فصل فيما ذكر من سبق علي إلى الهجرة

المسألة السابعة أن يقال كيف قال إنه سبق إلى الهجرة و معلوم أن جماعة من المسلمين هاجروا قبله منهم عثمان بن مظعون و غيره و قد هاجر أبو بكر قبله لأنه هاجر في صحبة النبي ص و تخلف علي ع عنهما فبات على فراش رسول الله ص و مكث أياما يرد الودائع التي كانت عنده ثم هاجر بعد ذلك . و الجواب أنه ع لم يقل و سبقت كل الناس إلى الهجرة و إنما قال و سبقت فقط و لا يدل ذلك على سبقه للناس كافة و لا شبهة أنه سبق معظم المهاجرين إلى الهجرة و لم يهاجر قبله أحد إلا نفر يسير جدا . و أيضا فقد قلنا إنه علل أفضليته و تحريم البراءة منه مع الإكراه بمجموع أمور منها ولادته على الفطرة و منها سبقه إلى الإيمان و منها سبقه إلى الهجرة و هذه الأمور الثلاثة لم تجتمع لأحد غيره فكان بمجموعها متميزا عن كل أحد من الناس . و أيضا فإن اللام في الهجرة يجوز ألا تكون للمعهود السابق بل تكون للجنس و أمير المؤمنين ع سبق أبا بكر و غيره إلى الهجرة التي قبل هجرة المدينة فإن النبي ص هاجر عن مكة مرارا يطوف على أحياء العرب و ينتقل من

[ 126 ]

أرض قوم إلى غيرها و كان علي ع معه دون غيره . أما هجرته إلى بني شيبان فما اختلف أحد من أهل السيرة أن عليا ع كان معه هو و أبو بكر و أنهم غابوا عن مكة ثلاثة عشر يوما و عادوا إليها لما لم يجدوا عند بني شيبان ما أرادوه من النصرة . و روى المدائني في كتاب الأمثال عن المفضل الضبي أن رسول الله ص لما خرج عن مكة يعرض نفسه على قبائل العرب خرج إلى ربيعة و معه علي ع و أبو بكر فدفعوا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر و كان نسابة فسلم فردوا عليه السلام فقال ممن القوم قالوا من ربيعة قال أ من هامتها أم من لهازمها قالوا من هامتها العظمى فقال من أي هامتها العظمى أنتم قالوا من ذهل الأكبر قال أ فمنكم عوف الذي يقال له لا حر بوادي عوف قالوا لا قال أ فمنكم بسطام ذو اللواء و منتهى الأحياء قالوا لا قال أ فمنكم جساس حامي الذمار و مانع الجار قالوا لا قال أ فمنكم الحوفزان قاتل الملوك و سالبها أنفسها قالوا لا قال أ فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة قالوا لا قال أ فأنتم أخوال الملوك من كندة قالوا لا قال فلستم إذن ذهلا الأكبر أنتم ذهل الأصغر فقام إليه غلام قد بقل وجهه اسمه دغفل فقال

إن على سائلنا أن نسأله
و العب‏ء لا تعرفه أو تحمله

[ 127 ]

يا هذا إنك قد سألتنا فأجبناك و لم نكتمك شيئا فممن الرجل قال من قريش قال بخ بخ أهل الشرف و الرئاسة فمن أي قريش أنت قال من تيم بن مرة قال أمكنت و الله الرامي من الثغرة أ منكم قصي بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر فكان يدعى مجمعا قال لا قال أ فمنكم هاشم الذي هشم لقومه الثريد قال لا قال أ فمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء قال لا قال أ فمن المفيضين بالناس أنت قال لا قال أ فمن أهل الندوة أنت قال لا قال أ فمن أهل الرفادة أنت قال لا قال أ فمن أهل الحجابة أنت قال لا قال أ فمن أهل السقاية قال لا قال فاجتذب أبو بكر زمام ناقته و رجع إلى رسول الله ص هاربا من الغلام فقال دغفل

صادف درء السيل درء يصدعه

أما و الله لو ثبت لأخبرتك أنك من زمعات قريش فتبسم رسول الله ص

و قال علي ع لأبي بكر لقد وقعت يا أبا بكر من الأعرابي على باقعة قال أجل إن لكل طامة طامة و البلاء موكل بالمنطق فذهبت مثلا . و أما هجرته ص إلى الطائف فكان معه علي ع و زيد بن

[ 128 ]

حارثة في رواية أبي الحسن المدائني و لم يكن معهم أبو بكر و أما رواية محمد بن إسحاق فإنه قال كان معه زيد بن حارثة وحده و غاب رسول الله ص عن مكة في هذه الهجرة أربعين يوما و دخل إليها في جوار مطعم بن عدي . و أما هجرته ص إلى بني عامر بن صعصعة و إخوانهم من قيس عيلان فإنه لم يكن معه إلا علي ع وحده و ذلك عقيب وفاة أبي طالب أوحي إليه ص أخرج منها فقد مات ناصرك فخرج إلى بني عامر بن صعصعة و معه علي ع وحده فعرض نفسه عليهم و سألهم النصر و تلا عليهم القرآن فلم يجيبوه فعادا ع إلى مكة و كانت مدة غيبته في هذه الهجرة عشرة أيام و هي أول هجرة هاجرها ص بنفسه . فأما أول هجرة هاجرها أصحابه و لم يهاجر بنفسه فهجرة الحبشة هاجر فيها كثير من أصحابه ع إلى بلاد الحبشة في البحر منهم جعفر بن أبي طالب ع فغابوا عنه سنين ثم قدم عليه منهم من سلم و طالت أيامه و كان قدوم جعفر عليه عام فتح خيبر

فقال ص ما أدري بأيهما أنا أسر أ بقدوم جعفر أم بفتح خيبر

[ 129 ]