نافع بن الأزرق الحنفي

و منهم نافع بن الأزرق الحنفي و كان شجاعا مقدما في فقه الخوارج و إليه تنسب الأزارقة و كان يفتي بأن الدار دار كفر و أنهم جميعا في النار و كل من فيها كافر إلا من أظهر إيمانه و لا يحل للمؤمنين أن يجيبوا داعيا منهم إلى الصلاة و لا أن يأكلوا من ذبائحهم و لا أن يناكحوهم و لا يتوارث الخارجي و غيره و هم مثل كفار العرب و عبدة الأوثان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف و القعد بمنزلتهم و التقية لا تحل لأن الله تعالى يقول إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ اَلنَّاسَ كَخَشْيَةِ اَللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً و قال فيمن كان على خلافهم يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ فتفرق عنه جماعة من الخوارج منهم نجدة بن عامر و احتج نجدة بقول الله تعالى وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ فسار نجدة و أصحابه إلى اليمامة و أضاف نافع إلى مقالته التي قدمناها استحلاله الغدر بأمانته لمن خالفه فكتب نجدة إليه

[ 137 ]

أما بعد فإن عهدي بك و أنت لليتيم كالأب الرحيم و للضعيف كالأخ البر تعاضد قوى المسلمين و تصنع للأخرق منهم لا تأخذك في الله لومة لائم و لا ترى معونة ظالم كذلك كنت أنت و أصحابك أ و لا تتذكر قولك لو لا أني أعلم أن للإمام العادل مثل أجر رعيته ما توليت أمر رجلين من المسلمين فلما شريت نفسك في طاعة ربك ابتغاء مرضاته و أصبت من الحق فصه و صبرت على مره تجرد لك الشيطان و لم يكن أحد أثقل عليه وطأة منك و من أصحابك فاستمالك و استهواك و أغواك فغويت و أكفرت الذين عذرهم الله تعالى في كتابه من قعدة المسلمين و ضعفتهم قال الله عز و جل و قوله الحق و وعده الصدق لَيْسَ عَلَى اَلضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى اَلْمَرْضى‏ وَ لا عَلَى اَلَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ ثم سماهم تعالى أحسن الأسماء فقال ما عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ثم استحللت قتل الأطفال و قد نهى رسول الله ص عن قتلهم و قال الله جل ثناؤه وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ و قال سبحانه في القعدة خيرا فقال وَ فَضَّلَ اَللَّهُ اَلْمُجاهِدِينَ عَلَى اَلْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً فتفضيله المجاهدين على القاعدين لا يدفع منزلة من هو دون المجاهدين أ و ما سمعت قوله تعالى لا يَسْتَوِي اَلْقاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ فجعلهم من المؤمنين و فضل عليهم المجاهدين بأعمالهم ثم إنك لا تؤدي أمانة إلى من خالفك و الله تعالى قد أمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها فاتق الله في نفسك و اتق يوما لا يجزى فيه والد عن ولده و لا مولود هو جاز عن والده شيئا فإن الله بالمرصاد و حكمه العدل و قوله الفصل و السلام

[ 138 ]

فكتب إليه نافع أما بعد أتاني كتابك تعظني فيه و تذكرني و تنصح لي و تزجرني و تصف ما كنت عليه من الحق و ما كنت أوثره من الصواب و أنا أسأل الله أن يجعلني من القوم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه . و عبت علي ما دنت به من إكفار القعدة و قتل الأطفال و استحلال الأمانة من المخالفين و سأفسر لك إن شاء الله . أما هؤلاء القعدة فليسوا كمن ذكرت ممن كان على عهد رسول الله ص لأنهم كانوا بمكة مقهورين محصورين لا يجدون إلى الهرب سبيلا و لا إلى الاتصال بالمسلمين طريقا و هؤلاء قد تفقهوا في الدين و قرءوا القرآن و الطريق لهم نهج واضح و قد عرفت ما قال الله تعالى فيمن كان مثلهم إذ قالوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اَلْأَرْضِ فقال أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها و قال سبحانه فَرِحَ اَلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اَللَّهِ وَ كَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ و قال وَ جاءَ اَلْمُعَذِّرُونَ مِنَ اَلْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ فخبر بتعذيرهم و أنهم كذبوا الله و رسوله ثم قال سَيُصِيبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فانظر إلى أسمائهم و سماتهم . و أما الأطفال فإن نوحا نبي الله كان أعلم بالله مني و منك و قد قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً فسماهم بالكفر و هم أطفال و قبل أن يولدوا فكيف كان ذلك

[ 139 ]

