52 ـ و من خطبة له ع

و قد تقدم مختارها برواية و نذكر ما نذكره هنا برواية أخرى لتغاير الروايتين : أَلاَ وَ إِنَّ اَلدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وَ آذَنَتْ بِانْقِضَاءٍ وَ تَنَكَّرَ مَعْرُوفُهَا وَ أَدْبَرَتْ حَذَّاءَ فَهِيَ تَحْفِزُ بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا [ سَاكِنِيهَا ] وَ تَحْدُو بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا وَ قَدْ أَمَرَّ فِيهَا مَا كَانَ حُلْواً وَ كَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ اَلْإِدَاوَةِ أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ اَلْمَقْلَةِ لَوْ تَمَزَّزَهَا اَلصَّدْيَانُ لَمْ يَنْقَعْ فَأَزْمِعُوا عَبِادَ اَللَّهِ اَلرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ اَلدَّارِ اَلْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا اَلزَّوَالُ وَ لاَ يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا اَلْأَمَلُ وَ لاَ يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ فِيهَا اَلْأَمَدُ فَوَاللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ اَلْوُلَّهِ اَلْعِجَالِ وَ دَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ اَلْحَمَامِ وَ جَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي اَلرُّهْبَانِ وَ خَرَجْتُمْ إِلَى اَللَّهِ مِنَ اَلْأَمْوَالِ وَ اَلْأَوْلاَدِ اِلْتِمَاسَ اَلْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي اِرْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ وَ حَفِظَتْهَا رُسُلُهُ لَكَانَ قَلِيلاً فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ وَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ وَ بِاللَّهِ تَاللَّهِ لَوِ اِنْمَاثَتْ قُلُوبُكُمُ اِنْمِيَاثاً وَ سَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي اَلدُّنْيَا مَا اَلدُّنْيَا بَاقِيَةٌ مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ وَ لَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ اَلْعِظَامَ وَ هُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلْإِيمَانِ

[ 333 ]

تصرمت انقطعت و فنيت و آذنت بانقضاء أعلمت بذلك آذنته بكذا أي أعلمته و تنكر معروفها جهل منها ما كان معروفا . و الحذاء السريعة الذهاب و رحم حذاء مقطوعة غير موصولة و من رواه جذاء بالجيم أراد منقطعة الدر و الخير . و تحفر بالفناء سكانها تعجلهم و تسوقهم و أمر الشي‏ء صار مرا و كدر الماء بكسر الدال و يجوز كدر بضمها و المصدر من الأول كدرا و من الثاني كدورة . و السملة بفتح الميم البقية من الماء تبقى في الإناء و المقلة بفتح الميم و تسكين القاف حصاة القسم التي تلقى في الماء ليعرف قدر ما يسقى كل واحد منهم و ذلك عند قلة الماء في المفاوز قال

قذفوا سيدهم في ورطة
قذفك المقلة وسط المعترك

و التمزز تمصص الشراب قليلا قليلا و الصديان العطشان . و لم ينقع لم يرو و هذا يمكن أن يكون لازما و يمكن أن يكون متعديا تقول نقع الرجل بالماء أي روي و شفى غليله ينقع و نقع الماء الصدى ينقع أي سكنه . فأزمعوا الرحيل أي اعزموا عليه يقال أزمعت الأمر و لا يجوز أزمعت على الأمر و أجازه الفراء . قوله المقدور على أهلها الزوال أي المكتوب قال

و اعلم بأن ذا الجلال قد قدر
في الصحف الأولى الذي كان سطر

[ 334 ]

أي كتب و الوله العجال النوق الوالهة الفاقدة أولادها الواحدة عجول و الوله ذهاب العقل و فقد التمييز و هديل الحمام صوت نوحه و الجؤار صوت مرتفع و المتبتل المنقطع عن الدنيا و انماث القلب أي ذاب . و قوله و لو لم تبقوا شيئا من جهدكم اعتراض في الكلام . و أنعمه منصوب لأنه مفعول جزت . و في هذا الكلام تلويح و إشارة إلى مذهب البغداديين من أصحابنا في أن الثواب على فعل الطاعة غير واجب لأنه شكر النعمة فلا يقتضي وجوب ثواب آخر و هو قوله ع لو انماثت قلوبكم انمياثا . . . إلى آخر الفصل . و أصحابنا البصريون لا يذهبون إلى ذلك بل يقولون إن الثواب واجب على الحكيم سبحانه لأنه قد كلفنا ما يشق علينا و تكليف المشاق كإنزال المشاق فكما اقتضت الآلام و المشاق النازلة بنا من جهته سبحانه أعواضا مستحقه عليه تعالى عن إنزالها بنا كذلك تقتضي التكليفات الشاقة ثوابا مستحقا عليه تعالى عن إلزامه إيانا بها قالوا فأما ما سلف من نعمه علينا فهو تفضل منه تعالى و لا يجوز في الحكمة أن يتفضل الحكيم على غيره بأمر من الأمور ثم يلزمه أفعالا شاقة و يجعلها بإزاء ذلك التفضل إلا إذا كان في تلك الأمور منافع عائدة على ذلك الحكيم فكان ما سلف من المنافع جاريا مجرى الأجرة كمن يدفع درهما إلى إنسان ليخيط له ثوبا و البارئ تعالى منزه عن المنافع و نعمه علينا منزهة أن تجري مجرى الأجرة على تكليفنا المشاق . و أيضا فقد يتساوى اثنان من الناس في النعم المنعم بها عليهما و يختلفان في التكاليف

[ 335 ]

فلو كان التكليف لأجل ما مضى من النعم لوجب أن يقدر بحسبها فإن قيل فعلى ما ذا يحمل كلام أمير المؤمنين ع و فيه إشارة إلى مذهب البغداديين . قيل إنه ع لم يصرح بمذهب البغداديين و لكنه قال لو عبدتموه بأقصى ما ينتهي الجهد إليه و ما وفيتم بشكر أنعمه و هذا حق غير مختلف فيه لأن نعم البارئ تعالى لا تقوم العباد بشكرها و إن بالغوا في عبادته و الخضوع له و الإخلاص في طاعته و لا يقتضي صدق هذه القضية و صحتها صحة مذهب البغداديين في أن الثواب على الله تعالى غير واجب لأن التكليف إنما كان باعتبار أنه شكر النعمة السالفة