قطري بن الفجاءة المازني

و منهم قطري بن الفجاءة المازني قال أبو العباس لما قتل الزبير بن علي أدارت الخوارج أمرها فأرادوا تولية عبيدة بن هلال فقال أدلكم على من هو خير لكم مني من يطاعن في قبل و يحمي في دبر عليكم

[ 168 ]

بقطري بن الفجاءة المازني فبايعوه و قالوا يا أمير المؤمنين امض بنا إلى فارس فقال إن بفارس عمر بن عبيد الله بن معمر و لكن نسير إلى الأهواز فإن خرج مصعب من البصرة دخلناها فأتوا الأهواز ثم ترفعوا عنها على إيذج و كان المصعب قد عزم على الخروج إلى باجميرا و قال لأصحابه إن قطريا لمطل علينا و إن خرجنا عن البصرة دخلها فبعث إلى المهلب فقال اكفنا هذا العدو فخرج إليهم المهلب فلما أحس به قطري يمم نحو كرمان و أقام المهلب بالأهواز ثم كر عليه قطري و قد استعد و كانت الخوارج في حالاتهم أحسن عدة ممن يقاتلهم بكثرة السلاح و كثرة الدواب و حصانة الجنن فحاربهم المهلب فدفعهم فصاروا إلى رامهرمز و كان الحارث بن عميرة الهمداني قد صار إلى المهلب مراغما لعتاب بن ورقاء و يقال إنه لم يرضه عن قتله الزبير بن علي و كان الحارث بن عميرة هو الذي قتله و خاض إليه أصحابه ففي ذلك يقول أعشى همدان

إن المكارم أكملت أسبابها
لابن الليوث الغر من همدان
للفارس الحامي الحقيقة معلما
زاد الرفاق و فارس الفرسان

[ 169 ]

الحارث بن عميرة الليث الذي
يحمي العراق إلى قرى نجران
ود الأزراق لو يصاب بطعنة
و يموت من فرسانهم مائتان

قال أبو العباس و خرج مصعب إلى باجميرا ثم أتى الخوارج خبر مقتله بمسكن و لم يأت المهلب و أصحابه فتواقفوا يوما برامهرمز على الخندق فناداهم الخوارج ما تقولون في مصعب قالوا إمام هدى قالوا فما تقولون في عبد الملك قالوا ضال مضل فلما كان بعد يومين أتى المهلب قتل المصعب و إن أهل العراق قد اجتمعوا على عبد الملك و ورد عليه كتاب عبد الملك بولايته فلما تواقفوا ناداهم الخوارج ما تقولون في المصعب قالوا لا نخبركم قالوا فما تقولون في عبد الملك قالوا إمام هدى قالوا يا أعداء الله بالأمس ضال مضل و اليوم إمام هدى يا عبيد الدنيا عليكم لعنة الله . و روى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني الكبير قال كان الشراة و المسلمون في حرب المهلب و قطري يتواقفون و يتساءلون بينهم عن أمر الدين و غير ذلك على أمان و سكون لا يهيج بعضهم بعضا فتواقف يوما عبيدة بن هلال اليشكري و أبو حزابة التميمي فقال عبيدة يا أبا حزابة إني أسألك عن أشياء أ فتصدقني عنها في الجواب قال نعم إن ضمنت لي مثل ذلك قال قد فعلت قال فسل عما بدا لك قال ما تقولون في أئمتكم قال يبيحون الدم الحرام قال ويحك فكيف فعلهم في المال قال يحبونه من غير حله و ينفقونه في غير وجهه قال فكيف فعلهم في اليتيم قال يظلمونه ماله و يمنعونه حقه و ينيكون أمه قال ويحك يا أبا حزابة أ مثل هؤلاء تتبع قال قد أجبتك فاسمع سؤالي و دع عتابي على رأيي

[ 170 ]

قال سل قال أي الخمر أطيب خمر السهل أم خمر الجبل قال ويحك أ مثلي يسأل عن هذا قال قد أوجبت على نفسك أن تجيب قال أما إذ أبيت فإن خمر الجبل أقوى و أسكر و خمر السهل أحسن و أسلس قال فأي الزواني أفره أ زواني رامهرمز أم زواني أرجان قال ويحك إن مثلي لا يسأل عن هذا قال لا بد من الجواب أو تغدر . قال أما إذ أبيت فزواني رامهرمز أرق أبشارا و زواني أرجان أحسن أبدانا قال فأي الرجلين أشعر جرير أم الفرزدق قال عليك و عليهما لعنة الله قال لا بد أن تجيب قال أيهما الذي يقول

و طوى الطراد مع القياد بطونها
طي التجار بحضرموت برودا

قال جرير قال فهو أشعرهما . قال أبو الفرج و قد كان الناس تجادلوا في أمر جرير و الفرزدق في عسكر المهلب حتى تواثبوا و صاروا إليه محكمين له في ذلك فقال أ تريدون أن أحكم بين هذين الكلبين المتهارشين فيمضغاني ما كنت لأحكم بينهما و لكني أدلكم على من يحكم بينهما ثم يهون عليه سبابهما عليكم بالشراة فاسألوهم إذا تواقفتم فلما تواقفوا سأل أبو حزابة عبيدة بن هلال عن ذلك فأجابه بهذا الجواب . و روى أبو الفرج أن امرأة من الخوارج كانت مع قطري بن الفجاءة يقال لها أم حكيم و كانت من أشجع الناس و أجملهم وجها و أحسنهم بالدين تمسكا و خطبها

[ 171 ]

جماعة منهم فردتهم و لم تجبهم فأخبر من شاهدها في الحرب أنها كانت تحمل على الناس و ترتجز فتقول

أحمل رأسا قد سئمت حمله
و قد مللت دهنه و غسله
أ لا فتى يحمل عني ثقله

و الخوارج يفدونها بالآباء و الأمهات فما رأينا قبلها و لا بعدها مثلها . و روى أبو الفرج قال كان عبيدة بن هلال إذا تكاف الناس ناداهم ليخرج إلي بعضكم فيخرج إليه فتيان من عسكر المهلب فيقول لهم أيما أحب إليكم أقرأ عليكم القرآن أم أنشدكم الشعر فيقولون له أما القرآن فقد عرفناه مثل معرفتك و لكن تنشدنا فيقول يا فسقة قد و الله علمت أنكم تختارون الشعر على القرآن ثم لا يزال ينشدهم و يستنشدهم حتى يملوا و يفترقوا . قال أبو العباس و ولى خالد بن عبد الله بن أسيد فقدم فدخل البصرة فأراد عزل المهلب فأشير عليه بألا يفعل و قيل له إنما أمن أهل هذا المصر لأن المهلب بالأهواز و عمر بن عبيد الله بفارس فقد تنحى عمر و إن نحيت المهلب لم تأمن على البصرة فأبى إلا عزله فقدم المهلب البصرة و خرج خالد إلى الأهواز فاستصحبه فلما صار بكربج دينار لقيه قطري فمنعه حط أثقاله و حاربه ثلاثين يوما . ثم أقام قطري بإزائه و خندق على نفسه فقال المهلب لخالد إن قطريا ليس

[ 172 ]

