فصل فيما روي من سب معاوية و حزبه لعلي

المسألة الثانية في قوله ع يأمركم بسبي و البراءة مني فنقول إن معاوية أمر الناس بالعراق و الشام و غيرهما بسب علي ع و البراءة منه . و خطب بذلك على منابر الإسلام و صار ذلك سنة في أيام بني أمية إلى أن قام عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه فأزاله و ذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ أن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك و صد عن سبيلك

[ 57 ]

فالعنه لعنا وبيلا و عذبه عذابا أليما و كتب بذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز . و ذكر أبو عثمان أيضا أن هشام بن عبد الملك لما حج خطب بالموسم فقام إليه إنسان فقال يا أمير المؤمنين إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب فقال اكفف فما لهذا جئنا . و ذكر المبرد في الكامل أن خالد بن عبد الله القسري لما كان أمير العراق في خلافة هشام كان يلعن عليا ع على المنبر فيقول اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم صهر رسول الله ص على ابنته و أبا الحسن و الحسين ثم يقبل على الناس فيقول هل كنيت . و روى أبو عثمان أيضا أن قوما من بني أمية قالوا لمعاوية يا أمير المؤمنين إنك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن لعن هذا الرجل فقال لا و الله حتى يربو عليه الصغير و يهرم عليه الكبير و لا يذكر له ذاكر فضلا . و قال أبو عثمان أيضا و ما كان عبد الملك مع فضله و أناته و سداده و رجحانه ممن يخفى عليه فضل علي ع و أن لعنه على رءوس الأشهاد و في أعطاف الخطب و على صهوات المنابر مما يعود عليه نقصه و يرجع إليه وهنه لأنهما جميعا من بني عبد مناف و الأصل واحد و الجرثومة منبت لهما و شرف علي ع و فضله عائد عليه و محسوب له و لكنه أراد تشييد الملك و تأكيد ما فعله الأسلاف و أن يقرر في أنفس الناس أن بني هاشم لا حظ لهم في هذا الأمر و أن سيدهم الذي به يصولون و بفخره يفخرون

[ 58 ]

هذا حاله و هذا مقداره فيكون من ينتمي إليه و يدلي به عن الأمر أبعد و عن الوصول إليه أشحط و أنزح . و روى أهل السيرة أن الوليد بن عبد الملك في خلافته ذكر عليا ع فقال لعنه الله بالجر كان لص ابن لص . فعجب الناس من لحنه فيما لا يلحن فيه أحد و من نسبته عليا ع إلى اللصوصية و قالوا ما ندري أيهما أعجب و كان الوليد لحانا . و أمر المغيرة بن شعبة و هو يومئذ أمير الكوفة من قبل معاوية حجر بن عدي أن يقوم في الناس فليلعن عليا ع فأبى ذلك فتوعده فقام فقال أيها الناس إن أميركم أمرني أن ألعن عليا فالعنوه فقال أهل الكوفة لعنه الله و أعاد الضمير إلى المغيرة بالنية و القصد . و أراد زياد أن يعرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من علي ع و لعنه و أن يقتل كل من امتنع من ذلك و يخرب منزله فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون فمات لا رحمه الله بعد ثلاثة أيام و ذلك في خلافة معاوية . و كان الحجاج لعنه الله يلعن عليا ع و يأمر بلعنه و قال له متعرض به يوما و هو راكب أيها الأمير إن أهلي عقوني فسموني عليا فغير اسمي و صلني بما أتبلغ به فإني فقير فقال للطف ما توصلت به قد سميتك كذا و وليتك العمل الفلاني فاشخص إليه . فأما عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فإنه قال كنت غلاما أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود فمر بي يوما و أنا ألعب مع الصبيان و نحن نلعن عليا .

