فتنة عبد الله بن الحضرمي بالبصرة

و هذا الكلام قاله أمير المؤمنين ع في قصة ابن الحضرمي حيث قدم البصرة من قبل معاوية و استنهض أمير المؤمنين ع أصحابه إلى البصرة فتقاعدوا . قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب الغارات

[ 35 ]

حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا الحسن بن علي الزعفراني عن محمد بن عبد الله بن عثمان عن ابن أبي سيف عن يزيد بن حارثة الأزدي عن عمرو بن محصن أن معاوية لما أصاب محمد بن أبي بكر بمصر و ظهر عليها دعا عبد الله بن عامر الحضرمي فقال له سر إلى البصرة فإن جل أهلها يرون رأينا في عثمان و يعظمون قتله و قد قتلوا في الطلب بدمه فهم موتورون حنقون لما أصابهم ودوا لو يجدون من يدعوهم و يجمعهم و ينهض بهم في الطلب بدم عثمان و احذر ربيعة و انزل في مضر و تودد الأزد فإن الأزد كلها معك إلا قليلا منهم و إنهم إن شاء الله غير مخالفيك . فقال عبد الله بن الحضرمي له إنا سهم في كنانتك و أنا من قد جربت و عدو أهل حربك و ظهيرك على قتلة عثمان فوجهني إليهم متى شئت فقال اخرج غدا إن شاء الله فودعه و خرج من عنده . فلما كان الليل جلس معاوية و أصحابه يتحدثون فقال لهم معاوية في أي منزل ينزل القمر الليلة فقالوا بسعد الذابح فكره معاوية ذلك و أرسل إليه ألا تبرح حتى يأتيك أمري فأقام . و رأى معاوية أن يكتب إلى عمرو بن العاص و هو يومئذ بمصر عامله عليها يستطلع رأيه في ذلك فكتب إليه و قد كان تسمى بإمرة المؤمنين بعد يوم صفين و بعد تحكيم الحكمين من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص سلام عليك أما بعد فإني قد رأيت رأيا هممت بإمضائه و لم يخذلني عنه

[ 36 ]

إلا استطلاع رأيك فإن توافقني أحمد الله و أمضه و إن تخالفني فإني أستخير الله و أستهديه إني نظرت في أمر أهل البصرة فوجدت معظم أهلها لنا وليا و لعلي و شيعته عدوا و قد أوقع بهم علي الوقعة التي علمت فأحقاد تلك الدماء ثابتة في صدورهم لا تبرح و لا تريم و قد علمت أن قتلنا ابن أبي بكر و وقعتنا بأهل مصر قد أطفأت نيران أصحاب علي في الآفاق و رفعت رءوس أشياعنا أينما كانوا من البلاد و قد بلغ من كان بالبصرة على مثل رأينا من ذلك ما بلغ الناس و ليس أحد ممن يرى رأينا أكثر عددا و لا أضر خلافا على علي من أولئك فقد رأيت أن أبعث إليهم عبد الله بن عامر الحضرمي فينزل في مضر و يتودد الأزد و يحذر ربيعة و يبتغي دم ابن عفان و يذكرهم وقعة علي بهم التي أهلكت صالحي إخوانهم و آبائهم و أبنائهم فقد رجوت عند ذلك أن يفسد على علي و شيعته ذلك الفرج من الأرض و متى يؤتوا من خلفهم و أمامهم يضل سعيهم و يبطل كيدهم فهذا رأيي فما رأيك فلا تحبس رسولي إلا قدر مضي الساعة التي ينتظر فيها جواب كتابي هذا أرشدنا الله و إياك و السلام عليك و رحمة الله و بركاته . فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية . أما بعد فقد بلغني رسولك و كتابك فقرأته و فهمت رأيك الذي رأيته فعجبت له و قلت إن الذي ألقاه في روعك و جعله في نفسك هو الثائر بابن عفان و الطالب بدمه و إنه لم يك منك و لا منا منذ نهضنا في هذه الحروب و بادينا أهلها و لا رأى الناس رأيا أضر على عدوك و لا أسر لوليك من هذا الأمر الذي ألهمته فامض رأيك مسددا فقد وجهت الصليب الأريب الناصح غير الظنين و السلام .