بأحق بالخندق منك فعبر دجيلا إلى شق نهر تيرى و اتبعه قطري فصار إلى مدينة نهر تيرى فبنى سورها و خندق عليها فقال المهلب لخالد خندق على نفسك فإني لا آمن البيات فقال يا أبا سعيد الأمر أعجل من ذاك فقال المهلب لبعض ولده إني أرى أمرا ضائعا ثم قال لزياد بن عمرو خندق علينا فخندق المهلب على نفسه و أمر بسفنه ففرغت و أبى خالد أن يفرغ سفنه فقال المهلب لفيروز حصين صر معنا فقال يا أبا سعيد إن الحزم ما تقول غير إني أكره أن أفارق أصحابي قال فكن بقربنا قال أما هذه فنعم . و قد كان عبد الملك كتب إلى بشر بن مروان يأمره أن يمد خالدا بجيش كثيف أميره عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ففعل فقدم عليه عبد الرحمن فأقام قطري يغاديهم القتال و يراوحهم أربعين يوما فقال المهلب لمولى أبي عيينة سر إلى ذلك الناوس فبت عليه كل ليلة فمتى أحسست خبرا للخوارج أو حركة أو صهيل خيل فأعجل إلينا . فجاءه ليلة فقال قد تحرك القوم فجلس المهلب بباب الخندق و أعد قطري سفنا فيها حطب و أشعلها نارا و أرسلها على سفن خالد و خرج في أدبارها حتى خالطهم لا يمر برجل إلا قتله و لا بدابة إلا عقرها و لا بفسطاط إلا هتكه فأمر المهلب يزيد ابنه فخرج في مائة فارس فقاتل و أبلي عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث يومئذ بلاء حسنا و خرج فيروز حصين في مواليه فلم يزل يرميهم بالنشاب هو و من معه فأثر أثرا جميلا و صرع يزيد بن المهلب يومئذ و صرع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فحامى عنهما أصحابهما حتى ركبا و سقط فيروز حصين في

[ 173 ]

الخندق فأخذ بيده رجل من الأزد فاستنقذه فوهب له فيروز عشرة آلاف و أصبح عسكر خالد كأنه حرة سوداء فجعل لا يرى إلا قتيلا أو جريحا فقال للمهلب يا أبا سعيد كدنا نفتضح فقال خندق على نفسك فإن لم تفعل عادوا إليك فقال اكفني أمر الخندق فجمع له الأحماس فلم يبق شريف إلا عمل فيه فصاح بهم الخوارج و الله لو لا هذا الساحر المزوني لكان الله قد دمر عليكم و كانت الخوارج تسمى المهلب الساحر لأنهم كانوا يدبرون الأمر فيجدون المهلب قد سبق إلى نقض تدبيرهم . و قال أعشى همدان لابن الأشعث يذكره بلاء القحطانية عنده في كلمة طويلة

و يوم أهوازك لا تنسه
ليس الثنا و الذكر بالبائد

ثم مضى قطري إلى كرمان و انصرف خالد إلى البصرة و أقام قطري بكرمان شهرا ثم عمد لفارس فخرج خالد إلى الأهواز و ندب الناس للرحيل فجعلوا يطلبون المهلب فقال خالد ذهب المهلب بحظ هذا المصر إني قد وليت أخي قتال الأزارقة . فولى أخاه عبد العزيز و استخلف المهلب على الأهواز في ثلاثمائة و مضى عبد العزيز و الخوارج بدرابجرد و هو في ثلاثين ألفا فجعل عبد العزيز يقول في طريقه يزعم أهل البصرة أن هذا الأمر لا يتم إلا بالمهلب سيعلمون . قال صقعب بن يزيد فلما خرج عبد العزيز عن الأهواز جاءني كردوس

[ 174 ]

حاجب المهلب فدعاني فجئت إلى المهلب و هو في سطح و عليه ثياب هروية فقال يا صقعب أنا ضائع كأني أنظر إلى هزيمة عبد العزيز و أخشى أن توافيني الأزارقة و لا جند معي فابعث رجلا من قبلك يأتيني بخبرهم سابقا إلي به فوجهت رجلا من قبلي يقال له عمران بن فلان و قلت له اصحب عسكر عبد العزيز و اكتب إلي بخبر يوم فيوم فجعلت أورده على المهلب فلما قاربهم عبد العزيز وقف وقفة فقال له الناس هذا منزل فينبغي أن تنزل فيه أيها الأمير حتى نطمئن ثم نأخذ أهبتنا فقال كلا الأمر قريب فنزل الناس عن غير أمره فلم يستتم النزول حتى ورد عليه سعد الطلائع في خمسمائة فارس كأنهم خيط ممدود فناهضهم عبد العزيز فواقفوه ساعة ثم انهزموا عنه مكيدة و اتبعهم فقال له الناس لا تتبعهم فإنا على غير تعبية فأبى فلم يزل في آثارهم حتى اقتحموا عقبة فاقتحمها وراءهم و الناس ينهونه و يأبى و كان قد جعل على بني تميم عبس بن طلق الصريمي الملقب عبس الطعان و على بكر بن وائل مقاتل بن مسمع و على شرطته رجلا من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار فنزلوا عن العقبة و نزل خلفهم و كان لهم في بطن العقبة كمين فلما صاروا من ورائها خرج عليهم الكمين و عطف سعد الطلائع فترجل عبس بن طلق فقتل و قتل مقاتل بن مسمع و قتل الضبيعي صاحب شرطة عبد العزيز و انحاز عبد العزيز و اتبعهم الخوارج فرسخين يقتلونهم كيف شاءوا و كان عبد العزيز قد أخرج معه أم حفص بنت المنذر بن الجارود امرأته فسبوا النساء يومئذ و أخذوا أسارى لا تحصى فقذفوهم في غار بعد أن شدوهم وثاقا ثم سدوا عليهم بابه حتى ماتوا فيه . و قال بعض من حضر ذلك اليوم رأيت عبد العزيز و إن ثلاثين رجلا ليضربونه

[ 175 ]

بسيوفهم فما تحيك في جنبه و نودي على السبي يومئذ فغولي بأم حفص فبلغ بها رجل سبعين ألفا و كان ذلك الرجل من مجوس كانوا أسلموا و لحقوا بالخوارج ففرضوا لكل رجل منهم خمسمائة فكاد ذلك الرجل يأخذ أم حفص فشق ذلك على قطري و قال ما ينبغي لرجل مسلم أن يكون عنده سبعون ألفا إن هذه لفتنة فوثب عليها أبو الحديد العبدي فقتلها فأتي به قطري فقال مهيم يا أبا الحديد فقال يا أمير المؤمنين رأيت المؤمنين تزايدوا في هذه المشركة فخشيت عليهم الفتنة فقال قطري أحسنت فقال رجل من الخوارج

كفانا فتنة عظمت و جلت
بحمد الله سيف أبي الحديد
إهاب المسلمون بها و قالوا
على فرط الهوى هل من مزيد
فزاد أبو الحديد بنصل سيف
رقيق الحد فعل فتى رشيد

و كان العلاء بن مطرف السعدي ابن عم عمرو القنا و كان يحب أن يلقاه في صدر مبارزة فلحقه عمرو القنا يومئذ و هو منهزم فضحك منه و قال متمثلا

تمناني ليلقاني لقيط
أعام لك ابن صعصعة بن سعد

ثم صاح به أنج يا أبا المصدي و كان العلاء بن مطرف قد حمل معه امرأتين

[ 176 ]

إحداهما من بني ضبة يقال لها أم جميل و الأخرى بنت عمه يقال لها فلانة بنت عقيل فطلق الضبية و حملها أولا و تخلص بابنة عمه فقال في ذلك

أ لست كريما إذ أقول لفتيتي
قفوا فاحملوها قبل بنت عقيل
و لو لم يكن عودي نضارا لأصبحت
تجر على المتنين أم جميل

