بيعة علي و أمر المتخلفين عنها

اختلف الناس في بيعة أمير المؤمنين ع فالذي عليه أكثر الناس و جمهور أرباب السير أن طلحة و الزبير بايعاه طائعين غير مكرهين ثم تغيرت عزائمهما و فسدت نياتهما و غدرا به . و قال الزبيريون منهم عبد الله بن مصعب و الزبير بن بكار و شيعتهم و من وافق قولهم من بني تيم بن مرة أرباب العصبية لطلحة إنهما بايعا مكرهين و إن الزبير كان يقول بايعت و اللج على قفي و اللج سيف الأشتر و قفي لغة هذلية إذا أضافوا المقصور إلى أنفسهم قلبوا الألف ياء و أدغموا إحدى الياءين في الأخرى فيقولون قد وافق ذلك هوي أي هواي و هذه عصي أي عصاي . و ذكر صاحب كتاب الأوائل أن الأشتر جاء إلى علي ع حين قتل عثمان فقال قم فبايع الناس فقد اجتمعوا لك و رغبوا فيك و الله لئن نكلت عنها لتعصرن عليها عينيك مرة رابعة فجاء حتى دخل بئر سكن و اجتمع الناس و حضر طلحة و الزبير لا يشكان أن الأمر شورى فقال الأشتر أ تنتظرون أحدا قم يا طلحة فبايع فتقاعس فقال قم يا ابن الصعبة و سل سيفه فقام طلحة يجر رجله حتى بايع فقال قائل أول من بايعه أشل لا يتم أمره ثم لا يتم قال قم يا زبير و الله لا ينازع أحد إلا و ضربت قرطة بهذا السيف فقام الزبير فبايع ثم انثال الناس عليه فبايعوا . و قيل أول من بايعه الأشتر ألقى خميصة كانت عليه و اخترط سيفه و جذب يد علي ع فبايعه و قال للزبير و طلحة قوما فبايعا و إلا كنتما الليلة عند عثمان فقاما يعثران في ثيابهما لا يرجوان نجاة حتى صفقا بأيديهما على يده ثم قام بعدهما البصريون

[ 8 ]

و أولهم عبد الرحمن بن عديس البلوي فبايعوا و قال له عبد الرحمن

خذها إليك و اعلمن أبا حسن
أنا نمر الأمر إمرار الرسن

و قد ذكرنا نحن في شرح الفصل الذي فيه أن الزبير أقر بالبيعة و ادعى الوليجة أن بيعة أمير المؤمنين لم تقع إلا عن رضا جميع أهل المدينة أولهم طلحة و الزبير و ذكرنا في ذلك ما يبطل رواية الزبير . و ذكر أبو مخنف في كتاب الجمل أن الأنصار و المهاجرين اجتمعوا في مسجد رسول الله ص لينظروا من يولونه أمرهم حتى غص المسجد بأهله فاتفق رأي عمار و أبي الهيثم بن التيهان و رفاعة بن رافع و مالك بن عجلان و أبي أيوب خالد بن يزيد على إقعاد أمير المؤمنين ع في الخلافة و كان أشدهم تهالكا عليه عمار فقال لهم أيها الأنصار قد سار فيكم عثمان بالأمس بما رأيتموه و أنتم على شرف من الوقوع في مثله إن لم تنظروا لأنفسكم و إن عليا أولى الناس بهذا الأمر لفضله و سابقته فقالوا رضينا به حينئذ و قالوا بأجمعهم لبقية الناس من الأنصار و المهاجرين أيها الناس إنا لن نألوكم خيرا و أنفسنا إن شاء الله و إن عليا من قد علمتم و ما نعرف مكان أحد أحمل لهذا الأمر منه و لا أولى به فقال الناس بأجمعهم قد رضينا و هو عندنا ما ذكرتم و أفضل . و قاموا كلهم فأتوا عليا ع فاستخرجوه من داره و سألوه بسط يده فقبضها فتداكوا عليه تداك الإبل الهيم على وردها حتى كاد بعضهم يقتل بعضا فلما رأى منهم ما رأى سألهم أن تكون بيعته في المسجد ظاهرة للناس و قال إن كرهني رجل واحد من الناس لم أدخل في هذا الأمر . فنهض الناس معه حتى دخل المسجد فكان أول من بايعه طلحة فقال قبيصة بن ذؤيب الأسدي تخوفت ألا يتم له أمره لأن أول يد بايعته شلاء ثم بايعه الزبير

[ 9 ]

