شبيب بن يزيد الشيباني

و منهم شبيب بن يزيد الشيباني و كان في ابتداء أمره يصحب صالح بن مسرح أحد الخوارج الصفرية و كان ناسكا مصفر الوجه صاحب عبادة و له أصحاب يقرئهم القرآن و يفقههم و يقص عليهم و يقدم الكوفة فيقيم بها الشهر و الشهرين و كان بأرض الموصل و الجزيرة و كان إذا فرغ من التحميد و الصلاة على النبي ص ذكر أبا بكر فأثنى عليه و ثنى بعمر ثم ذكر عثمان و ما كان من أحداثه ثم عليا ع و تحكيمه الرجال في دين الله و يتبرأ من عثمان و علي ثم

[ 226 ]

يدعو إلى مجاهدة أئمة الضلال و قال تيسروا يا إخواني للخروج من دار الفناء إلى دار البقاء و اللحاق بإخواننا المؤمنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة و لا تجزعوا من القتل في الله فإن القتل أيسر من الموت و الموت نازل بكم مفرق بينكم و بين آبائكم و إخوانكم و أبنائكم و حلائلكم و دنياكم و إن اشتد لذلك جزعكم ألا فبيعوا أنفسكم طائعين و أموالكم تدخلوا الجنة و أشباه هذا من الكلام . و كان فيمن يحضره من أهل الكوفة سويد و البطين فقال يوما لأصحابه ما ذا تنتظرون ما يزيد أئمة الجور إلا عتوا و علوا و تباعدا من الحق و جراءة على الرب فراسلوا إخوانكم حتى يأتوكم و ننظر في أمورنا ما نحن صانعون و أي وقت إن خرجنا نحن خارجون . فبينا هو كذلك إذ أتاه المحلل بن وائل بكتاب من شبيب بن يزيد و قد كتب إلى صالح أما بعد فقد أردت الشخوص و قد كنت دعوتني إلى أمر أستجيب لك فإن كان ذلك من شأنك فإنك شيخ المسلمين و لم يعدل بك منا أحد و إن أردت تأخير ذلك أعلمني فإن الآجال غادية و رائحة و لا آمن أن تخترمني المنية و لما أجاهد الظالمين فيا له غبنا و يا له فضلا جعلنا الله و إياكم ممن يريد الله بعلمه و رضوانه و النظر إلى وجهه و مرافقة الصالحين في دار السلام و السلام عليك .

[ 227 ]

فأجابه صالح بجواب جميل يقول فيه إنه لم يمنعني من الخروج مع ما أنا فيه من الاستعداد إلا انتظارك فأقدم علينا ثم اخرج بنا فإنك ممن لا تقضى الأمور دونه و السلام عليك . فلما ورد كتابه على شبيب دعا القراء من أصحابه فجمعهم إليه منهم أخوه مصاد بن يزيد و المحلل بن وائل و الصقر بن حاتم و إبراهيم بن حجر و جماعة مثلهم ثم خرج حتى قدم على صالح بن مسرح و هو بدارات أرض الموصل فبث صالح رسله و واعدهم بالخروج في هلال صفر ليلة الأربعاء سنة ست و تسعين . فاجتمع بعضهم إلى بعض و اجتمعوا عنده تلك الليلة فحدث فروة بن لقيط قال إني لمعهم تلك الليلة عند صالح و كان رأيي استعراض الناس لما رأيت من المكر و الفساد في الأرض فقمت إليه فقلت يا أمير المؤمنين كيف ترى السيرة في هؤلاء الظلمة أ نقتلهم قبل الدعاء أم ندعوهم قبل القتال فإني أخبرك برأيي فيهم قبل أن تخبرني بذلك إنا نخرج على قوم طاغين قد تركوا أمر الله أو راضين بذلك فأرى أن نضع السيف فقال لا بل ندعوهم و لعمري لا يجيبك إلا من يرى رأيك و ليقاتلنك من يزري عليك و الدعاء أقطع لحجتهم و أبلغ في الحجة عليهم لك فقلت

[ 228 ]

و كيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا به و ما تقول في دمائهم و أموالهم فقال إن قتلنا و غنمنا فلنا و إن تجاوزنا و عفونا فموسع علينا . ثم قال صالح لأصحابه ليلته تلك اتقوا الله عباد الله و لا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس إلا أن يكونوا قوما يريدونكم و ينصبون لكم فإنكم إنما خرجتم غضبا لله حيث انتهكت محارمه و عصي في الأرض و سفكت الدماء بغير حقها و أخذت الأموال غصبا فلا تعيبوا على قوم أعمالا ثم تعملونها فإن كل ما أنتم عاملون أنتم عنه مسئولون و إن عظمكم رجالة و هذه دواب لمحمد بن مروان في هذا الرستاق و ابدءوا بها فاحملوا عليها راجلكم و تقووا بها على عدوكم . ففعلوا ذلك و تحصن منهم أهل دارا . و بلغ خبرهم محمد بن مروان و هو يومئذ أمير الجزيرة فاستخف بأمرهم و بعث إليهم عدي بن عميرة في خمسمائة و كان صالح في مائة و عشرة فقال عدي أصلح الله

[ 229 ]