قال الصقعب بن يزيد و بعثني المهلب لآتيه بالخبر فصرت إلى قنطرة أربك على فرس اشتريته بثلاثة آلاف درهم فلم أحس خبرا فسرت مهجرا إلى أن أمسيت فلما أمسينا و أظلمنا سمعت كلام رجل عرفته من الجهاضم فقلت ما وراءك قال الشر قلت فأين عبد العزيز قال أمامك فلما كان آخر الليل إذا أنا بزهاء خمسين فارسا معهم لواء فقلت لواء من هذا قالوا لواء عبد العزيز فتقدمت إليه فسلمت عليه و قلت أصلح الله الأمير لا يكبرن عليك ما كان فإنك كنت في شر جند و أخبثه قال لي أ و كنت معنا قلت لا و لكن كأني شاهد أمرك ثم أقبلت إلى المهلب و تركته فقال لي ما وراءك قلت ما يسرك هزم الرجل و فل جيشه فقال ويحك و ما يسرني من هزيمة رجل من قريش و فل جيش من المسلمين قلت قد كان ذلك ساءك أو سرك فوجه رجلا إلى خالد يخبره بسلامة أخيه قال الرجل فلما خبرت خالدا قال كذبت و لؤمت و دخل رجل من قريش فكذبني فقال لي خالد و الله لقد هممت أن أضرب عنقك فقلت أصلح الله الأمير إن كنت كاذبا فاقتلني و إن كنت صادقا فأعطني مطرف هذا المتكلم فقال خالد لبئس ما أخطرت به دمك فما برحت حتى دخل عليه بعض الفل و قدم عبد العزيز سوق الأهواز فأكرمه المهلب و كساه و قدم معه على خالد و استخلف المهلب ابنه حبيبا و قال له

[ 177 ]

تجسس الأخبار فإن أحسست بخيل الأزارقة قريبا منك فانصرف إلى البصرة على نهر تيرى فلما أحس حبيب بهم دخل البصرة و أعلم خالدا بدخوله فغضب و خاف حبيب منه فاستتر في بني عامر بن صعصعة و تزوج هناك في استتاره الهلالية و هي أم ابنه عباد بن حبيب و قال الشاعر لخالد يفيل رأيه

بعثت غلاما من قريش فروقة
و تترك ذا الرأي الأصيل المهلبا
أبى الذم و اختار الوفاء و أحكمت
قواه و قد ساس الأمور و جربا

و قال الحارث بن خالد المخزومي

فر عبد العزيز إذ راء عيسى
و ابن داود نازلا قطريا
عاهد الله إن نجا ملمنايا
ليعودن بعدها حرميا
يسكن الخل و الصفاح فغورينا
مرارا و مرة نجديا
حيث لا يشهد القتال و لا
يسمع يوما لكر خيل دويا

و كتب خالد إلى عبد الملك بعذر عبد العزيز و قال للمهلب ما ترى أمير المؤمنين صانعا بي قال يعزلك قال أ تراه قاطعا رحمي قال نعم قد أتته هزيمة أمية أخيك ففعل يعني هرب أمية من سجستان فكتب عبد الملك إلى خالد

[ 178 ]

أما بعد فإني كنت حددت لك حدا في أمر المهلب فلما ملكت أمرك نبذت طاعتي وراءك و استبددت برأيك فوليت المهلب الجباية و وليت أخاك حرب الأزارقة فقبح الله هذا رأيا أ تبعث غلاما غرا لم يجرب الأمور و الحروب للحرب و تترك سيدا شجاعا مدبرا حازما قد مارس الحروب ففلج فشغلته بالجباية أما لو كافأتك على قدر ذنبك لأتاك من نكيري ما لا بقية لك معه و لكن تذكرت رحمك فكفتني عنك و قد جعلت عقوبتك عزلك و السلام قال و ولى بشر بن مروان الإمارة و هو بالكوفة و كتب إليه أما بعد فإنك أخو أمير المؤمنين يجمعك و إياه مروان بن الحكم و إن خالدا لا مجتمع له مع أمير المؤمنين دون أمية فانظر المهلب بي أبي صفرة فوله حرب الأزارقة فإنه سيد بطل مجرب و امدده من أهل الكوفة بثمانية آلاف رجل و السلام فشق على بشر ما أمره به في المهلب و قال و الله لأقتلنه فقال له موسى بن نصير أيها الأمير إن للمهلب حفاظا و وفاء و بلاء . و خرج بشر بن مروان يريد البصرة فكتب موسى بن نصير و عكرمة بن ربعي إلى المهلب أن يتلقاه لقاء لا يعرفه به فتلقاه المهلب على بغل و سلم عليه في غمار الناس فلما جلس بشر مجلسه قال ما فعل أميركم المهلب قالوا قد تلقاك أيها الأمير و هو شاك فهم بشر أن يولي حرب الأزارقة عمر بن عبيد الله بن معمر و شد عزمه أسماء

[ 179 ]

بن خارجة و قال له إنما ولاك أمير المؤمنين لترى رأيك فقال له عكرمة بن ربعي اكتب إلى أمير المؤمنين فأعلمه علة المهلب فكتب إليه بذلك و أن بالبصرة من يغني غناءه و وجه بالكتاب مع وفد أوفدهم إليه رئيسهم عبد الله بن حكيم المجاشعي فلما قرأ عبد الملك الكتاب خلا بعبد الله فقال له إن لك دينا و رأيا و حزما فمن لقتال هؤلاء الأزارقة قال المهلب قال إنه عليل قال ليست علته بمانعة فقال عبد الملك لقد أراد بشر أن يفعل ما فعل خالد فكتب إليه يعزم عليه أن يولي المهلب الحرب فوجه إليه فقال أنا عليل و لا يمكنني الاختلاف فأمر بشر بحمل الدواوين إليه فجعل ينتخب فعزم عليه بشر بالخروج فاقتطع أكثر نخبته ثم عزم عليه ألا يقيم بعد ثالثة و قد أخذت الخوارج الأهواز و خلفوها وراء ظهورهم و صاروا بالفرات فخرج المهلب حتى صار إلى شهار طاق فأتاه شيخ من بني تميم فقال أصلح الله الأمير إن سني ما ترى فهبني لعيالي فقال على أن تقول للأمير إذا خطب فحثكم على الجهاد كيف تحثنا على الجهاد و أنت تحبس عنه أشرافنا و أهل النجدة منا ففعل الشيخ ذلك فقال له بشر و ما أنت و ذاك ثم أعطى المهلب رجلا ألف درهم على أن يأتي بشرا فيقول له أيها الأمير أعن المهلب بالشرطة و المقاتلة ففعل الرجل ذلك فقال له بشر و ما أنت و ذاك فقال نصيحة حضرتني للأمير و المسلمين و لا أعود إلى مثلها فأمده بشر بالشرطة و المقاتلة و كتب إلى خليفته على الكوفة أن يعقد لعبد الرحمن بن مخنف على ثمانية آلاف من كل ربع ألفين و يوجه بهم مددا للمهلب

[ 180 ]

