طرف من أخبار المهلب و بينه

و وجه كعب بن معدان الأشقري و مرة بن بليد الأزدي فوردا على الحجاج فلما طلعا عليه تقدم كعب فأنشده

يا حفص إني عداني عنكم السفر

فقال الحجاج أ شاعر أم خطيب قال شاعر فأنشده القصيدة فأقبل عليه الحجاج و قال خبرني عن بني المهلب قال المغيرة سيدهم و فارسهم و كفى بيزيد فارسا شجاعا

[ 214 ]

و جوادهم و سخيهم قبيصة و لا يستحي الشجاع أن يفر من مدرك و عبد الملك سم ناقع و حبيب موت ذعاف و محمد ليث غاب و كفاك بالفضل نجدة فقال له فكيف خلفت جماعة الناس قال خلفتهم بخير قد أدركوا ما أملوا و أمنوا ما خافوا قال فكيف كان بنو المهلب فيهم قال كانوا حماة السرح فإذا أليلوا ففرسان البيات قال فأيهم كان أنجد قال كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها قال فكيف كنتم أنتم و عدوكم قال كنا إذا أخذنا عفونا و إذا أخذوا يئسنا منهم و إذا اجتهدنا و اجتهدوا طمعنا فيهم قال الحجاج إن العاقبة للمتقين فكيف أفلتكم قطري قال كدناه و ظن أن قد كادنا بأن صرنا منه إلى التي نحب قال فهلا اتبعتموه قال كان حرب الحاضر آثر عندنا من اتباع الفل قال فكيف كان المهلب لكم و كنتم له قال كان لنا منه شفقة الوالد و له منا بر الولد قال فكيف كان اغتباط الناس به قال نشأ فيهم الأمن و شملهم النفل قال أ كنت أعددت لي هذا الجواب قال لا يعلم الغيب إلا الله قال هكذا و الله تكون الرجال المهلب كان أعلم بذلك حيث بعثك . هذه رواية أبي العباس . و روى أبو الفرج في الأغاني أن كعبا لما أوفده المهلب إلى الحجاج أنشده قصيدته التي أولها

[ 215 ]

يا حفص إني عداني عنكم السفر
و قد سهرت و آذى عيني السهر

يذكر فيها حروب المهلب مع الخوارج و يصف وقائعه فيهم في بلد و هي طويلة و من جملتها

كنا نهون قبل اليوم شأنهم
حتى تفاقم أمر كان يحتقر
لما وهنا و قد حلوا بساحتنا
و استنفر الناس تارات فما نفروا
نادى امرؤ لا خلاف في عشيرته
عنه و ليس به عن مثله قصر
خبوا كمينهم بالسفح إذ نزلوا
بكازرون فما عزوا و لا نصروا
باتت كتائبنا تردي مسمومة
حول المهلب حتى نور القمر
هناك ولوا خزايا بعد ما هزموا
و حال دونهم الأنهار و الجدر
تأبى علينا حزازات النفوس فما
نبقي عليهم و لا يبقون إن قدروا

فضحك الحجاج و قال إنك لمنصف يا كعب ثم قال له كيف كانت حالكم مع عدوكم قال كنا إذا لقيناهم بعفونا و عفوهم يئسنا منهم و إذا لقيناهم بجدنا وجدهم طمعنا فيهم قال فكيف كان بنو المهلب قال حماة الحريم نهارا و فرسان الليل تيقظا قال فأين السماع من العيان قال السماع دون العيان قال

[ 216 ]