[ 37 ]

فلما جاءه كتاب عمرو دعا ابن الحضرمي و قد كان ظن حين تركه معاوية أياما لا يأمره بالشخوص أن معاوية قد رجع عن إشخاصه إلى ذلك الوجه فقال يا ابن الحضرمي سر على بركة الله إلى أهل البصرة فانزل في مضر و احذر ربيعة و تودد الأزد و انع ابن عفان و ذكرهم الوقعة التي أهلكتهم و من لمن سمع و أطاع دنيا لا تفنى و أثرة لا يفقدها حتى يفقدنا أو نفقده . فودعه ثم خرج من عنده و قد دفع إليه كتابا و أمره إذا قدم أن يقرأه على الناس . قال عمرو بن محصن فكنت معه حين خرج فلما خرجنا سرنا ما شاء الله أن نسير فسنح لنا ظبي أعضب عن شمائلنا فنظرت إليه فو الله لرأيت الكراهية في وجهه ثم مضينا حتى نزلنا البصرة في بني تميم فسمع بقدومنا أهل البصرة فجاءنا كل من يرى رأي عثمان فاجتمع إلينا رءوس أهلها فحمد الله ابن الحضرمي و أثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإن إمامكم إمام الهدى عثمان بن عفان قتله علي بن أبي طالب ظلما فطلبتم بدمه و قاتلتم من قتله فجزاكم الله من أهل مصر خيرا و قد أصيب منكم الملأ الأخيار و قد جاءكم الله بإخوان لكم لهم بأس يتقى و عدد لا يحصى فلقوا عدوكم الذين قتلوكم فبلغوا الغاية التي أرادوا صابرين و رجعوا و قد نالوا ما طلبوا فمالئوهم و ساعدوهم و تذكروا ثاركم لتشفوا صدوركم من عدوكم . فقام إليه الضحاك بن عبد الله الهلالي فقال قبح الله ما جئتنا به و ما دعوتنا إليه جئتنا و الله بمثل ما جاء به صاحباك طلحة و الزبير أتيانا و قد بايعنا عليا و اجتمعنا له فكلمتنا واحدة و نحن على سبيل مستقيم فدعوانا إلى الفرقة و قاما فينا بزخرف القول حتى ضربنا بعضنا ببعض عدوانا و ظلما فاقتتلنا على ذلك و ايم الله ما سلمنا من عظيم وبال

[ 38 ]

ذلك و نحن الآن مجمعون على بيعة هذا العبد الصالح الذي أقال العثرة و عفا عن المسي‏ء و أخذ بيعة غائبنا و شاهدنا أ فتأمرنا الآن أن نختلع أسيافنا من أغمادها ثم يضرب بعضنا بعضا ليكون معاوية أميرا و تكون له وزيرا و نعدل بهذا الأمر عن علي و الله ليوم من أيام علي مع رسول الله ص خير من بلاء معاوية و آل معاوية لو بقوا في الدنيا ما الدنيا باقية . فقام عبد الله بن خازم السلمي فقال للضحاك اسكت فلست بأهل أن تتكلم في أمر العامة ثم أقبل على ابن الحضرمي فقال نحن يدك و أنصارك و القول ما قلت و قد فهمنا عنك فادعنا أنى شئت فقال الضحاك لابن خازم يا ابن السوداء و الله لا يعز من نصرت و لا يذل بخذلانك من خذلت فتشاتما . قال صاحب كتاب الغارات و الضحاك هذا هو الذي يقول

يا أيهذا السائلي عن نسبي
بين ثقيف و هلال منصبي
أمي أسماء و ضحاك أبي

قال و هو القائل في بني العباس

ما ولدت من ناقة لفحل
في جبل نعلمه و سهل
كستة من بطن أم الفضل
أكرم بها من كهلة و كهل
عم النبي المصطفى ذي الفضل
و خاتم الأنبياء بعد الرسل

قال فقام عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي ثم التيمي فقال عباد الله إنا لم ندعكم إلى الاختلاف و الفرقة و لا نريد أن تقتتلوا و لا تتنابزوا و لكنا إنما ندعوكم إلى أن تجمعوا كلمتكم و توازروا إخوانكم الذين هم على رأيكم و أن تلموا شعثكم

[ 39 ]

و تصلحوا ذات بينكم فمهلا مهلا رحمكم الله استمعوا لهذا الكتاب و أطيعوا الذي يقرأ عليكم . ففضوا كتاب معاوية و إذا فيه من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى من قرئ كتاب هذا عليه من المؤمنين و المسلمين من أهل البصرة . سلام عليكم أما بعد فإن سفك الدماء بغير حلها و قتل النفوس التي حرم الله قتلها هلاك موبق و خسران مبين لا يقبل الله ممن سفكها صرفا و لا عدلا و قد رأيتم رحمكم الله آثار ابن عفان و سيرته و حبه للعافية و معدلته و سده للثغور و إعطاءه في الحقوق و إنصافه للمظلوم و حبه الضعيف حتى توثب عليه المتوثبون و تظاهر عليه الظالمون فقتلوه مسلما محرما ظمآن صائما لم يسفك فيهم دما و لم يقتل منهم أحدا و لا يطلبونه بضربة سيف و لا سوط و إنما ندعوكم أيها المسلمون إلى الطلب بدمه و إلى قتال من قتله فإنا و إياكم على أمر هدى واضح و سبيل مستقيم إنكم إن جامعتمونا طفئت النائرة و اجتمعت الكلمة و استقام أمر هذه الأمة و أقر الظالمون المتوثبون الذين قتلوا إمامهم بغير حق فأخذوا بجرائرهم و ما قدمت أيديهم إن لكم أن أعمل فيكم بالكتاب و أن أعطيكم في السنة عطاءين و لا أحتمل فضلا من فيئكم عنكم أبدا . فسارعوا إلى ما تدعون إليه رحمكم الله و قد بعثت إليكم رجلا من الصالحين كان من أمناء خليفتكم المظلوم ابن عفان و عماله و أعوانه على الهدى و الحق جعلنا الله و إياكم ممن يجيب إلى الحق و يعرفه و ينكر الباطل و يجحده و السلام عليكم و رحمة الله . قال فلما قرئ عليهم الكتاب قال معظمهم سمعنا و أطعنا . قال و روى محمد بن عبد الله بن عثمان عن علي عن أبي زهير عن أبي منقر الشيباني قال قال الأحنف لما قرئ عليهم كتاب معاوية أما أنا فلا ناقة لي في هذا و لا جمل و أعتزل أمرهم ذلك .