في قوم نوح و لا تقوله في قومنا و الله تعالى يقول أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي اَلزُّبُرِ و هؤلاء كمشركي العرب لا يقبل منهم جزية و ليس بيننا و بينهم إلا السيف أو الإسلام . و أما استحلال أمانات من خالفنا فإن الله تعالى أحل لنا أموالهم كما أحل دماءهم لنا فدماؤهم حلال طلق و أموالهم في‏ء للمسلمين فاتق الله و راجع نفسك فإنه لا عذر لك إلا بالتوبة و لن يسعك خذلاننا و القعود عنا و ترك ما نهجناه لك من مقالتنا و السلام على من أقر بالحق و عمل به . و كتب إلى من بالبصرة من المحكمة أما بعد فإن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا و أنتم مسلمون إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة و الدين واحد ففيم المقام بين أظهر الكفار ترون الظلم ليلا و نهارا و قد ندبكم الله عز و جل إلى الجهاد فقال وَ قاتِلُوا اَلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً و لم يجعل لكم في التخلف عذرا في حال من الأحوال فقال اِنْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالاً و إنما عذر الضعفاء و المرضى و الذين لا يجدون ما ينفقون و من كانت إقامته لعلة ثم فضل عليهم مع ذلك المجاهدين فقال لا يَسْتَوِي اَلْقاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ وَ اَلْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ فلا تغتروا و تطمئنوا إلى الدنيا فإنها غرارة مكارة لذتها نافدة و نعيمها بائد حفت بالشهوات اغترارا و أظهرت حبرة و أضمرت عبرة فليس آكل منها أكلة تسره و لا شارب منها شربة تؤنقه إلا و دنا بها درجة إلى أجله و تباعد بها مسافة من أمله و إنما جعلها الله دار المتزود منها إلى النعيم المقيم و العيش السليم فليس يرضى بها حازم دارا و لا حكيم قرارا فاتقوا الله و تزودوا

[ 140 ]

فإن خير الزاد التقوى و السلام على من اتبع الهدى . فلما أظهر نافع مقالته هذه و انفرد عن الخوارج بها أقام في أصحابه بالأهواز يستعرض الناس و يقتل الأطفال و يأخذ الأموال و يجبي الخراج و فشا عماله بالسواد فارتاع لذلك أهل البصرة و اجتمع منهم عشرة آلاف إلى الأحنف و سألوه أن يؤمر عليهم أميرا يحميهم من الخوارج و يجاهد بهم فأتى عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب و هو المسمى ببة فسأله أن يؤمر عليهم و ببة يومئذ أمير البصرة من قبل ابن الزبير فأمر عليهم مسلم بن عبيس بن كريز و كان دينا شجاعا فلما خرج بهم من جسر البصرة أقبل عليهم و قال أيها الناس إني ما خرجت لامتيار ذهب و لا فضة و إني لأحارب قوما إن ظفرت بهم فما وراءهم إلا السيوف و الرماح فمن كان شأنه الجهاد فلينهض و من أحب الحياة فليرجع . فرجع نفر يسير و مضى الباقون معه فلما صاروا بدولاب خرج إليهم نافع و أصحابه فاقتتلوا قتالا شديدا حتى تكسرت الرماح و عقرت الخيل و كثر الجراح و القتل و تضاربوا بالسيوف و العمد فقتل ابن عبيس أمير أهل البصرة و قتل نافع بن الأزرق أمير الخوارج و ادعى قتله سلامة الباهلي و كان نافع قد استخلف عبيد الله بن بشير بن الماحوز السليطي اليربوعي و استخلف ابن عبيس الربيع بن عمرو الأجذم الغداني اليربوعي فكان الرئيسان من بني يربوع فاقتتلوا بعد قتل ابن عبيس و نافع قتالا شديدا نيفا و عشرين يوما حتى قال الربيع لأصحابه إني رأيت البارحة كأن يدي

[ 141 ]

التي أصيبت بكابل انحطت من السماء فاستشلتني فلما كان الغد قاتلهم إلى الليل ثم عاودهم القتال فقتل فتدافع أهل البصرة الراية حتى خافوا العطب إذ لم يكن لهم رئيس ثم أجمعوا على الحجاج بن رباب الحميري فأباها فقيل له أ لا ترى رؤساء العرب قد اختاروك من بينهم فقال إنها مشئومة لا يأخذها أحد إلا قتل ثم أخذها فلم يزل يقاتل القوم بدولاب حتى التقى بعمران بن الحارث الراسبي و ذلك بعد أن اقتتلوا زهاء شهر فاختلفا ضربتين فخرا ميتين . و قام حارثة بن بدر الغداني بأمر أهل البصرة بعده و ثبت بإزاء الخوارج يناوشهم القتال مناوشة خفيفة و يزجي الأوقات انتظارا لقدوم أمير من قبل ببة يلي حرب الخوارج و هذه الحرب تسمى حرب دولاب و هي من حروب الخوارج المشهورة انتصف فيها الخوارج من المسلمين و انتصف المسلمون منهم فلم يكن فيها غالب و لا مغلوب