[ 59 ]

فكره ذلك و دخل المسجد فتركت الصبيان و جئت إليه لأدرس عليه وردي فلما رآني قام فصلى و أطال في الصلاة شبه المعرض عني حتى أحسست منه بذلك فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي فقلت له ما بال الشيخ فقال لي يا بني أنت اللاعن عليا منذ اليوم قلت نعم قال فمتى علمت أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم فقلت يا أبت و هل كان علي من أهل بدر فقال ويحك و هل كانت بدر كلها إلا له فقلت لا أعود فقال الله أنك لا تعود قلت نعم فلم ألعنه بعدها ثم كنت أحضر تحت منبر المدينة و أبي يخطب يوم الجمعة و هو حينئذ أمير المدينة فكنت أسمع أبي يمر في خطبه تهدر شقاشقه حتى يأتي إلى لعن علي ع فيجمجم و يعرض له من الفهاهة و الحصر ما الله عالم به فكنت أعجب من ذلك فقلت له يوما يا أبت أنت أفصح الناس و أخطبهم فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل صرت ألكن عليا فقال يا بني إن من ترى تحت منبرنا من أهل الشام و غيرهم لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد فوقرت كلمته في صدري مع ما كان قاله لي معلمي أيام صغري فأعطيت الله عهدا لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لأغيرنه فلما من الله علي بالخلافة أسقطت ذلك و جعلت مكانه إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي اَلْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ اَلْفَحْشاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ و كتب به إلى الآفاق فصار سنة . و قال كثير بن عبد الرحمن يمدح عمر و يذكر قطعه السب

وليت فلم تشتم عليا و لم تخف
بريا و لم تقبل إساءة مجرم
و كفرت بالعفو الذنوب مع الذي
أتيت فأضحى راضيا كل مسلم

[ 60 ]

ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه
من الأود البادي ثقاف المقوم
و ما زلت تواقا إلى كل غاية
بلغت بها أعلى العلاء المقدم
فلما أتاك الأمر عفوا و لم يكن
لطالب دنيا بعده من تكلم
تركت الذي يفنى لأن كان بائدا
و آثرت ما يبقى برأي مصمم

و قال الرضي أبو الحسن رحمه الله تعالى

يا ابن عبد العزيز لو بكت العين
فتى من أمية لبكيتك
غير أني أقول أنك قد طبت
و إن لم يطب و لم يزك بيتك
أنت نزهتنا عن السب و القذف
فلو أمكن الجزاء جزيتك
و لو أني رأيت قبرك لاستحييت
من أن أرى و ما حييتك
و قليل أن لو بذلت دماء
البدن صرفا على الذرا و سقيتك
دير سمعان فيك مأوى أبي حفص
بودي لو أنني آويتك
دير سمعان لا أغبك غيث
خير ميت من آل مروان ميتك
أنت بالذكر بين عيني و قلبي
إن تدانيت منك أو إن نأيتك
و إذا حرك الحشا خاطر منك
توهمت أنني قد رأيتك
و عجيب أني قليت بني مروان
طرا و أنني ما قليتك
قرب العدل منك لما نأى الجور
بهم فاجتويتهم و اجتبيتك
فلو أني ملكت دفعا لما نابك
من طارق الردى لفديتك

[ 61 ]

و روى ابن الكلبي عن أبيه عن عبد الرحمن بن السائب قال قال الحجاج يوما لعبد الله بن هانئ و هو رجل من بني أود حي من قحطان و كان شريفا في قومه قد شهد مع الحجاج مشاهده كلها و كان من أنصاره و شيعته و الله ما كافأتك بعد ثم أرسل إلى أسماء بن خارجة سيد بني فزارة أن زوج عبد الله بن هانئ بابنتك فقال لا و الله و لا كرامة فدعا بالسياط فلما رأى الشر قال نعم أزوجه ثم بعث إلى سعيد بن قيس الهمداني رئيس اليمانية زوج ابنتك من عبد الله بن أود فقال و من أود لا و الله لا أزوجه و لا كرامة فقال علي بالسيف فقال دعني حتى أشاور أهلي فشاورهم فقالوا زوجه و لا تعرض نفسك لهذا الفاسق فزوجه فقال الحجاج لعبد الله قد زوجتك بنت سيد فزارة و بنت سيد همدان و عظيم كهلان و ما أود هناك فقال لا تقل أصلح الله الأمير ذاك فإن لنا مناقب ليست لأحد من العرب قال و ما هي قال ما سب أمير المؤمنين عبد الملك في ناد لنا قط قال منقبة و الله قال و شهد منا صفين مع أمير المؤمنين معاوية سبعون رجلا ما شهد منا مع أبي تراب إلا رجل واحد و كان و الله ما علمته امرأ سوء قال منقبة و الله قال و منا نسوة نذرن إن قتل الحسين بن علي أن تنحر كل واحدة عشر قلائص ففعلن قال منقبة و الله قال و ما منا رجل عرض عليه شتم أبي تراب و لعنه إلا فعل و زاد ابنيه حسنا و حسينا و أمهما فاطمة قال منقبة و الله قال و ما أحد من العرب له من الصباحة و الملاحة ما لنا فضحك الحجاج و قال أما هذه يا أبا هانئ فدعها و كان عبد الله دميما شديد الأدمة مجدورا في رأسه عجر مائل الشدق أحول قبيح الوجه شديد الحول . و كان عبد الله بن الزبير يبغض عليا ع و ينتقصه و ينال من عرضه .