الأمير تبعثني إلى رأس الخوارج منذ عشرين سنة و معه رجال سموا لي كانوا يعازوننا و إن الرجل منهم خير من مائة فارس في خمسمائة فقال له إني أزيدك خمسمائة فسر إليهم في ألف فارس . فسار من حران في ألف رجل و كأنما يساقون إلى الموت و كان عدي رجلا ناسكا فلما نزل دوغان نزل بالناس و أنفذ إلى صالح بن مسرح رجلا دسه إليه فقال إن عديا بعثني إليك يسألك أن تخرج عن هذا البلد و تأتي بلدا آخر فتقاتل أهله فإني للقتال كاره فقال له صالح ارجع إليه فقل له إن كنت ترى رأينا فأرنا من ذلك ما نعرف ثم نحن مدلجون عنك و إن كنت على رأي الجبابرة و أئمة السوء رأينا رأينا فإما بدأنا بك و إلا رحلنا إلى غيرك . فانصرف إليه الرسول فأبلغه فقال له عدي ارجع إليه فقل له إني و الله لا أرى رأيك و لكني أكره قتالك و قتال غيرك من المسلمين . فقال صالح لأصحابه اركبوا فركبوا و احتبس الرجل عنده و مضى بأصحابه حتى أتى عديا في سوق دوغان و هو قائم يصلي الضحى فلم يشعر إلا بالخيل طالعة عليهم فلما دنا صالح منهم رآهم على غير تعبئة و قد تنادوا و بعضهم يجول في بعض فأمر شبيبا فحمل عليهم في كتيبة ثم أمر سويدا فحمل في كتيبة فكانت هزيمتهم

[ 230 ]

و أتى عدي بدابته فركبها و مضى على وجهه و احتوى صالح على عسكره و ما فيه و ذهب فل عدي حتى لحقوا بمحمد بن مروان فغضب ثم دعا بخالد بن جزء السلمي فبعثه في ألف و خمسمائة و دعا الحارث بن جعونة في ألف و خمسمائة و قال لهما اخرجا إلى هذه الخارجة القليلة الخبيثة و عجلا الخروج و أغذا السير فأيكما سبق فهو الأمير على صاحبه فخرجا و أغذا في السير و جعلا يسألان عن صالح فقيل لهما توجه نحو آمد فاتبعاه حتى انتهيا إليه بأمد فنزلا ليلا و خندقا و هما متساندان كل واحد منهما على حدته فوجه صالح شبيبا إلى الحارث بن جعونة في شطر أصحابه و توجه هو نحو خالد السلمي فاقتتلوا أشد قتال اقتتله قوم حتى حجز بينهم الليل و قد انتصف بعضهم من بعض . فتحدث بعض أصحاب صالح قال كنا إذا حملنا عليهم استقبلنا رجالهم بالرماح و نضحنا رماتهم بالنبل و خيلهم تطاردنا في خلال ذلك فانصرفنا عند الليل و قد كرهناهم و كرهونا فلما رجعنا و صلينا و تروحنا و أكلنا من الكسر دعانا صالح و قال يا أخلائي ما ذا ترون فقال شبيب إنا إن قاتلنا هؤلاء القوم و هم معتصمون بخندقهم لم ننل منهم طائلا و الرأي أن نرحل عنهم فقال صالح و أنا أرى ذلك فخرجوا من تحت ليلتهم حتى قطعوا أرض الجزيرة و أرض الموصل و مضوا حتى قطعوا أرض الدسكرة فلما بلغ ذلك الحجاج سرح عليهم الحارث بن عميرة في ثلاثة آلاف

[ 231 ]

فسار و خرج صالح نحو جلولاء و خانقين و اتبعه الحارث حتى انتهى إلى قرية يقال لها المدبج و صالح يومئذ في تسعين رجلا فعبى الحارث بن عميرة أصحابه ميمنة و ميسرة و جعل صالح أصحابه ثلاثة كراديس و هو في كردوس و شبيب في ميمنة في كردوس و سويد بن سليم في كردوس في ميسرته في كل كردوس منهم ثلاثون رجلا فلما شد عليهم الحارث بن عميرة انكشف سويد بن سليم و ثبت صالح فقتل و ضارب شبيب حتى صرع عن فرسه فوقع بين رجاله فجاء حتى انتهى إلى موقف صالح فوجده قتيلا فنادى إلى يا معشر المسلمين فلاذوا به فقال لأصحابه ليجعل كل رجل منكم ظهره إلى ظهر صاحبه و ليطاعن عدوه إذا قدم عليه حتى ندخل هذا الحصن و نرى رأينا . ففعلوا ذلك حتى دخلوا الحصن و هم سبعون رجلا مع شبيب و أحاط بهم الحارث بن عميرة ممسيا و قال لأصحابه أحرقوا الباب فإذا صار جمرا فدعوه فإنهم لا يقدرون على الخروج حتى نصبح فنقتلهم ففعلوا ذلك بالباب ثم انصرفوا إلى معسكرهم . فقال شبيب لأصحابه يا هؤلاء ما تنتظرون فو الله إن صبحوكم غدوة إنه لهلاككم فقالوا له مرنا بأمرك فقال لهم إن الليل أخفى للويل بايعوني إن شئتم أو بايعوا من شئتم منكم ثم اخرجوا بنا حتى نشد عليهم في عسكرهم فإنهم آمنون منكم و إني أرجو أن ينصركم الله عليهم قالوا ابسط يدك فبايعوه فلما جاءوا

[ 232 ]

إلى الباب وجدوه جمرا فأتوه باللبود فبلوها بالماء ثم ألقوها عليه و خرجوا فلم يشعر الحارث بن عميرة إلا و شبيب و أصحابه يضربونهم بالسيوف في جوف عسكرهم فضارب الحارث حتى صرع و احتمله أصحابه و انهزموا و خلوا لهم المعسكر و ما فيه و مضوا حتى نزلوا المدائن و كان ذلك الجيش أول جيش هزمه شبيب