فلما أتاه الكتاب بعث إلى عبد الرحمن بن مخنف الأزدي يعقد له و اختار من كل ربع ألفين فكان على ربع أهل المدينة بشر بن جرير بن عبد الله البجلي و على ربع تميم و همدان محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني و على ربع كندة محمد بن إسحاق بن الأشعث بن قيس الكندي و على ربع مذحج و أسد زحر بن قيس المذحجي فقدموا على بشر بن مروان فخلا بعبد الرحمن بن مخنف و قال له قد عرفت رأيي فيك و ثقتي بك فكن عند ظني بك و انظر إلى هذا المزوني فخالفه في أمره و أفسد عليه رأيه . فخرج عبد الرحمن و هو يقول ما أعجب ما طلب مني هذا الغلام يأمرني أن أصغر شأن شيخ من مشايخ أهلي و سيد من ساداتهم فلحق بالمهلب . فلما أحس الأزارقة بدنو المهلب منهم انكشفوا عن الفرات فأتبعهم المهلب إلى سوق الأهواز فنفاهم عنها ثم اتبعهم إلى رامهرمز فهزمهم عنها فدخلوا فارس و أبلى يزيد ابنه في وقائعه هذه بلاء شديدا تقدم فيه و هو ابن إحدى و عشرين سنة . فلما صار القوم إلى فارس وجه إليهم ابنه المغيرة فقال له عبد الرحمن بن صالح أيها الأمير إنه ليس لك برأي قتل هذه الأكلب و لئن و الله قتلتهم لتقعدن في بيتك و لكن طاولهم و كل بهم فقال ليس هذا من الوفاء فلم يلبث برامهرمز إلا شهرا حتى أتاه موت بشر بن مروان . فاضطرب الجند على ابن مخنف فوجه إلى إسحاق بن الأشعث و ابن زحر فاستحلفهما ألا يبرحا فحلفا له و لم يفيا و جعل الجند من أهل الكوفة يتسللون حتى اجتمعوا

[ 181 ]

بسوق الأهواز و أراد أهل البصرة الانسلال من المهلب فخطبهم فقال إنكم لستم كأهل الكوفة إنما تذبون عن مصركم و أموالكم و حرمكم . فأقام منهم قوم و تسلل منهم قوم كثير . و كان خالد بن عبد الله خليفة بشر بن مروان فوجه مولى له بكتاب منه إلى من بالأهواز يحلف بالله مجتهدا لئن لم يرجعوا إلى مراكزهم و انصرفوا عصاة لا يظفر بأحد إلا قتله فجاءهم مولاه فجعل يقرأ عليهم الكتاب و لا يرى في وجوههم قبولا فقال إني أرى وجوها ما القبول من شأنها فقال له ابن زحر أيها العبد اقرأ ما في الكتاب و انصرف إلى صاحبك فإنك لا تدري ما في أنفسنا و جعلوا يستحثونه بقراءته ثم قصدوا قصد الكوفة فنزلوا النخيلة و كتبوا إلى خليفة بشر يسألونه أن يأذن لهم في دخول الكوفة فأبى فدخلوها بغير إذن . فلم يزل المهلب و من معه من قواده و ابن مخنف في عدد قليل فلم يلبثوا أن ولي الحجاج العراق . فدخل الكوفة قبل البصرة و ذلك في سنة خمس و سبعين فخطبهم الخطبة المشهورة و تهددهم ثم نزل فقال لوجوه أهلها ما كانت الولاة تفعل بالعصاة قالوا كانت تضرب و تحبس فقال و لكن ليس لهم عندي إلا السيف إن المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون و لو ساغت المعصية لأهلها ما قوتل عدو و لا جبي في‏ء و لا عز دين . ثم جلس لتوجيه الناس فقال قد أجلتكم ثلاثا و أقسم بالله لا يتخلف أحد من

[ 182 ]

أصحاب ابن مخنف بعدها إلا قتلته ثم قال لصاحب حرسه و لصاحب شرطته إذا مضت ثلاثة أيام فاشحذا سيوفكما فجاءه عمير بن ضابئ البرجمي بابنه فقال أصلح الله الأمير إن هذا أنفع لكم مني و هو أشد بني تميم أبدانا و أجمعهم سلاحا و أربطهم جأشا و أنا شيخ كبير عليل و استشهد جلساءه فقال له الحجاج إن عذرك لواضح و إن ضعفك لبين و لكني أكره أن يجترئ بك الناس علي و بعد فأنت ابن ضابئ صاحب عثمان و أمر به فقتل فاحتمل الناس و إن أحدهم ليتبع بزاده و سلاحه ففي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي

أقول لعبد الله يوم لقيته
أرى الأمر أمسى منصبا متشعبا

[ 183 ]

تجهز فإما أن تزور ابن ضابئ
عميرا و إما أن تزور المهلبا
هما خطتا خسف نجاؤك منهما
ركوبك حوليا من الثلج أشهبا
فما إن أرى الحجاج يغمد سيفه
مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا
فأضحى و لو كانت خراسان دونه
رآها مكان السوق أو هي أقربا

و هرب سوار بن المضرب السعدي من الحجاج و قال

أ قاتلي الحجاج إن لم أزر له
دراب و أترك عند هند فؤاديا

في قصيدة مشهورة له . فخرج الناس عن الكوفة و أتى الحجاج البصرة فكان أشد عليهم إلحاحا و قد كان أتاهم خبره بالكوفة فتحمل الناس قبل قدومه و أتاه رجل من بني يشكر و كان شيخا أعور يجعل على عينه العوراء صوفة فكان يلقب ذا الكرسفة فقال

[ 184 ]

أصلح الله الأمير إن بي فتقا و قد عذرني بشر بن مروان و قد رددت العطاء فقال إنك عندي لصادق ثم أمر به فضربت عنقه ففي ذلك يقول كعب الأشقري أو الفرزدق

لقد ضرب الحجاج بالمصر ضربة
تقرقر منها بطن كل عريف

و يروى عن أبي البئر قال إنا لنتغدى معه يوما إذ جاءه رجل من بني سليم برجل يقوده فقال أصلح الله الأمير إن هذا عاص فقال له الرجل أنشدك الله أيها الأمير في دمي فو الله ما قبضت ديوانا قط و لا شهدت عسكرا قط و إني لحائك أخذت من تحت الحف فقال اضربوا عنقه فلما أحس بالسيف سجد فلحقه السيف و هو ساجد فأمسكنا عن الأكل فأقبل علينا و قال ما لي أراكم قد صفرت أيديكم و اصفرت وجوهكم و حد نظركم من قتل رجل واحد ألا إن العاصي يجمع خلالا يخل بمركزه و يعصي أميره و يغر المسلمين و هو أجير لهم و إنما يأخذ الأجرة لما يعمل و الوالي مخير فيه إن شاء قتل و إن شاء عفا . ثم كتب إلى المهلب أما بعد فإن بشرا استكره نفسه عليك و أراك غناه عنك و أنا أريك حاجتي إليك فأرني الجد في قتال عدوك و من خفته على المعصية ممن قبلك فاقتله

[ 185 ]

فإني قاتل من قبلي و من كان عندي ممن هرب عنك فأعلمني مكانه فإني أرى أن آخذ السمي بالسمي و الولي بالولي . فكتب إليه المهلب ليس قبلي إلا مطيع و إن الناس إذا خافوا العقوبة كبروا الذنب و إذا أمنوا العقوبة صغروا الذنب و إذا يئسوا من العفو أكفرهم ذلك فهب لي هؤلاء الذين سميتهم عصاة فإنهم فرسان أبطال أرجو أن يقتل الله بهم العدو و نادم على ذنبه . فلما رأى المهلب كثرة الناس عنده قال اليوم قوتل هذا العدو . و لما رأى ذلك قطري قال لأصحابه انهضوا بنا نريد السردن فنتحصن فيها فقال عبيدة بن هلال أو تأتي سابور فتأخذ منها ما نريد و تصير إلى كرمان فأتوا سابور و خرج المهلب في آثارهم فأتى أرجان و خاف أن يكونوا قد تحصنوا بالسردن و ليست بمدينة و لكنها جبال محدقة منيعة فلم يصب بها أحدا فخرج فعسكر بكازرون و استعدوا لقتاله فخندق على نفسه و وجه إلى عبد الرحمن