[ 40 ]

و قال عمرو بن مرجوم من عبد القيس أيها الناس الزموا طاعتكم و لا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم واقعة و تصيبكم قارعة و لا يكن بعدها لكم بقية ألا إني قد نصحت لكم و لكن لا تحبون الناصحين . قال إبراهيم بن هلال و روى محمد بن عبد الله عن ابن أبي سيف عن الأسود بن قيس عن ثعلبة بن عباد أن الذي كان سدد لمعاوية رأيه في تسريح ابن الحضرمي كتاب كتبه إليه عباس بن ضحاك العبدي و هو ممن كان يرى رأي عثمان و يخالف قومه في حبهم عليا ع و نصرتهم إياه و كان الكتاب . أما بعد فقد بلغنا وقعتك بأهل مصر الذين بغوا على إمامهم و قتلوا خليفتهم طمعا و بغيا فقرت بذلك العيون و شفيت بذلك النفوس و بردت أفئدة أقوام كانوا لقتل عثمان كارهين و لعدوه مفارقين و لكم موالين و بك راضين فإن رأيت أن تبعث إلينا أميرا طيبا ذكيا ذا عفاف و دين إلى الطلب بدم عثمان فعلت فإني لا إخال الناس إلا مجمعين عليك و إن ابن عباس غائب عن المصر و السلام . قال فلما قرأ معاوية كتابه قال لا عزمت رأيا سوى ما كتبت به إلي هذا و كتب إليه جوابه . أما بعد فقد قرأت كتابك فعرفت نصيحتك و قبلت مشورتك رحمك الله و سددك اثبت هداك الله على رأيك الرشيد فكأنك بالرجل الذي سألت قد أتاك و كأنك بالجيش قد أطل عليك فسررت و حبيت و السلام . قال إبراهيم و حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثني علي بن أبي سيف عن أبي زهير

[ 41 ]

قال لما نزل ابن الحضرمي في بني تميم أرسل إلى الرءوس فأتوه فقال لهم أجيبوني إلى الحق و انصروني على هذا الأمر . قال و إن الأمير بالبصرة يومئذ زياد بن عبيد قد استخلفه عبد الله بن عباس و قدم على علي ع إلى الكوفة يعزيه عن محمد بن أبي بكر قال فقام إليه ابن ضحاك فقال إي و الذي له أسعى و إياه أخشى لننصرنك بأسيافنا و أيدينا . و قام المثنى بن مخرمة العبدي فقال لا و الذي لا إله إلا هو لئن لم ترجع إلى مكانك الذي أقبلت منه لنجاهدنك بأسيافنا و أيدينا و نبالنا و أسنة رماحنا نحن ندع ابن عم رسول الله ص و سيد المسلمين و ندخل في طاعة حزب من الأحزاب طاغ و الله لا يكون ذلك أبدا حتى نسير كتيبة و نفلق السيوف بالهام . فأقبل ابن الحضرمي على صبرة بن شيمان الأزدي فقال يا صبرة أنت رأس قومك و عظيم من عظماء العرب و أحد الطلبة بدم عثمان رأينا رأيك و رأيك رأينا و بلاء القوم عندك في نفسك و عشيرتك ما قد ذقت و رأيت فانصرني و كن من دوني فقال له إن أنت أتيتني فنزلت في داري نصرتك و منعتك فقال إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أنزل في قومه من مضر فقال اتبع ما أمرك به . و انصرف من عنده و أقبل الناس إلى ابن الحضرمي و كثر تبعه ففزع لذلك زياد و هاله و هو في دار الإمارة فبعث إلى الحضين بن المنذر و مالك بن مسمع فدعاهما فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد فإنكم أنصار أمير المؤمنين و شيعته و ثقته و قد جاءكم هذا الرجل بما قد بلغكم فأجيروني حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين و رأيه . فأما مالك بن مسمع فقال هذا أمر فيه نظر أرجع إلى من ورائي و أنظر و أستشير في ذلك . و أما الحضين بن المنذر فقال نعم نحن فاعلون و لن نخذلك و لن نسلمك .