[ 62 ]

و روى عمر بن شبة و ابن الكلبي و الواقدي و غيرهم من رواة السير أنه مكث أيام ادعائه الخلافة أربعين جمعة لا يصلي فيها على النبي ص و قال لا يمنعني من ذكره إلا أن تشمخ رجال بآنافها . و في رواية محمد بن حبيب و أبي عبيدة معمر بن المثنى أن له أهيل سوء ينغضون رءوسهم عند ذكره . و روى سعيد بن جبير أن عبد الله بن الزبير قال لعبد الله بن عباس ما حديث أسمعه عنك قال و ما هو قال تأنيبي و ذمي

فقال إني سمعت رسول الله ص يقول بئس المرء المسلم يشبع و يجوع جاره فقال ابن الزبير إني لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة و ذكر تمام الحديث . و روى عمر بن شبة أيضا عن سعيد بن جبير قال خطب عبد الله بن الزبير فنال من علي ع فبلغ ذلك محمد بن الحنفية فجاء إليه و هو يخطب فوضع له كرسي فقطع عليه خطبته و قال يا معشر العرب شاهت الوجوه أ ينتقص علي و أنتم حضور إن عليا كان يد الله على أعداء الله و صاعقة من أمره أرسله على الكافرين و الجاحدين لحقه فقتلهم بكفرهم فشنئوه و أبغضوه و أضمروا له الشنف و الحسد و ابن عمه ص حي بعد لم يمت فلما نقله الله إلى جواره و أحب له ما عنده أظهرت له رجال أحقادها و شفت أضغانها فمنهم من ابتز حقه و منهم من ائتمر به ليقتله و منهم من شتمه و قذفه بالأباطيل فإن يكن لذريته و ناصري دعوته دولة تنشر عظامهم و تحفر على أجسادهم و الأبدان منهم يومئذ بالية بعد أن تقتل الأحياء منهم و تذل رقابهم فيكون الله عز اسمه قد عذبهم بأيدينا و أخزاهم و نصرنا عليهم و شفا صدورنا منهم إنه و الله ما يشتم عليا إلا كافر يسر شتم رسول الله ص و يخاف أن يبوح به

[ 63 ]

فيكني بشتم علي ع عنه أما إنه قد تخطت المنية منكم من امتد عمره و سمع

قول رسول الله ص فيه لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ فعاد ابن الزبير إلى خطبته و قال عذرت بني الفواطم يتكلمون فما بال ابن أم حنيفة فقال محمد يا ابن أم رومان و ما لي لا أتكلم و هل فاتني من الفواطم إلا واحدة و لم يفتني فخرها لأنها أم أخوي أنا ابن فاطمة بنت عمران بن عائذ بن مخزوم جده رسول الله ص و أنا ابن فاطمة بنت أسد بن هاشم كافلة رسول الله ص و القائمة مقام أمه أما و الله لو لا خديجة بنت خويلد ما تركت في بني أسد بن عبد العزى عظما إلا هشمته ثم قام فانصرف