[ 186 ]

بن مخنف خندق على نفسك فوجه إليه خنادقنا سيوفنا فوجه المهلب إليه إني لا آمن عليك البيات فقال ابنه جعفر ذاك أهون علينا من ضرطة جمل فأقبل المهلب على ابنه المغيرة فقال لم يصيبوا الرأي و لم يأخذوا بالوثيقة . فلما أصبح القوم عاودوه الحرب فبعث إلى ابن مخنف يستمده فأمده بجماعة جعل عليهم ابنه جعفرا فجاءوا و عليهم أقبية بيض جدد فأبلوا يومئذ حتى عرف مكانهم المهلب و أبلى بنوه يومئذ كبلاء الكوفيين أو أشد . ثم أتى رئيس من الخوارج يقال له صالح بن مخراق و هو ينتخب قوما من جلة العسكر حتى بلغ أربعمائة فقال لابنه المغيرة ما أراه يعد هؤلاء إلا للبيات . و انكشفت الخوارج و الأمر للمهلب عليهم و قد كثر فيهم الجراح و القتل و قد كان الحجاج يتفقد العصاة و يوجه الرجال و كان يحبسهم نهارا و يفتح الحبس ليلا فيتسلل الرجال إلى ناحية المهلب و كان الحجاج لا يعلم فإذا رأى إسراعهم تمثل

إن لها لسائقا عشنزرا
إذا وثبن وثبة تغشمرا

ثم كتب الحجاج إلى المهلب يستحثه أما بعد فإنه قد بلغني أنك قد أقبلت على جباية الخراج و تركت قتال العدو و إني وليتك و أنا أرى مكان عبد الله بن حكيم المجاشعي و عباد بن الحصين الحبطي و اخترتك و أنت من أهل عمان ثم رجل من الأزد فالقهم يوم كذا في مكان كذا و إلا أشرعت إليك صدر الرمح .

[ 187 ]

فشاور المهلب بنيه فقالوا أيها الأمير لا تغلظ عليه في الجواب . فكتب إليه ورد إلي كتابك تزعم أني أقبلت على جباية الخراج و تركت قتال العدو و من عجز عن جباية الخراج فهو عن قتال العدو أعجز و زعمت أنك وليتني و أنت ترى مكان عبد الله بن حكيم و عباد بن الحصين و لو وليتهما لكانا مستحقين لذلك لفضلهما و غنائهما و بطشهما و زعمت أنك اخترتني و أنا رجل من الأزد و لعمري إن شرا من الأزد لقبيلة تنازعتها ثلاث قبائل لم تستقر في واحدة منهن و زعمت أني إن لم ألقهم يوم كذا في مكان كذا أشرعت إلى صدر الرمح لو فعلت لقلبت لك ظهر المجن و السلام . قال ثم كانت الوقعة بينه و بين الخوارج عقيب هذا الكتاب . فلما انصرف الخوارج تلك الليلة قال لابنه المغيرة إني أخاف البيات على بني تميم فانهض إليهم فكن فيهم فأتاهم المغيرة فقال له الحريش بن هلال يا أبا حاتم أ يخاف الأمير أن يؤتى من ناحيتنا قل له فليبت آمنا فإنا كافوه ما قبلنا إن شاء الله . فلما انتصف الليل و قد رجع المغيرة إلى أبيه سرى صالح بن مخراق في القوم الذين كان أعدهم للبيات إلى ناحية بني تميم و معه عبيدة بن هلال و هو يقول

إني لمذك للشراة نارها
و مانع ممن أتاها دارها
و غاسل بالسيف عنها عارها

[ 188 ]

فوجد بني تميم أيقاظا متحارسين و خرج إليهم الحريش بن هلال و هو يقول

وجدتمونا وقرا أنجادا
لا كشفا ميلا و لا أوغادا

ثم حمل على الخوارج فرجعوا عنه فاتبعهم ثم صاح بهم إلى أين يا كلاب النار فقالوا إنما أعدت لك و لأصحابك فقال الحريش كل مملوك لي حر إن لم تدخلوا النار ما دخلها مجوسي فيما بين سفوان و خراسان . ثم قال بعضهم لبعض نأتي عسكر ابن مخنف فإنه لا خندق عليه و قد بعث فرسانهم اليوم مع المهلب و قد زعموا أنا أهون عليهم من ضرطة جمل فأتوهم فلم يشعر ابن مخنف و أصحابه إلا و قد خالطوهم في عسكرهم . و كان ابن مخنف شريفا و فيه يقول رجل من بني عامر لرجل يعاتبه و يضرب بابن مخنف المثل

تروح و تغدو كل يوم معظما
كأنك فينا مخنف و ابن مخنف

فترجل عبد الرحمن تلك الليلة يجالدهم حتى قتل و قتل معه سبعون رجلا من القراء فيهم نفر من أصحاب علي بن أبي طالب و نفر من أصحاب ابن مسعود و بلغ الخبر المهلب و جعفر بن عبد الرحمن بن مخنف عند المهلب فجاءهم مغيثا فقاتل حتى ارتث و وجه المهلب إليهم ابنه حبيبا فكشفهم ثم جاء المهلب حتى صلى على عبد الرحمن بن مخنف و أصحابه و صار جنده في جند المهلب فضمهم إلى ابنه حبيب فعيرهم البصريون و سموا جعفرا خضفة الجمل .

[ 189 ]

و قال رجل منهم لجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف

تركت أصحابكم تدمى نحورهم
و جئت تسعى إلينا خضفة الجمل

فلام المهلب أهل البصرة و قال بئسما قلتم و الله ما فروا و لا جبنوا و لكنهم خالفوا أميرهم أ فلا تذكرون فراركم بدولاب عني و فراركم بدارس عن عثمان . و وجه الحجاج البراء بن قبيصة إلى المهلب يستحثه في مناجزة القوم و كتب إليه إنك تحب بقاءهم لتأكل بهم فقال المهلب لأصحابه حركوهم فخرج فرسان من أصحابه فخرج إليهم من الخوارج جمع كثير فاقتتلوا إلى الليل فقال لهم الخوارج ويلكم أ ما تملون فقالوا لا حتى تملوا فقالوا فمن أنتم قالوا تميم فقالت الخوارج و نحن تميم أيضا فلما أمسوا افترقوا فلما كان الغد خرج عشرة من أصحاب المهلب و خرج إليهم من الخوارج عشرة و احتفر كل واحد منهم حفيرة و أثبت قدميه فيها كلما قتل رجل جاء رجل من أصحابه فاجتره و قام مكانه حتى أعتموا فقال لهم الخوارج ارجعوا فقالوا بل ارجعوا أنتم قالوا لهم ويلكم من أنتم قالوا تميم قالوا و نحن

[ 190 ]

تميم أيضا فرجع البراء بن قبيصة إلى الحجاج فقال له مهيم قال رأيت أيها الأمير قوما لا يعين عليهم إلا الله . و كتب المهلب جواب الحجاج إني منتظر بهم إحدى ثلاث موتا ذريعا أو جوعا مضرا أو اختلافا من أهوائهم . و كان المهلب لا يتكل في الحراسة على أحد كان يتولى ذلك بنفسه و يستعين عليه بولده و بمن يحل محلهم في الثقة عنده . قال أبو حرملة العبدي يهجو المهلب و كان في عسكره

عدمتك يا مهلب من أمير
أ ما تندى يمينك للفقير
بدولاب أضعت دماء قومي
و طرت على مواشكة درور