[ 42 ]

فلم ير زياد من القوم ما يطمئن إليه فبعث إلى صبرة بن شيمان الأزدي فقال يا ابن شيمان أنت سيد قومك و أحد عظماء هذا المصر فإن يكن فيه أحد هو أعظم أهله فأنت ذاك أ فلا تجيرني و تمنعني و تمنع بيت مال المسلمين فإنما أنا أمين عليه فقال بلى إن تحملت حتى تنزل في داري منعتك فقال إني فاعل . فارتحل ليلا حتى نزل دار صبرة بن شيمان و كتب إلى عبد الله بن عباس و لم يكن معاوية ادعى زيادا بعد لأنه إنما ادعاه بعد وفاة علي ع . للأمير عبد الله بن عباس من زياد بن عبيد . سلام عليك أما بعد فإن عبد الله بن عامر بن الحضرمي أقبل من قبل معاوية حتى نزل في بني تميم و نعى ابن عفان و دعا إلى حرب فبايعه جل أهل البصرة فلما رأيت ذلك استجرت بالأزد بصبرة بن شيمان و قومه لنفسي و لبيت مال المسلمين و رحلت من قصر الإمارة فنزلت فيهم و إن الأزد معي و شيعة أمير المؤمنين من فرسان القبائل تختلف إلي و شيعة عثمان تختلف إلى ابن الحضرمي و القصر خال منا و منهم فارفع ذلك إلى أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه و أعجل إلي بالذي ترى أن يكون منه فيه و السلام عليك و رحمة الله و بركاته . قال فرفع ذلك ابن عباس إلى علي ع و شاع في الناس بالكوفة ما كان من ذلك و كانت بنو تميم و قيس و من يرى رأي عثمان قد أمروا ابن الحضرمي أن يسير إلى قصر الإمارة حين خلاه زياد فلما تهيأ لذلك و دعا أصحابه ركبت الأزد و بعثت إليه و إليهم إنا و الله لا ندعكم تأتون القصر فتنزلون فيه من لا نرضى و من نحن له كارهون حتى يأتي رجل لنا و لكم رضا فأبى أصحاب ابن الحضرمي إلا أن يسيروا إلى القصر و أبت الأزد إلا أن يمنعوهم فركب الأحنف فقال لأصحاب ابن الحضرمي إنكم و الله

[ 43 ]

ما أنتم أحق بقصر الإمارة من القوم و ما لكم أن تؤمروا عليهم من يكرهونه فانصرفوا عنهم ففعلوا ثم جاء إلى الأزد فقال إنه لم يكن ما تكرهون و لا يؤتى إلا ما تحبون فانصرفوا رحمكم الله ففعلوا . قال إبراهيم و حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي سيف عن الكلبي أن ابن الحضرمي لما أتى البصرة و دخلها نزل في بني تميم في دار سنبيل و دعا بني تميم و أخلاط مضر فقال زياد لأبي الأسود الدؤلي أ ما ترى ما صغى أهل البصرة إلى معاوية و ما في الأزد لي مطمع فقال إن كنت تركتهم لم ينصروك و إن أصبحت فيهم منعوك . فخرج زياد من ليلته فأتى صبرة بن شيمان الحداني الأزدي فأجاره و قال له حين أصبح يا زياد إنه ليس حسنا بنا أن تقيم فينا مختفيا أكثر من يومك هذا فأعد له منبرا و سريرا في مسجد الحدان و جعل له شرطا و صلى بهم الجمعة في مسجد الحدان . و غلب ابن الحضرمي على ما يليه من البصرة و جباها و أجمعت الأزد على زياد فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال يا معشر الأزد إنكم كنتم أعدائي فأصبحتم أوليائي و أولى الناس بي و إني لو كنت في بني تميم و ابن الحضرمي فيكم لم أطمع فيه أبدا و أنتم دونه فلا يطمع ابن الحضرمي في و أنتم دوني و ليس ابن آكلة الأكباد في بقية الأحزاب و أولياء الشيطان بأدنى إلى الغلبة من أمير المؤمنين في المهاجرين و الأنصار و قد أصبحت فيكم مضمونا و أمانة مؤداة و قد رأينا وقعتكم يوم الجمل فاصبروا مع الحق صبركم مع الباطل فإنكم لا تحمدون إلا على النجدة و لا تعذرون على الجبن . فقام شيمان أبو صبرة و لم يكن شهد يوم الجمل و كان غائبا فقال يا معشر الأزد