صفهم لي رجلا رجلا قال المغيرة فارسهم و سيدهم نار ذاكية و صعدة عالية و كفى بيزيد فارسا شجاعا ليث غاب و بحر جم العباب و جوادهم قبيصة ليث المغار و حامي الذمار و لا يستحي الشجاع أن يفر من مدرك و كيف لا يفر من مدرك و كيف لا يفر من الموت الحاضر و الأسد الخادر و عبد الملك سم ناقع و سيف قاطع و حبيب الموت الذعاف طود شامخ و بحر باذح و أبو عيينة البطل الهمام و السيف الحسام و كفاك بالمفضل نجدة ليث هدار و بحر مواز و محمد ليث غاب و حسام ضراب قال فأيهم أفضل قال هم كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفاها قال فكيف جماعة الناس قال على أحسن حال أرضاهم العدل و أغناهم النفل قال فكيف رضاهم بالمهلب قال أحسن رضا لا يعدمون منه إشفاق الوالد و لا يعدم منهم بر الولد و ذكر تمام الحديث . و قال إن الحجاج أمر له بعشرين ألف درهم و حمله على فرس و أوفده على عبد الملك فأمر له بعشرين ألفا أخرى . قال أبو الفرج و كعب الأشقري من شعراء المهلب و مادحيه و هو شاعر مجيد قال عبد الملك بن مروان للشعراء تشبهونني مرة بالأسد و مرة بالبازي ألا قلتم كما قال كعب الأشقري للمهلب و ولده

براك الله حين براك بحرا
و فجر منك أنهارا غزارا

[ 217 ]

بنوك السابقون إلى المعالي
إذا ما أعظم الناس الخطارا
كأنهم نجوم حول بدر
تكمل إذ تكمل فاستدارا
ملوك ينزلون بكل ثغر
إذا ما الهام يوم الروع طارا
رزان في الخطوب ترى عليهم
من الشيخ الشمائل و النجارا
نجوم يهتدى بهم إذا ما
أخو الغمرات في الظلماء حارا

قال أبو الفرج و هذا الشعر من قصيدة لكعب يمدح بها المهلب و يذكر الخوارج و منها

سلوا أهل الأباطح من قريش
عن المجد المؤثل أين صارا

[ 218 ]

لقوم الأزد في الغمرات أمضى
و أوفى ذمة و أعز جارا
هم قادوا الجياد على وجاها
من الأمصار يقذفن المهارا
إلى كرمان يحملن المنايا
بكل ثنية يوقدن نارا
شوازب ما أصبنا الثار حتى
رددناها مكلمة مرارا
غداة تركن مصرع عبد رب
نثرن عليه من رهج غبارا
و يوم الزحف بالأهواز ظلنا
نروي منهم الأسل الحرارا
فقرت أعين كانت حزينا
قليلا نومها إلا غرارا
و لو لا الشيخ بالمصرين ينفي
عدوهم لقد نزلوا الديارا
و لكن قارع الأبطال حتى
أصابوا الأمن و احتلوا القرارا

[ 219 ]

إذا وهنوا و حل بهم عظيم
يدق العظم كان لهم جبارا
و مبهمة يحيد الناس عنها
تشب الموت شد لها إزارا
شهاب تنجلي الظلماء عنه
يرى في كل مظلمة منارا
براك الله حين براك بحرا
و فجر منك أنهارا غزارا

الأبيات المتقدمة . قال أبو الفرج و حدثني محمد بن خلف وكيع بإسناد ذكره أن الحجاج لما كتب إلى المهلب يأمره بمناجزة الخوارج حينئذ و يستبطئه و يضعفه و يعجزه من تأخيره أمرهم و مطاولته لهم قال المهلب لرسوله قل له إنما البلاء أن يكون الأمر لمن يملكه لا لمن يعرفه فإن كنت نصبتني لحرب هؤلاء القوم على أن أدبرها كما أرى فإذا أمكنتني فرصة انتهزتها و إن لم تمكني توقفت فأنا أدبر ذلك بما يصلحه و إن أردت أن أعمل برأيك و أنا حاضر و أنت غائب فإن كان صوابا فلك و إن كان خطأ فعلي فابعث من رأيت مكاني و كتب من فوره بذلك إلى عبد الملك فكتب عبد الملك إلى الحجاج لا تعارض المهلب فيما يراه و لا تعجله و دعه يدبر أمره . قال و قام كعب الأشقري إلى المهلب فأنشده بحضرة رسول الحجاج