فقال له المهلب ويحك و الله إني لاقيكم بنفسي و ولدي قال جعلني الله فداء الأمير فذاك الذي نكره منك ما كلنا يحب الموت قال ويحك و هل عنه من محيص قال لا و لكنا نكره التعجيل و أنت تقدم عليه إقداما قال المهلب ويلك أ ما سمعت قول الكلحبة اليربوعي

فقلت لكأس ألجميها فإنما
نزلنا الكثيب من زرود لنفزعا

[ 191 ]

فقال بلى قد سمعت و لكن قولي أحب إلي منه

و لما وقفتم غدوة و عدوكم
إلى مهجتي وليت أعداءكم ظهري
و طرت و لم أحفل ملامة جاهل
يساقي المنايا بالردينية السمر

فقال المهلب بئس حشو الكتيبة أنت و الله يا أبا حرملة إن شئت أذنت لك فانصرفت إلى أهلك قال بل أقيم معك أيها الأمير فوهب له المهلب و أعطاه فقال يمدحه

يرى حتما عليه أبو سعيد
جلاد القوم في أولى النفير
إذا نادى الشراة أبا سعيد
مشى في رفل محكمة القتير

قال و كان المهلب يقول ما يسرني أن في عسكري ألف شجاع مكان بيهس بن صهيب فيقال له أيها الأمير بيهس ليس بشجاع فيقول أجل و لكنه سديد الرأي محكم العقل و ذو الرأي حذر سئول فأنا آمن أن يغتفل و لو كان مكانه ألف شجاع لخلت أنهم ينشامون حيث يحتاج إليهم . قال و مطرت السماء مطرا شديدا و هم بسابور و بين المهلب و بين الشراة عقبة فقال المهلب من يكفينا أمر هذه العقبة الليلة فلم يقم أحد فلبس المهلب سلاحه و قام إلى العقبة و اتبعه ابنه المغيرة فقال رجل من أصحابه دعانا الأمير إلى ضبط العقبة و الحظ

[ 192 ]

في ذلك لنا فلم نطعه و لبس سلاحه و اتبعه جماعة من العسكر فصاروا إليه فإذا المهلب و المغيرة و لا ثالث لهما فقالوا انصرف أيها الأمير فنحن نكفيك إن شاء الله فلما أصبحوا إذا هم بالشراة على العقبة فخرج إليهم غلام من أهل عمان على فرس فجعل يحمل و فرسه تزلق و يلقاه مدرك في جماعة معه حتى ردوهم عن العقبة فلما كان يوم النحر و المهلب على المنبر يخطب الناس إذ الشراة قد أكبوا فقال المهلب سبحان الله أ في مثل هذا اليوم يا مغيرة اكفنيهم فخرج إليهم المغيرة و أمامه سعد بن نجد القردوسي و كان سعد مقدما في شجاعته و كان الحجاج إذا ظن برجل أن نفسه قد أعجبته قال له لو كنت سعد بن نجد القردوسي ما عدا فخرج أمام المغيرة و مع المغيرة جماعة من فرسان المهلب فالتقوا و أمام الخوارج غلام جامع السلاح مديد القامة كريه الوجه شديد الحملة صحيح الفروسية فأقبل يحمل على الناس و يرتجز فيقول

نحن صبحناكم غداة النحر
بالخيل أمثال الوشيج تجري

فخرج إليه سعد بن نجد القردوسي من الأزد فتجاولا ساعة ثم طعنه سعد فقتله و التقى الناس فصرع المغيرة يومئذ فحامى عليه سعد بن نجد و دينار السجستاني و جماعة من الفرسان حتى ركب و انكشف الناس عند سقطة المغيرة حتى صاروا إلى المهلب فقالوا قتل المغيرة فأتاه دينار السجستاني فأخبره بسلامته فأعتق كل مملوك كان بحضرته .

[ 193 ]

قال و وجه الحجاج الجراح بن عبد الله إلى المهلب يستبطئه في مناجزة القوم و كتب إليه أما بعد فإنك جبيت الخراج بالعلل و تحصنت بالخنادق و طاولت القوم و أنت أعز ناصرا و أكثر عددا و ما أظن بك مع هذا معصية و لا جبنا و لكنك اتخذتهم أكلا و كان بقاؤهم أيسر عليك من قتالهم فناجزهم و إلا أنكرتني و السلام . فقال المهلب للجراح يا أبا عقبة و الله ما تركت حيلة إلا احتلتها و لا مكيدة إلا أعملتها و ما العجب من إبطاء النصرة و تراخي الظفر و لكن العجب أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره . ثم ناهضهم ثلاثة أيام يغاديهم القتال فلا يزالون كذلك إلى العصر و ينصرف أصحابه و بهم قرح و بالخوارج قرح و قتل فقال له الجراح قد أعذرت . فكتب المهلب إلى الحجاج أتاني كتابك تستبطئني في لقاء القوم على أنك لا تظن بي معصية و لا جبنا و قد عاتبتني معاتبة الجبان و أوعدتني وعيد العاصي فسل الجراح و السلام . فقال الحجاج للجراح كيف رأيت أخاك قال و الله أيها الأمير ما رأيت مثله قط و لا ظننت أن أحدا يبقى على مثل ما هو عليه و لقد شهدت أصحابه أياما ثلاثة يغدون إلى الحرب ثم ينصرفون عنها و هم يتطاعنون بالرماح و يتجالدون بالسيوف

[ 194 ]

و يتخابطون بالعمد ثم يروحون كأن لم يصنعوا شيئا رواح قوم تلك عادتهم و تجارتهم . فقال الحجاج لشد ما مدحته أبا عقبة فقال الحق أولى . و كانت ركب الناس قديما من الخشب فكان الرجل يضرب ركابه فينقطع فإذا أراد الضرب أو الطعن لم يكن له معتمد فأمر المهلب بضرب الركب من الحديد فهو أول من أمر بطبعها و في ذلك يقول عمران بن عصام العنزي

ضربوا الدراهم في إمارتهم
و ضربت للحدثان و الحرب
حلقا ترى منها مرافقهم
كمناكب الجمالة الجرب

قال و كتب الحجاج إلى عتاب بن ورقاء الرياحي من بني رياح بن يربوع و هو والي أصفهان يأمره بالمسير إلى المهلب و أن يضم إليه جند عبد الرحمن بن مخنف فكل بلد يدخلانه من فتوح أهل البصرة فالمهلب أمير الجماعة فيه و أنت على أهل الكوفة فإذا دخلتم بلدا فتحه أهل الكوفة فأنت أمير الجماعة و المهلب على أهل البصرة . فقدم عتاب في إحدى جماديين من سنة ست و سبعين على المهلب و هو بسابور و هي من فتوح أهل البصرة فكان المهلب أمير الناس و عتاب على أصحاب ابن مخنف و الخوارج بأيديهم كرمان و هم بإزاء المهلب بفارس يحاربونه من جميع النواحي .