[ 44 ]

ما أبقت عواقب الجمل عليكم إلا سوء الذكر و قد كنتم أمس على علي ع فكونوا اليوم له و اعلموا أن إسلامكم له ذل و خذلانكم إياه عار و أنتم حي مضماركم الصبر و عاقبتكم الوفاء فإن سار القوم بصاحبهم فسيروا بصاحبكم و إن استمدوا معاوية فاستمدوا عليا ع و إن وادعوكم فوادعوهم . ثم قام صبرة ابنه فقال يا معشر الأزد إنا قلنا يوم الجمل نمنع مصرنا و نطيع أمنا نطلب دم خليفتنا المظلوم فجددنا في القتال و أقمنا بعد انهزام الناس حتى قتل منا من لا خير فينا بعده و هذا زياد جاركم اليوم و الجار مضمون و لسنا نخاف من علي ما نخاف من معاوية فهبوا لنا أنفسكم و امنعوا جاركم أو فأبلغوه مأمنه . فقالت الأزد إنما نحن لكم تبع فأجيروه فضحك زياد و قال يا صبرة أ تخشون ألا تقوموا لبني تميم فقال صبرة إن جاءونا بالأحنف جئناهم بأبي صبرة و إن جاءونا بالحباب جئت أنا و إن كان فيهم شباب كثير فقال زياد إنما كنت مازحا . فلما رأت بنو تميم أن الأزد قد قامت دون زياد بعثت إليهم أخرجوا صاحبكم و نحن نخرج صاحبنا فأي الأميرين غلب علي أو معاوية دخلنا في طاعته و لا نهلك عامتنا . فبعث إليهم أبو صبرة إنما كان هذا يرجى عندنا قبل أن نجيره و لعمري ما قتل زياد و إخراجه إلا سواء و إنكم لتعلمون أنا لم نجره إلا كرما فالهوا عن هذا . قال و روى أبو الكنود أن شبث بن ربعي قال لعلي ع يا أمير المؤمنين ابعث إلى هذا الحي من تميم فادعهم إلى طاعتك و لزوم بيعتك و لا تسلط عليهم أزد عمان البعداء البغضاء فإن واحدا من قومك خير لك من عشرة من غيرهم .

[ 45 ]

فقال له مخنف بن سليم الأزدي إن البعيد البغيض من عصى الله و خالف أمير المؤمنين و هم قومك و إن الحبيب القريب من أطاع الله و نصر أمير المؤمنين و هم قومي و أحدهم خير لأمير المؤمنين من عشرة من قومك .

فقال أمير المؤمنين ع مه تناهوا أيها الناس و ليردعكم الإسلام و وقاره عن التباغي و التهاذي و لتجتمع كلمتكم و الزموا دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره و كلمة الإخلاص التي هي قوام الدين و حجة الله على الكافرين و اذكروا إذ كنتم قليلا مشركين متباغضين متفرقين فألف بينكم بالإسلام فكثرتم و اجتمعتم و تحاببتم فلا تفرقوا بعد إذ اجتمعتم و لا تتباغضوا بعد إذ تحاببتم و إذا رأيتم الناس بينهم النائرة و قد تداعوا إلى العشائر و القبائل فاقصدوا لهامهم و وجوههم بالسيف حتى يفزعوا إلى الله و إلى كتابه و سنة نبيه فأما تلك الحمية من خطرات الشياطين فانتهوا عنها لا أبا لكم تفلحوا و تنجحوا ثم إنه ع دعا أعين بن ضبيعة المجاشعي و قال يا أعين أ لم يبلغك أن قومك وثبوا على عاملي مع ابن الحضرمي بالبصرة يدعون إلى فراقي و شقاقي و يساعدون الضلال القاسطين علي فقال لا تسأ يا أمير المؤمنين و لا يكن ما تكره ابعثني إليهم فأنا لك زعيم بطاعتهم و تفريق جماعتهم و نفي ابن الحضرمي من البصرة أو قتله قال فاخرج الساعة . فخرج من عنده و مضى حتى قدم البصرة .

[ 46 ]

هذه رواية ابن هلال صاحب كتاب الغارات .