إن ابن يوسف غره من أمركم
خفض المقام بجانب الأمصار
لو شهد الصفين حيث تلاقيا
ضاقت عليه رحيبة الأقطار
من أرض سابور الجنود و خيلنا
مثل القداح بريتها بشفار

[ 220 ]

من كل صنديد يرى بلبانه
وقع الظبات مع القنا الخطار
لرأى معاودة الرباع غنيمة
أزمان كان محالف الإقتار
فدع الحروب لشيبها و شبابها
و عليك كل غريرة معطار

فبلغت أبياته الحجاج فكتب إلى المهلب يأمره بإشخاص كعب الأشقري إليه فأعلم المهلب كعبا بذلك و أوفده إلى عبد الملك من ليلته و كتب إليه يستوهبه منه فقدم كعب على عبد الملك برسالة المهلب فاستنطقه فأعجبه و أوفده إلى الحجاج و كتب إليه يقسم عليه أن يصفح و يعفو عما بلغه من شعره فلما دخل قال إيه يا كعب

لرأي معاودة الرباع غنيمة

فقال أيها الأمير و الله لوددت في بعض ما شاهدته من تلك الحروب و ما أوردناه المهلب من خطرها أن أنجو منها و أكون حجاما أو حائكا قال أولى لك لو لا قسم أمير المؤمنين ما نفعك ما تقول الحق بصاحبك و رده إلى المهلب . قال أبو العباس و كان كتاب المهلب إلى الحجاج الذي بشره فيه بالظفر و النصر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الكافي بالإسلام فقد ما سواه الحاكم بألا ينقطع المزيد من فضله حتى ينقطع الشكر من عباده أما بعد

[ 221 ]

فقد كان من أمرنا ما قد بلغك و كنا نحن و عدونا على حالين مختلفين يسرنا منهم أكثر مما يسوءنا و يسوءهم منا أكثر مما يسرهم على اشتداد شوكتهم فقد كان علا أمرهم حتى ارتاعت له الفتاة و نوم به الرضيع فانتهزت الفرصة منهم في وقت إمكانها و أدنيت السواد من السواد حتى تعارفت الوجوه فلم نزل كذلك حتى بلغ الكتاب أجله فقطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد لله رب العالمين . فكتب إليه الحجاج أما بعد فقد فعل الله بالمسلمين خيرا و أراحهم من بأس الجلاد و ثقل الجهاد و لقد كنت أعلم بما قبلك فالحمد لله رب العالمين فإذا ورد عليك كتابي فأقسم في المجاهدين فيئهم و نفل الناس على قدر بلائهم و فضل من رأيت تفضيله و إن كانت بقيت من القوم بقية فخلف خيلا تقوم بإزائهم و استعمل على كرمان من رأيت و ول الخيل شهما من ولدك و لا ترخص لأحد في اللحاق بمنزلة دون أن تقدم بهم علي و عجل القدوم إن شاء الله . فولى المهلب يزيد ابنه كرمان و قال له يا بني إنك اليوم لست كما كنت إنما لك من كرمان ما فضل عن الحجاج و لن تحتمل إلا على ما احتمل عليه أبوك فأحسن إلى من تبعك و إن أنكرت من إنسان شيئا فوجه إلي و تفضل على قومك إن شاء الله .

[ 222 ]

ثم قدم المهلب على الحجاج فأجلسه إلى جانبه و أظهر بره و إكرامه و قال يا أهل العراق أنتم عبيد قن للمهلب ثم قال أنت و الله كما لقيط

فقلدوا أمركم لله دركم
رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه
هم يكاد حشاه يقصم الضلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده
و لا إذا عض مكروه به خشعا
ما زال يحلب هذا الدهر أشطره
يكون متبعا طورا و متبعا
حتى استمرت على شرر مريرته
مستحكم الرأي لا قحما و لا ضرعا

و روى أنه قام إليه رجل فقال أصلح الله الأمير و الله لكأني أسمع الساعة قطريا و هو يقول لأصحابه المهلب و الله كما قال لقيط الأيادي ثم أنشد هذا الشعر فسر الحجاج حتى امتلأ سرورا فقال المهلب أما و الله ما كنا أشد من عدونا و لا أحد و لكن دمغ الحق الباطل و قهرت الجماعة الفتنة و العاقبة للمتقين و كان ما كرهناه من المطاولة خيرا لنا مما أحببناه من المعاجلة .