[ 195 ]

قال و وجه الحجاج إلى المهلب رجلين يستحثانه لمناجزة القوم أحدهما يقال له زياد بن عبد الرحمن من بني عامر بن صعصعة و الآخر من آل أبي عقيل من رهط الحجاج فضم المهلب زيادا إلى ابنه حبيب و ضم الثقفي إلى ابنه يزيد و قال لهما خذا يزيد و حبيبا بالمناجزة و غادوا الخوارج فاقتتلوا أشد قتال فقتل زياد بن عبد الرحمن العامري و فقد الثقفي ثم باكروهم في اليوم الثاني و قد وجد الثقفي فدعا به المهلب و دعا بالغداء فجعل النبل يقع قريبا منهم و يتجاوزهم و الثقفي يعجب من أمر المهلب فقال الصلتان العبدي

ألا يا أصبحاني قبل عوق العوائق
و قبل اختراط القوم مثل العقائق
غداة حبيب في الحديد يقودنا
يخوض المنايا في ظلال الخوافق
حرون إذا ما الحرب طار شرارها
و هاج عجاج النقع فوق المفارق
فمن مبلغ الحجاج أن أمينه
زيادا أطاحته رماح الأزارق

فلم يزل عتاب بن ورقاء مع المهلب ثمانية أشهر حتى ظهر شبيب بن يزيد فكتب الحجاج إلى عتاب يأمره بالمصير إليه ليوجهه إلى شبيب و كتب إلى المهلب يأمره أن يرزق الجند فرزق أهل البصرة و أبى أن يرزق أهل الكوفة فقال له عتاب ما أنا ببارح حتى ترزق أهل الكوفة فأبى فجرت بينهما غلظة فقال له عتاب قد كان يبلغني أنك شجاع فرأيتك جبانا و كان يبلغني أنك جواد فرأيتك بخيلا فقال له المهلب يا ابن اللخناء فقال له عتاب لكنك معم مخول .

[ 196 ]

فغضبت بكر بن وائل للمهلب للحلف و وثب نعيم بن هبيرة ابن أخي مصقلة بن هبيرة على عتاب فشتمه و قد كان المهلب كارها للحلف فلما رأى نصرة بكر بن وائل له سره و اغتبط به فلم يزل يؤكده و غضبت تميم البصرة لعتاب و غضبت أزد الكوفة للمهلب فلما رأى ذلك المغيرة مشى بين أبيه و بين عتاب و قال لعتاب يا أبا ورقاء إن الأمير يصير إلى كل ما تحب و سأل أباه أن يرزق أهل الكوفة ففعل فصلح الأمر فكانت تميم قاطبة و عتاب بن ورقاء يحمدون المغيرة بن المهلب و كان عتاب يقول إني لأعرف فضله على أبيه . و قال رجل من الأزد من بني أياد بن سود

ألا أبلغ أبا ورقاء عنا
فلو لا أننا كنا غضابا
على الشيخ المهلب إذ جفانا
للاقت خيلكم منا ضرابا

قال و كان المهلب يقول لبنيه لا تبدءوا الخوارج بقتال حتى يبدءوكم و يبغوا عليكم فإنهم إذا بغوا عليكم نصرتم عليهم . فشخص عتاب إلى الحجاج في سنة سبع و سبعين فوجهه إلى شبيب فقتله شبيب . و أقام المهلب على حربهم فلما انقضى من مقامه ثمانية عشر شهرا اختلفوا و افترقت كلمتهم و كان سبب اختلافهم أن رجلا حدادا من الأزارقة كان يعمل نصالا مسمومة فيرمي بها أصحاب المهلب فرفع ذلك إلى المهلب فقال أنا أكفيكموه إن شاء الله فوجه رجلا من أصحابه بكتاب و ألف درهم إلى عسكر قطري فقال له ألق هذا الكتاب في العسكر و الدراهم و احذر على نفسك و كان الحداد يقال له أبزى فمضى الرجل و كان في الكتاب أما بعد فإن نصالك قد وصلت إلي و قد وجهت إليك بألف درهم فاقبضها و زدنا من هذه النصال .

[ 197 ]

فوقع الكتاب إلى قطري فدعا بأبزى فقال ما هذا الكتاب قال لا أدري قال فما هذه الدراهم قال لا أعلم فأمر به فقتل فجاءه عبد ربه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة فقال له أ قتلت رجلا على غير ثقة و لا تبين قال قطري فما حال هذه الألف قال يجوز أن يكون أمرها كذبا و يجوز أن يكون حقا فقال قطري إن قتل رجل في صلاح الناس غير منكر و للإمام أن يحكم بما رآه صلاحا و ليس للرعية أن تعترض عليه فتنكر له عبد ربه في جماعة معه و لم يفارقوه . و بلغ ذلك المهلب فدس إليهم رجلا نصرانيا جعل له جعلا يرغب في مثله و قال له إذا رأيت قطريا فاسجد له فإذا نهاك فقل إنما سجدت لك ففعل ذلك النصراني فقال قطري إنما السجود لله تعالى فقال ما سجدت إلا لك فقال رجل من الخوارج إنه قد عبدك من دون الله و تلا إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ فقال قطري إن النصارى قد عبدوا عيسى ابن مريم فما ضر عيسى ذلك شيئا فقام رجل من الخوارج إلى النصراني فقتله فأنكر قطري ذلك عليه و أنكر قوم من الخوارج إنكاره . و بلغ المهلب ذلك فوجه إليهم رجلا يسألهم فأتاهم الرجل فقال أ رأيتم رجلين خرجا مهاجرين إليكم فمات أحدهما في الطريق و بلغ الآخر إليكم فامتحنتموه فلم يجز المحنة ما تقولون فيهما فقال بعضهم أما الميت فمؤمن من أهل الجنة و أما الذي لم يجز المحنة فكافر حتى يجيز المحنة . و قال قوم آخرون بل هما كافران حتى يجيز المحنة فكثر الاختلاف . و خرج قطري إلى حدود إصطخر فأقام شهرا و القوم في اختلافهم ثم أقبل فقال

[ 198 ]

لهم صالح بن مخراق يا قوم إنكم أقررتم عين عدوكم و أطمعتموه فيكم بما يظهر من خلافكم فعودوا إلى سلامة القلوب و اجتماع الكلمة . و خرج عمرو القنا و هو من بني سعد بن زيد مناة بن تميم فنادى يا أيها المحلون هل لكم في الطراد فقد طال عهدي به ثم قال

أ لم تر أنا مذ ثلاثين ليلة
جديب و أعداء الكتاب على خفض

فتهايج القوم و أسرع بعضهم إلى بعض و كانت الوقعة و أبلى يومئذ المغيرة بن المهلب و صار في وسط الأزارقة فجعلت الرماح تحطه و ترفعه و اعتورت رأسه السيوف و عليه ساعد حديد فوضع يده على رأسه فلم يعمل السيف فيه شيئا و استنقذه فرسان من الأزد بعد أن صرع و كان الذي صرعه عبيدة بن هلال بن يشكر بن بكر بن وائل و كان يقول يومئذ

أنا ابن خير قومه هلال
شيخ على دين أبي بلال
و ذاك ديني آخر الليالي

فقال رجل للمغيرة كنا نعجب كيف تصرع و الآن نعجب كيف تنجو و قال المهلب لبنيه إن سرحكم لغار و لست آمنهم عليه أ فوكلتم به أحدا قالوا لا فلم يستتم الكلام حتى أتاه آت فقال إن صالح بن مخراق قد أغار على السرح فشق على المهلب و قال كل أمر لا إليه بنفسي فهو ضائع و تذمر عليهم فقال له بشر بن المغيرة أرح نفسك فإن كنت إنما تريد مثلك فو الله ما يعدل خيرنا شسع نعلك

[ 199 ]

فقال خذوا عليهم الطريق فبادر بشر بن المغيرة و مدرك و المفضل ابنا المهلب فسبق بشر إلى الطريق فإذا رجل أسود من الأزارقة يشل السرح و هو يقول