و روى الواقدي أن عليا ع استنفر بني تميم أياما لينهض منهم إلى البصرة من يكفيه أمر ابن الحضرمي و يرد عادية بني تميم الذين أجاروه بها فلم يجبه أحد فخطبهم و قال أ ليس من العجب أن ينصرني الأزد و تخذلني مضر و أعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة بي و خلاف تميم البصرة علي و أن أستنجد بطائفة منها تشخص إلى إخوانها فتدعوهم إلى الرشاد فإن أجابت و إلا فالمنابذة و الحرب فكأني أخاطب صما بكما لا يفقهون حوارا و لا يجيبون نداء كل هذا جبنا عن البأس و حبا للحياة لقد كنا مع رسول الله ص نقتل آباءنا و أبناءنا الفصل إلى آخره . قال فقام إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي فقال أنا إن شاء الله أكفيك يا أمير المؤمنين هذا الخطب و أتكفل لك بقتل ابن الحضرمي أو إخراجه عن البصرة فأمره بالتهيؤ للشخوص فشخص حتى قدم البصرة . قال إبراهيم بن هلال فلما قدمها دخل على زياد و هو بالأزد مقيم فرحب به و أجلسه إلى جانبه فأخبره بما قال له علي ع و ما رد عليه و ما الذي عليه رأيه فإنه إذ يكلمه جاءه كتاب من علي ع فيه

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد سلام عليك أما بعد فإني قد بعثت أعين بن ضبيعة ليفرق قومه عن ابن الحضرمي فارقب ما يكون منه فإن فعل و بلغ من ذلك ما يظن به و كان في ذلك تفريق تلك الأوباش فهو ما نحب و إن ترامت الأمور بالقوم إلى الشقاق و العصيان

[ 47 ]

فانبذ بمن أطاعك إلى من عصاك فجاهدهم فإن ظهرت فهو ما ظننت و إلا فطاولهم و ماطلهم فكان كتائب المسلمين قد أطلت عليك فقتل الله المفسدين الظالمين و نصر المؤمنين المحقين و السلام . فلما قرأه زياد أقرأه أعين بن ضبيعة فقال له إني لأرجو أن يكفى هذا الأمر إن شاء الله ثم خرج من عنده فأتى رحله فجمع إليه رجالا من قومه فحمد الله و أثنى عليه ثم قال يا قوم على ما ذا تقتلون أنفسكم و تهريقون دماءكم على الباطل مع السفهاء الأشرار و إني و الله ما جئتكم حتى عبيت إليكم الجنود فإن تنيبوا إلى الحق يقبل منكم و يكف عنكم و إن أبيتم فهو و الله استئصالكم و بواركم . فقالوا بل نسمع و نطيع فقال انهضوا الآن على بركة الله عز و جل فنهض بهم إلى جماعة ابن الحضرمي فخرجوا إليه مع ابن الحضرمي فصافوه و واقفهم عامة يومه يناشدهم الله و يقول يا قوم لا تنكثوا بيعتكم و لا تخالفوا إمامكم و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا فقد رأيتم و جربتم كيف صنع الله بكم عند نكثكم بيعتكم و خلافكم . فكفوا عنه و لم يكن بينه و بينهم قتال و هم في ذلك يشتمونه و ينالون منه فانصرف عنهم و هو منهم منتصف فلما أوى إلى رحله تبعه عشرة نفر يظن الناس أنهم خوارج فضربوه بأسيافهم و هو على فراشه و لا يظن أن الذي كان يكون فخرج يشتد عريانا فلحقوه في الطريق فقتلوه فأراد زياد أن يناهض ابن الحضرمي حين قتل أعين بجماعة من معه من الأزد و غيرهم من شيعة علي ع فأرسل بنو تميم إلى الأزد و الله ما عرضنا لجاركم إذ أجرتموه و لا لمال هو له و لا لأحد ليس على رأينا فما تريدون

[ 48 ]

إلى حربنا و إلى جارنا فكان الأزد عند ذلك كرهت قتالهم . فكتب زياد إلى علي ع أما بعد يا أمير المؤمنين فإن أعين بن ضبيعة قدم علينا من قبلك بجد و مناصحة و صدق و يقين فجمع إليه من أطاعه من عشيرته فحثهم على الطاعة و الجماعة و حذرهم الخلاف و الفرقة ثم نهض بمن أقبل معه إلى من أدبر عنه فواقفهم عامة النهار فهال أهل الخلاف تقدمه و تصدع عن ابن الحضرمي كثير ممن كان يريد نصرته فكان كذلك حتى أمسى فأتى في رحله فبيته نفر من هذه الخارجة المارقة فأصيب رحمه الله تعالى فأردت أن أناهض ابن الحضرمي عند ذلك فحدث أمر قد أمرت صاحب كتابي هذا أن يذكره لأمير المؤمنين و قد رأيت إن رأى أمير المؤمنين ما رأيت أن يبعث إليهم جارية بن قدامة فإنه نافذ البصيرة و مطاع في العشيرة شديد على عدو أمير المؤمنين فإن يقدم يفرق بينهم بإذن الله و السلام على أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته .

