمله آثامهم و أوزارا و أثقالا مع أثقاله اللهم لا تعف عنه . قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي عن الحارث بن أدهم و عن صعصعة قال أقبل الأشتر يوم الماء فضرب بسيفه جمهور أهل الشام حتى كشفهم عن الماء و هو يقول

لا تذكروا ما قد مضى وفاة
و الله ربي الباعث الأمواتا
من بعد ما صاروا كذا رفاتا
لأوردن خيلي الفراتا
شعث النواصي أو يقال ماتا

قال و كان لواء الأشعث بن قيس مع معاوية بن الحارث فقال له الأشعث لله أبوك ليست النخع بخير من كندة قدم لواءك فإن الحظ لمن سبق فتقدم لواء الأشعث و حملت الرجال بعضها على بعض و حمل في ذلك اليوم أبو الأعور السلمي و حمل الأشتر عليه فلم ينتصف أحدهما من صاحبه و حمل شرحبيل بن السمط على الأشعث فكانا كذلك و حمل حوشب ذو ظليم على الأشعث أيضا و انفصلا و لم ينل أحدهما من صاحبه أمرا فما زالوا كذلك حتى انكشف أهل الشام عن الماء و ملك أهل العراق المشرعة . قال نصر فحدثنا محمد بن عبد الله عن الجرجاني قال قال عمرو بن العاص لمعاوية لما ملك أهل العراق الماء ما ظنك يا معاوية بالقوم إن منعوك اليوم الماء كما منعتهم

[ 331 ]

أمس أ تراك تضاربهم عليه كما ضاربوك عليه ما أغنى عنك أن تكشف لهم السوأة فقال معاوية دع عنك ما مضى فما ظنك بعلي قال ظني أنه لا يستحل منك ما استحللت منه و أن الذي جاء له غير الماء قال فقال له معاوية قولا أغضبه فقال عمرو

أمرتك أمرا فسخفته
و خالفني ابن أبي سرحة
و أغمضت في الرأي إغماضة
و لم تر في الحرب كالفسحة
فكيف رأيت كباش العراق
أ لم ينطحوا جمعنا نطحة
فإن ينطحونا غدا مثلها
نكن كالزبيري أو طلحة
أظن لها اليوم ما بعدها
و ميعاد ما بيننا صبحه
و إن أخروها لما بعدها
فقد قدموا الخبط و النفحة
و قد شرب القوم ماء الفرات
و قلدك الأشتر الفضحة

قال نصر فقال أصحاب علي ع له امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك فقال لا خلوا بينهم و بينه لا أفعل ما فعله الجاهلون سنعرض عليهم كتاب الله و ندعوهم إلى الهدى فإن أجابوا و إلا ففي حد السيف ما يغني إن شاء الله . قال فو الله ما أمسى الناس حتى رأوا سقاتهم و سقاة أهل الشام و رواياهم و روايا أهل الشام يزدحمون على الماء ما يؤذي إنسان إنسانا

[ 332 ]