فصل في معنى قول علي إني ولدت على الفطرة

المسألة الخامسة أن يقال كيف علل نهيه لهم على البراءة منه ع بقوله فإني ولدت على الفطرة فإن هذا التعليل لا يختص به ع لأن كل أحد يولد على الفطرة

قال النبي ص كل مولود يولد على الفطرة و إنما أبواه يهودانه و ينصرانه و الجواب أنه ع علل نهيه لهم عن البراءة منه بمجموع أمور و علل و هي كونه ولد على الفطرة و كونه سبق إلى الإيمان و الهجرة و لم يعلل بآحاد هذا المجموع و مراده هاهنا بالولادة على الفطرة أنه لم يولد في الجاهلية لأنه ولد ع لثلاثين عاما مضت من عام الفيل و النبي ص أرسل لأربعين سنة مضت من عام الفيل و قد جاء في الأخبار الصحيحة أنه ص مكث قبل الرسالة سنين عشرا يسمع الصوت و يرى الضوء و لا يخاطبه أحد و كان ذلك إرهاصا لرسالته ع فحكم تلك السنين العشر حكم أيام رسالته ص فالمولود فيها إذا كان في حجره و هو المتولي لتربيته مولود في أيام كأيام النبوة و ليس بمولود في جاهلية محضة ففارقت حاله حال من يدعى له من الصحابة مماثلته في الفضل و قد روي أن السنة التي ولد فيها علي

[ 115 ]

ع هي السنة التي بدئ فيها برسالة رسول الله ص فأسمع الهتاف من الأحجار و الأشجار و كشف عن بصره فشاهد أنوارا و أشخاصا و لم يخاطب فيها بشي‏ء و هذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتل و الانقطاع و العزلة في جبل حراء فلم يزل به حتى كوشف بالرسالة و أنزل عليه الوحي و كان رسول الله ص يتيمن بتلك السنة و بولادة علي ع فيها و يسميها سنة الخير و سنة البركة و قال لأهله ليلة ولادته و فيها شاهد ما شاهد من الكرامات و القدرة الإلهية و لم يكن من قبلها شاهد من ذلك شيئا

لقد ولد لنا الليلة مولود يفتح الله علينا به أبوابا كثيرة من النعمة و الرحمة و كان كما قال ص فإنه ع كان ناصره و المحامي عنه و كاشف الغماء عن وجهه و بسيفه ثبت دين الإسلام و رست دعائمه و تمهدت قواعده . و في المسألة تفسير آخر و هو أن يعني

بقوله ع فإني ولدت على الفطرة أي على الفطرة التي لم تتغير و لم تحل و ذلك أن معنى

قول النبي ص كل مولود يولد على الفطرة أن كل مولود فإن الله تعالى قد هيأه بالعقل الذي خلقه فيه و بصحة الحواس و المشاعر لأن يعلم التوحيد و العدل و لم يجعل فيه مانعا يمنعه عن ذلك و لكن التربية و العقيدة في الوالدين و الإلف لاعتقادهما و حسن الظن فيهما يصده عما فطر عليه و أمير المؤمنين ع دون غيره ولد على الفطرة التي لم تحل و لم يصد عن مقتضاها مانع لا من جانب الأبوين و لا من جهة غيرهما و غيره ولد على الفطرة و لكنه حال عن مقتضاها و زال عن موجبها . و يمكن أن يفسر بأنه ع أراد بالفطرة العصمة و أنه منذ ولد لم يواقع قبيحا

[ 116 ]

و لا كان كافرا طرفة عين قط و لا مخطئا و لا غالطا في شي‏ء من الأشياء المتعلقة بالدين و هذا تفسير الإمامية