فلما جاء الكتاب دعا جارية بن قدامة فقال له يا ابن قدامة تمنع الأزد عاملي و بيت مالي و تشاقني مضر و تنابذني و بنا ابتدأها الله تعالى بالكرامة و عرفها الهدى و تداعوا إلى المعشر الذين حادوا الله و رسوله و أرادوا إطفاء نور الله سبحانه حتى علت كلمة الله و هلك الكافرون . فقال يا أمير المؤمنين ابعثني إليهم و استعن بالله عليهم قال قد بعثتك إليهم و استعنت بالله عليهم . قال إبراهيم فحدثنا محمد بن عبد الله قال حدثني ابن أبي السيف عن سليمان بن أبي راشد عن كعب بن قعين قال خرجت مع جارية من الكوفة إلى البصرة

[ 49 ]

في خمسين رجلا من بني تميم ما كان فيهم يماني غيري و كنت شديد التشيع فقلت لجارية إن شئت كنت معك و إن شئت ملت إلى قومي فقال بل معي فو الله لوددت أن الطير و البهائم تنصرني عليهم فضلا عن الإنس . قال و روى كعب بن قعين أن عليا ع كتب مع جارية كتابا و قال أقرئه على أصحابك قال فمضينا معه فلما دخلنا البصرة بدأ بزياد فرحب به و أجلسه إلى جانبه و ناجاه ساعة و ساءله ثم خرج فكان أفضل ما أوصاه به أن قال احذر على نفسك و اتق أن تلقى ما لقي صاحبك القادم قبلك . و خرج جارية من عنده فقام في الأزد فقال جزاكم الله من حي خيرا ما أعظم غناءكم و أحسن بلاءكم و أطوعكم لأميركم لقد عرفتم الحق إذ ضيعه من أنكره و دعوتم إلى الهدى إذ تركه من لم يعرفه ثم قرأ عليهم و على من كان معه من شيعة علي ع و غيرهم كتاب علي ع فإذا فيه

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين و المسلمين سلام عليكم أما بعد فإن الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البينة و لا يأخذ المذنب عند أول وهلة و لكنه يقبل التوبة و يستديم الأناة و يرضي بالإنابة ليكون أعظم للحجة و أبلغ في المعذرة و قد كان من شقاق جلكم أيها الناس ما استحققتم أن تعاقبوا عليه فعفوت عن مجرمكم و رفعت السيف عن مدبركم و قبلت من مقبلكم و أخذت بيعتكم فإن تفوا ببيعتي و تقبلوا نصيحتي و تستقيموا على طاعتي أعمل

[ 50 ]

فيكم بالكتاب و السنة و قصد الحق و أقم فيكم سبيل الهدى فو الله ما أعلم أن واليا بعد محمد ص أعلم بذلك مني و لا أعمل بقولي أقول قولي هذا صادقا غير ذام لمن مضى و لا منتقصا لأعمالهم و إن خبطت بكم الأهواء المردية و سفه الرأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي فها أنا ذا قربت جيادي و رحلت ركابي و ايم الله لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل عندها إلا كلعقة لاعق و إني لظان ألا تجعلوا إن شاء الله على أنفسكم سبيلا و قد قدمت هذا الكتاب إليكم حجة عليكم و لن أكتب إليكم من بعده كتابا إن أنتم استغششتم نصيحتي و نابذتم رسولي حتى أكون أنا الشاخص نحوكم إن شاء الله تعالى و السلام . قال فلما قرئ الكتاب على الناس قام صبرة بن شيمان فقال سمعنا و أطعنا و نحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب و لمن سالم سلم إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك و إن أحببت أن ننصرك نصرناك . و قام وجوه الناس فتكلموا بمثل ذلك و نحوه فلم يأذن لأحد منهم أن يسير معه و مضى نحو بني تميم . فقام زياد في الأزد فقال يا معشر الأزد إن هؤلاء كانوا أمس سلما فأصبحوا اليوم حربا و إنكم كنتم حربا فأصبحتم سلما و إني و الله ما اخترتكم إلا على التجربة و لا أقمت فيكم إلا على الأمل فما رضيتم أن أجرتموني حتى نصبتم لي منبرا و سريرا و جعلتم لي شرطا و أعوانا و مناديا و جمعة فما فقدت بحضرتكم شيئا إلا هذا الدرهم لا أجبيه اليوم فإن لم أجبه اليوم أجبه غدا إن شاء الله و اعلموا أن حربكم اليوم معاوية أيسر عليكم في الدنيا و الدين من حربكم أمس عليا و قد قدم عليكم جارية بن قدامة و إنما أرسله علي

[ 51 ]