و بايعه المسلمون بالمدينة إلا محمد بن مسلمة و عبد الله بن عمر و أسامة بن زيد و سعد بن أبي وقاص و كعب بن مالك و حسان بن ثابت و عبد الله بن سلام . فأمر بإحضار عبد الله بن عمر فقال له بايع قال لا أبايع حتى يبايع جميع الناس فقال له ع فأعطني حميلا ألا تبرح قال و لا أعطيك حميلا فقال الأشتر يا أمير المؤمنين إن هذا قد أمن سوطك و سيفك فدعني أضرب عنقه فقال لست أريد ذلك منه على كره خلوا سبيله فلما انصرف قال أمير المؤمنين لقد كان صغيرا و هو سيئ الخلق و هو في كبره أسوأ خلقا . ثم أتي بسعد بن أبي وقاص فقال له بايع فقال يا أبا الحسن خلني فإذا لم يبق غيري بايعتك فو الله لا يأتيك من قبلي أمر تكرهه أبدا فقال صدق خلوا سبيله . ثم بعث إلى محمد بن مسلمة فلما أتاه قال له بايع قال إن رسول الله ص أمرني إذا اختلف الناس و صاروا هكذا و شبك بين أصابعه أن أخرج بسيفي فأضرب به عرض أحد فإذا تقطع أتيت منزلي فكنت فيه لا أبرحه حتى تأتيني يد خاطية أو منية قاضية فقال له ع فانطلق إذا فكن كما أمرت به . ثم بعث إلى أسامة بن زيد فلما جاء قال له بايع فقال إني مولاك و لا خلاف مني عليك و ستأتيك بيعتي إذا سكن الناس فأمره بالانصراف و لم يبعث إلى أحد غيره .

و قيل له أ لا تبعث إلى حسان بن ثابت و كعب بن مالك و عبد الله بن سلام فقال لا حاجة لنا فيمن لا حاجة له فينا . فأما أصحابنا فإنهم يذكرون في كتبهم أن هؤلاء الرهط إنما اعتذروا بما اعتذروا به

[ 10 ]

لما ندبهم إلى الشخوص معه لحرب أصحاب الجمل و أنهم لم يتخلفوا عن البيعة و إنما تخلفوا عن الحرب .

و روى شيخنا أبو الحسين رحمه الله تعالى في كتاب الغرر أنهم لما اعتذروا إليه بهذه الأعذار قال لهم ما كل مفتون يعاتب أ عندكم شك في بيعتي قالوا لا قال فإذا بايعتم فقد قاتلتم و أعفاهم من حضور الحرب . فإن قيل رويتم أنه قال إن كرهني رجل واحد من الناس لم أدخل في هذا الأمر ثم رويتم أن جماعة من أعيان المسلمين كرهوا و لم يقف مع كراهتهم . قيل إنما مراده ع أنه متى وقع الاختلاف قبل البيعة نفضت يدي عن الأمر و لم أدخل فيه فأما إذا بويع ثم خالف ناس بعد البيعة فلا يجوز له أن يرجع عن الأمر و يتركه لأن الإمامة تثبت بالبيعة و إذا ثبتت لم يجز له تركها . و روى أبو مخنف عن ابن عباس قال لما دخل علي ع المسجد و جاء الناس ليبايعوه خفت أن يتكلم بعض أهل الشنئان لعلي ع ممن قتل أباه أو أخاه أو ذا قرابته في حياة رسول الله ص فيزهد علي في الأمر و يتركه فكنت أرصد ذلك و أتخوفه فلم يتكلم أحد حتى بايعه الناس كلهم راضين مسلمين غير مكرهين . لما بايع الناس عليا ع و تخلف عبد الله بن عمر و كلمه علي ع في البيعة فامتنع عليه أتاه في اليوم الثاني فقال إني لك ناصح إن بيعتك لم يرض بها كلهم فلو نظرت لدينك و رددت الأمر شورى بين المسلمين فقال علي ع ويحك و هل ما كان عن طلب مني له أ لم يبلغك صنيعهم قم عني يا أحمق ما أنت و هذا الكلام

[ 11 ]

فلما خرج أتى عليا في اليوم الثالث آت فقال إن ابن عمر قد خرج إلى مكة يفسد الناس عليك فأمر بالبعث في أثره فجاءت أم كلثوم ابنته فسألته و ضرعت إليه فيه و قالت يا أمير المؤمنين إنما خرج إلى مكة ليقيم بها و إنه ليس بصاحب سلطان و لا هو من رجال هذا الشأن و طلبت إليه أن يقبل شفاعتها في أمره لأنه ابن بعلها فأجابها و كف عن البعثة إليه و قال دعوه و ما أراده

[ 12 ]