نحن قمعناكم بشل السرح
و قد نكانا القرح بعد القرح

و لحقه المفضل و مدرك فصاحا برجل من طيئ اكفنا الأسود فاعتوره الطائي و بشر بن المغيرة فقتلاه و أسرا رجلا من الأزارقة من همدان و استردا السرح . قال و كان عياش الكندي شجاعا بئيسا فأبلي يومئذ فلما مات على فراشه بعد ذلك قال المهلب لا وألت نفس الجبان بعد عياش و قال المهلب ما رأيت تالله كهؤلاء القوم كلما انتقص منهم يزيد فيهم . و وجه الحجاج رجلين إلى المهلب يستحثانه بالقتال أحدهما من كلب و الآخر من سليم فقال المهلب متمثلا بشعر لأوس بن حجر

و مستعجب مما يرى من أناتنا
و لو زبنته الحرب لم يترمرم

فقال المهلب ليزيد ابنه حرك القوم فحركهم فتهايجوا و ذلك في قرية من قرى إصطخر فحمل رجل من الخوارج على رجل من أصحاب المهلب و طعنه فشك فخذه بالسرج فقال المهلب للسلمي و الكلبي كيف يقاتل قوم هذا طعنهم و حمل

[ 200 ]

يزيد عليهم و قد جاء الرقاد و هو من فرسان المهلب و هو أحد بني مالك بن ربيعة على فرس له أدهم و به نيف و عشرون جراحة و قد وضع عليها القطن فلما حمل يزيد ولى الجمع و حماهم فارسان منهم فقال يزيد لقيس الخشني مولى العتيك من لهذين قال أنا فحمل عليهما فعطف عليه أحدهما فطعنه قيس فصرعه و حمل عليه الآخر فتعانقا فسقطا جميعا إلى الأرض فصاح قيس الخشني اقتلونا جميعا فحملت خيل هؤلاء و خيل هؤلاء فحجزوا بينهما فإذا معانق قيس امرأة فقام قيس مستحييا فقال له يزيد يا أبا بشر أما أنت فبارزتها على أنها رجل فقال أ رأيت لو قتلت أ ما كان يقال قتلته امرأة و أبلى يومئذ ابن المنجب السدوسي فقال غلام له يقال له خلاج و الله لوددنا أنا فضضنا عسكرهم حتى نصير إلى مستقرهم فاستلب مما هناك جاريتين فقال له مولاه ابن المنجب و كيف تمنيت ويحك اثنتين فقال لأعطيك إحداهما و آخذ الأخرى فقال ابن المنجب

أ خلاج إنك لن تعانق طفلة
شرقا بها الجادي كالتمثال
حتى تلاقي في الكتيبة معلما
عمرو القنا و عبيدة بن هلال
و ترى المقعطر في الفوارس مقدما
في عصبة نشطوا على الضلال

[ 201 ]

أو أن يعلمك المهلب غزوه
و ترى جبالا قد دنت لجبال

قال و كان بدر بن الهذيل من أصحاب المهلب شجاعا و كان لحانة كان إذا أحس بالخوارج ينادي يا خيل الله اركبي و إليه يشير القائل

و إذا طلبت إلى المهلب حاجة
عرضت توابع دونه و عبيد
العبد كردس و بدر مثله
و علاج باب الأحمرين شديد

قال و كان بشر بن المغيرة بن أبي صفرة أبلى يومئذ بلاء حسنا عرف مكانه فيه و كانت بينه و بين المهلب جفوة فقال لبنيه يا بني عم إني قد قصرت عن شكاة العاتب و جاوزت شكاة المستعتب حتى كأني لا موصول و لا محروم فاجعلوا لي فرجة أعيش بها و هبوني امرأ رجوتم نصره أو خفتم لسانه فرجعوا له و وصلوه و كلموا فيه المهلب فوصله . و ولى الحجاج كردما فارس و وجهه إليها و الحرب قائمة فقال رجل من أصحاب المهلب

و لو رآها كردم لكردما
كردمة العير أحس الضيغما

فكتب المهلب إلى الحجاج يسأله أن يتجافى له عن إصطخر و دارابجرد لأرزاق الجند ففعل و قد كان قطري هدم مدينة إصطخر لأن أهلها كانوا يكاتبون المهلب بأخباره و أراد مثل ذلك بمدينة فسا فاشتراها منه آزاذ مرد بن الهربذ بمائة ألف درهم

[ 202 ]

فلم يهدمها فواقعه وجه المهلب فهزمه فنفاه إلى كرمان و اتبعه المغيرة ابنه و قد كان دفع إليه سيفا وجه به الحجاج إلى المهلب و أقسم عليه أن يتقلده فدفعه إلى المغيرة بعد ما تقلده فرجع به المغيرة إليه و قد دماه فسر المهلب و قال ما يسرني أن يكون كنت دفعته إلى غيرك من ولدي و قال له اكفني جباية خراج هاتين الكورتين و ضم إليه الرقاد فجعلا يجبيان و لا يعطيان الجند شيئا ففي ذلك يقول رجل من بني تميم في كلمة له

و لو علم ابن يوسف ما نلاقي
من الآفات و الكرب الشداد
لفاضت عينه جزعا علينا
و أصلح ما استطاع من الفساد
ألا قل للأمير جزيت خيرا
أرحنا من مغيرة و الرقاد
فما رزق الجنود بهم قفيزا
و قد ساست مطامير الحصاد

أي وقع فيها السوس . قال ثم حاربهم المهلب بالسيرجان حتى نفاهم عنها إلى جيرفت و اتبعهم و نزل قريبا منهم . ثم اختلفت كلمة الخوارج و كان سبب ذلك أن عبيدة بن هلال اتهم بامرأة رجل نجار رأوه يدخل مرارا إليها بغير إذن فأتى قطريا فذكروا ذلك له فقال لهم إن عبيدة من الدين بحيث علمتم و من الجهاد بحيث رأيتم فقالوا إنا لا نقار على الفاحشة فقال

[ 203 ]

انصرفوا ثم بعث إلى عبيدة فأخبره و قال له أنا لا أقار على الفاحشة فقال بهتوني يا أمير المؤمنين فما ترى قال إني جامع بينك و بينهم فلا تخضع خضوع المذنب و لا تتطاول تطاول البري‏ء فجمع بينهم فتكلموا فقام عبيدة فقال بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّ اَلَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ . . . حتى تلا الآيات فبكوا و قاموا إليه فاعتنقوه و قالوا استغفر لنا ففعل فقال عبد ربه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة و الله لقد خدعكم فتابع عبد ربه منهم ناس كثير و لم يظهروا و لم يجدوا على عبيدة في إقامة الحد ثبتا . و كان قطري قد استعمل رجلا من الدهاقين فظهرت له أموال كثيرة فأتوا قطريا فقالوا إن عمر بن الخطاب لم يكن يقار عماله على مثل هذا فقال قطري إني استعملته و له ضياع و تجارات فأوغر ذلك صدورهم و بلغ المهلب ذلك فقال اختلافهم أشد عليهم مني ثم قالوا لقطري أ لا تخرج بنا إلى عدونا فقال لا ثم خرج فقالوا قد كذب و ارتد فاتبعوه يوما فأحس بالشر و دخل دارا مع جماعة من أصحابه فاجتمعوا عليه و صاحوا اخرج إلينا يا دابة فخرج إليهم فقال أ رجعتم بعدي كفارا قالوا أ و لست دابة قال الله تعالى وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اَللَّهِ رِزْقُها و لكنك قد كفرت بقولك أنا قد رجعنا كفارا فتب إلى الله فشاور عبيدة في ذلك فقال له إن تبت لم يقبلوا منك فقل إني استفهمت فقلت أ رجعتم بعدي كفارا فقال لهم ذلك فقبلوا منه فرجع إلى منزله

[ 204 ]