ليصدع أمر قومه و الله ما هو بالأمير المطاع و لو أدرك أمله في قومه لرجع إلى أمير المؤمنين أو لكان لي تبعا و أنتم الهامة العظمى و الجمرة الحامية فقدموه إلى قومه فإن اضطر إلى نصركم فسيروا إليه إن رأيتم ذلك . فقام أبو صبرة شيمان فقال يا زياد إني و الله لو شهدت قومي يوم الجمل رجوت ألا يقاتلوا عليا و قد مضى الأمر بما فيه و هو يوم بيوم و أمر بأمر و الله إلى الجزاء بالإحسان أسرع منه إلى الجزاء بالسيئ و التوبة مع الحق و العفو مع الندم و لو كانت هذه فتنة لدعونا القوم إلى إبطال الدماء و استئناف الأمور و لكنها جماعة دماؤها حرام و جروحها قصاص و نحن معك نحب ما أحببت . فعجب زياد من كلامه و قال ما أظن في الناس مثل هذا . ثم قام صبرة ابنه فقال إنا و الله ما أصبنا بمصيبة في دين و لا دنيا كما أصبنا أمس يوم الجمل و إنا لنرجو اليوم أن نمحص ذلك بطاعة الله و طاعة أمير المؤمنين و أما أنت يا زياد فو الله ما أدركت أملك فينا و لا أدركنا أملنا فيك دون ردك إلى دارك و نحن رادوك إليها غدا إن شاء الله تعالى فإذا فعلنا فلا يكن أحد أولى بك منا فإنك إلا تفعل لم تأت ما يشبهك و إنا و الله نخاف من حرب علي في الآخرة ما لا نخاف من حرب معاوية في الدنيا فقدم هواك و أخر هوانا فنحن معك و طوعك . ثم قام خنقر الحماني فقال أيها الأمير إنك لو رضيت منا بما ترضى به من غيرنا لم نرض ذلك لأنفسنا سر بنا إلى القوم إن شئت و ايم الله ما لقينا قوما قط إلا اكتفينا بعفونا دون جهدنا إلا ما كان أمس .

[ 52 ]

قال إبراهيم فأما جارية فإنه كلم قومه فلم يجيبوه و خرج إليه منهم أوباش فناوشوه بعد أن شتموه و أسمعوه فأرسل إلى زياد و الأزد يستصرخهم و يأمرهم أن يسيروا إليه فسارت الأزد بزياد و خرج إليهم ابن الحضرمي و على خيله عبد الله بن خازم السلمي فاقتتلوا ساعة و أقبل شريك بن الأعور الحارثي و كان من شيعة علي ع و صديقا لجارية بن قدامة فقال أ لا أقاتل معك عدوك فقال بلى فما لبثت بنو تميم أن هزموهم و اضطروهم إلى دار سنبيل السعدي فحصروا ابن الحضرمي و حدوه فأتى رجل من بني تميم و معه عبد الله بن خازم السلمي فجاءت أمه و هي سوداء حبشية اسمها عجلى فنادته فأشرف عليها فقالت يا بني انزل إلي فأبى فكشفت رأسها و أبدت قناعها و سألته النزول فأبى فقالت و الله لتنزلن أو لأتعرين و أهوت بيدها إلى ثيابها فلما رأى ذلك نزل فذهبت به و أحاط جارية و زياد بالدار و قال جارية علي بالنار فقالت الأزد لسنا من الحريق بالنار في شي‏ء و هم قومك و أنت أعلم فحرق جارية الدار عليهم فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلا أحدهم عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي التيمي و سمي جارية منذ ذلك اليوم محرقا و سارت الأزد بزياد حتى أوطنوه قصر الإمارة و معه بيت المال و قالت له هل بقي علينا من جوارك شي‏ء قال لا قالوا فبرئنا منه فقال نعم فانصرفوا عنه و كتب زياد إلى أمير المؤمنين ع أما بعد فإن جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك فناهض جمع ابن الحضرمي بمن نصره و أعانه من الأزد ففضه و اضطره إلى دار من دور البصرة في عدد كثير من أصحابه فلم يخرج حتى حكم الله تعالى بينهما فقتل ابن الحضرمي و أصحابه منهم من أحرق بالنار و منهم من ألقي عليه جدار و منهم من هدم عليه البيت من أعلاه و منهم من قتل بالسيف و سلم

[ 53 ]

منهم نفر أنابوا و تابوا فصفح عنهم و بعدا لمن عصى و غوى و السلام على أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته . فلما وصل كتاب زياد قرأه علي ع على الناس و كان زياد قد أنفذه مع ظبيان بن عمارة فسر علي ع بذلك و سر أصحابه و أثنى على جارية و على الأزد و ذم البصرة

فقال إنها أول القرى خرابا أما غرقا و أما حرقا حتى يبقى مسجدها كجؤجؤ سفينة ثم قال لظبيان أين منزلك منها فقال مكان كذا فقال عليك بضواحيها . و قال ابن العرندس الأزدي يذكر تحريق ابن الحضرمي و يعير تميما بذلك

رددنا زيادا إلى داره
و جار تميم ينادي الشجب
لحا الله قوما شووا جارهم
لعمري لبئس الشواء الشصب
ينادي الخناق و أبناءها
و قد شيطوا رأسها باللهب

و الخناق لقب قوم بني تميم

[ 54 ]