[ 223 ]

فقال الحجاج صدقت اذكر لي القوم الذين أبلوا و صف لي بلاءهم فأمر الناس فكتبوا ذلك إلى الحجاج فقال لهم المهلب ما ذخر الله لكم خير لكم من عاجل الدنيا إن شاء الله فذكرهم المهلب على مراتبهم في البلاء و تفاضلهم في الغناء و قدم بنيه المغيرة و يزيد و مدركا و حبيبا و قبيصة و المفضل و عبد الملك و محمدا و قال و الله لو واحد يقدمهم في البلاء لقدمته عليهم و لو لا أن أظلمهم لآخرتهم فقال الحجاج صدقت و ما أنت أعلم بهم مني و إن حضرت و غبت إنهم لسيوف من سيوف الله ثم ذكر معن بن المغيرة و الرقاد و أشباههما . فقال الحجاج من الرقاد فدخل رجل طويل أجنأ فقال المهلب هذا فارس العرب فقال الرقاد للحجاج أيها الأمير إني كنت أقاتل مع غير المهلب فكنت كبعض الناس فلما صرت مع من يلزمني الصبر و يجعلني أسوة نفسه و ولده و يجازيني على البلاء صرت أنا و أصحابي فرسانا . فأمر الحجاج بتفضيل قوم على قوم على قدر بلائهم و زاد ولد المهلب ألفين ألفين و فعل بالرقاد و بجماعة شبيها بذلك . و قال يزيد بن حبناء من الأزارقة

دعي اللوم إن العيش ليس بدائم
و لا تعجلي باللوم يا أم عاصم
فإن عجلت منك الملامة فاسمعي
مقالة معني بحقك عالم
و لا تعذلينا في الهدية إنما
تكون الهدايا من فضول المغانم

[ 224 ]

و ليس بمهد من يكون نهاره
جلادا و يمسي ليله غير نائم
يريد ثواب الله يوما بطعنه
غموس كشدق العنبري بن سالم
أبيت و سربالي دلاص حصينة
و مغفرها و السيف فوق الحيازم
حلفت برب الواقفين عشية
لدى عرفات حلفة غير آثم
لقد كان في القوم الذين لقيتهم
بسابور شغل عن بزوز اللطائم
توقد في أيديهم زاعبية
و مرهفة تفري شئون الجماجم

و قال المغيرة الحنظلي من أصحاب المهلب

إني امرؤ كفني ربي و أكرمني
عن الأمور التي في غبها وخم
و إنما أنا إنسان أعيش كما
عاشت رجال و عاشت قبلها أمم
ما عاقني عن قفول الجند إذ قفلوا
عي بما صنعوا حولي و لا صمم
و لو أردت قفولا ما تجهمني
إذن الأمير و لا الكتاب إذ رقموا
إن المهلب إن أشتق لرؤيته
أو أمتدحه فإن الناس قد علموا
أنه الأريب الذي ترجى نوافله
و المستنير الذي تجلى به الظلم
و القائل الفاعل الميمون طائره
أبو سعيد إذا ما عدت النعم
أزمان كرمان إذ غص الحديد بهم
و إذ تمنى رجال أنهم هزموا

[ 225 ]

و قال حبيب بن عوف من قواد المهلب

أبا سعيد جزاك الله صالحة
فقد كفيت و لم تعنف على أحد
داويت بالحلم أهل الجهل فانقمعوا
و كنت كالوالد الحاني على الولد

و قال عبيدة بن هلال الخارجي يذكر رجلا من أصحابه

يهوي فترفعه الرماح كأنه
شلو تنشب في مخالب ضار
يهوي صريعا و الرماح تنوشه
إن الشراة قصيرة الأعمار