طرق الإخبار عن الغيوب

فأما الإخبار عن الغيوب فلمعترض أن يقول قد يقع الإخبار عن الغيوب من طريق النجوم فإن المنجمين قد اتفقوا على أن شكلا من أشكال الطالع إذا وقع لمولود اقتضى أن يكون صاحبه متمكنا من الإخبار عن الغيوب . و قد يقع الإخبار عن الغيوب من الكهان كما يحكى عن سطيح و شق و سواد بن قارب و غيرهم .

[ 10 ]

و قد يقع الإخبار عن الغيوب لأصحاب زجر الطير و البهائم كما يحكى عن بني لهب في الجاهلية . و قد يقع الإخبار عن الغيوب للقافة كما يحكى عن بني مدلج . و قد يخبر أرباب النيرنجات و أرباب السحر و الطلسمات بالمغيبات و قد يقع الإخبار عن الغيوب لأرباب النفس الناطقة القوية الصافية التي تتصل مادتها الروحانية على ما تقوله الفلاسفة و قد يقع الإخبار عن الغيوب بطريق المنامات الصادقة على ما رآه أكثر الناس و قد وردت الشريعة نصا به . و قد يقع الإخبار عن الغيوب بأمر صناعي يشبه الطبيعي كما رأيناه عن أبي البيان و ابنه . و قد يقع الإخبار عن الغيوب بواسطة إعلام ذلك الغيب إنسانا آخر لنفسه بنفس ذلك المخبر اتحاد أو كالاتحاد و ذلك كما يحكي أبو البركات بن ملكا الطبيب في كتاب المعتبر قال و المرأة العمياء التي رأيناها ببغداد و تكررت مشاهدتنا لها منذ مدة مديدة قدرها ما يقارب ثلاثين سنة و هي على ذلك إلى الآن تعرض عليها الخبايا فتدل عليها بأنواعها و أشكالها و مقاديرها و أعدادها غريبها و مألوفها دقيقها

[ 11 ]

و جليلها تجيب على أثر السؤال من غير توقف و لا استعانة بشي‏ء من الأشياء إلا أنها كانت تلتمس أن ترى الذي يسأل عنه أبوها أو يسمعه في بعض الأوقات دون بعض و عند قوم دون قوم فيتصور في أمرها أن الذي تقوله بإشارة من أبيها و كان الذي تقوله يبلغ من الكثرة إلى ما يزيد على عشرين كلمة إذا قيل بصريح الكلام الذي هو الطريق الأخصر و إنما كان أبوها يقول إذا رأى ما يراه من أشياء كثيرة مختلفة الأنواع و الأشكال في مدة واحدة كلمة واحدة و أقصاه كلمتان و هي التي يكررها في كل قول و مع كل ما يسمع و يرى سلها و سلها تخبرك أو قولي له أو قولي يا صغيرة . قال أبو البركات و لقد عاندته يوما و حاققته في ألا يتكلم البتة و أريته عدة أشياء فقال لفظة واحدة فقلت له الشرط أملك فاغتاظ و احتد طيشه عن أن يملك نفسه فباح بخبيئته قال و مثلك يظن أنني أشرت إلى هذا كله بهذه اللفظة فاسمع الآن ثم التفت إليها و أخذ يشير بإصبعه إلى شي‏ء و هو يقول تلك الكلمة و هي تقول هذا كذا و هذا كذا على الاتصال من غير توقف و هو يقول تلك الكلمة لا زيادة عليها و هي لفظة واحدة بلحن واحد و هيئة واحدة حتى ضجرنا و اشتد تعجبنا و رأينا أن هذه الإشارة لو كانت تتضمن هذه الأشياء لكانت أعجب من كل ما تقوله العمياء . قال أبو البركات و من عجيب ما شاهدناه من أمرها أن أباها كان يغلط في شي‏ء يعتقده على خلاف ما هو به فتخبر هي عنه على معتقد أبيها كان نفسها هي نفسه . قال أبو البركات و رأيناها تقول ما لا يعلمه أبوها من خبيئة في الخبيئة التي اطلع عليها أبوها فكانت تطلع على ما قد علمه أبوها و على ما لم يعلمه أبوها و هذا أعجب و أعجب .

[ 12 ]

قال أبو البركات و حكاياتها أكثر من أن تعد و عند كل أحد من الناس من حديثها ما ليس عند الآخر لأنها كانت تقول من ذلك على الاتصال لشخص شخص جوابا بحسب السؤال . قال و ما زلت أقول إن من يأتي بعدنا لا يصدق ما رأيناه منها فإن قلت لي أريد أن تفيدني العلة في معرفة المغيبات هذه قلت لك العلة التي تصلح في جواب لم في نسبة المحمول إلى الموضوع تكون الحد الأوسط في القياس و هذه فالعلة الفاعلة الموجبة لذلك فيها هي نفسها بقوتها و خاصتها فما الذي أقوله في هذا و هل لي أن أجعل ما ليس بعلة علة . و اعلم أنا لا ننكر أن يكون في نوع البشر أشخاص يخبرون عن الغيوب و لكن كل ذلك مستند إلى البارئ سبحانه بإقداره و تمكينه و تهيئة أسبابه فإن كان المخبر عن الغيوب ممن يدعي النبوة لم يجز أن يكون ذلك إلا بإذن الله سبحانه و تمكينه و أن يريد به تعالى استدلال المكلفين على صدق مدعى النبوة لأنه لو كان كاذبا لكان يجوز أن يمكن الله تعالى الجن من تعليمه ذلك إضلالا للمكلفين و كذلك لا يجوز أن يمكن سبحانه الكاذب في ادعاء النبوة من الإخبار عن الغيب بطريق السحر و تسخير الكواكب و الطلسمات و لا بالزجر و لا بالقيافة و لا بغير ذلك من الطرق المذكورة لما فيه من استفساد البشر و إغوائهم . و أما إذا لم يكن المخبر عن الغيوب مدعيا للنبوة نظر في حاله فإن كان ذلك من الصالحين الأتقياء نسب ذلك إلى أنه كرامة أظهرها الله تعالى على يده إبانة له و تمييزا

[ 13 ]

من غيره كما في حق علي ع و إن لم يكن كذلك أمكن أن يكون ساحرا أو كاهنا أو نحو ذلك . و بالجملة فصاحب هذه الخاصية أفضل و أشرف ممن لا تكون فيه من حيث اختصاصه بها فإن كان للإنسان العاري منها مزية أخرى يختص بها توازيها أو تزيد عليها فنرجع إلى التمييل و الترجيح بينهما و إلا فالمختص بهذه الخاصية أرجح و أعظم من الخالي منها على جميع الأحوال

[ 14 ]