حقيقة الكناية و التعريض و الفرق بينهما

و قد كنا وعدنا أن نذكر كلاما كليا في حقيقة الكناية و التعريض و الفرق بينهما فنقول الكناية قسم من أقسام المجاز و هو إبدال لفظة عرض في النطق بها مانع بلفظة لا مانع عن النطق بها كقوله ع قرارات النساء لما وجد الناس قد تواضعوا على استهجان لفظة أرحام النساء . و أما التعريض فقد يكون بغير اللفظ كدفع أسماء بن خارجة الفص الفيروز الأزرق من يده إلى ابن معكبر الضبي ادكارا له بقول الشاعر

كذا كل ضبي من اللؤم أزرق

فالتعريض إذا هو التنبيه بفعل أو لفظ على معنى اقتضت الحال العدول عن التصريح به . و أنا أحكي هاهنا كلام نصر الله بن محمد بن الأثير الجزري في كتابه المسمى بالمثل السائر في الكناية و التعريض و أذكر ما عندي فيه قال خلط أرباب هذه الصناعة الكناية بالتعريض و لم يفصلوا بينهما فقال ابن سنان إن قول إمرئ القيس

فصرنا إلى الحسنى و رق كلامنا
و رضت فذلت صعبة أي إذلال

[ 60 ]

من باب الكناية و الصحيح أنه من باب التعريض . قال و قد قال الغانمي و العسكري و ابن حمدون و غيرهم نحو ذلك و مزجوا أحد القسمين بالآخر . قال و قد حد قوم الكناية فقالوا هي اللفظ الدال على الشي‏ء بغير الوضع الحقيقي بوصف جامع بين الكناية و المكنى عنه كاللمس و الجماع فإن الجماع اسم لموضوع حقيقي و اللمس كناية عنه و بينهما وصف جامع إذ الجماع لمس و زيادة فكان دالا عليه بالوضع المجازي . قال و هذا الحد فاسد لأنه يجوز أن يكون حدا للتشبيه و المشبه فإن التشبيه هو اللفظ الدال على الوضع الحقيقي الجامع بين المشبه و المشبه به في صفة من الأوصاف أ لا ترى إذا قلنا زيد أسد كان ذلك لفظا دالا على غير الوضع الحقيقي بوصف جامع بين زيد و الأسد و ذلك الوصف هو الشجاعة . قال و أما أصحاب أصول الفقه فقالوا في حد الكناية إنها اللفظ المحتمل و معناه أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى و على خلافه . و هذا منقوض بالألفاظ المفردة المشتركة و بكثير من الأقوال المركبة المحتملة للشي‏ء و خلافه و ليست بكنايات . قال و عندي أن الكنايات لا بد أن يتجاذبها جانبا حقيقة و مجاز و متى أفردت جاز حملها على الجانبين معا أ لا ترى أن اللمس في قوله سبحانه أَوْ لامَسْتُمُ اَلنِّساءَ

[ 61 ]

يجوز حمله على الحقيقة و المجاز و كل منهما يصح به المعنى و لا يختل و لهذا قال الشافعي إن ملامسة المرأة تنقض الوضوء و الطهارة . و ذهب غيره إلى أن المراد باللمس في الآية الجماع و هو الكناية المجازية فكل موضع يرد فيه الكناية فسبيله هذا السبيل و ليس التشبيه بهذه الصورة و لا غيره من أقسام المجاز لأنه لا يجوز حمله إلا على جانب المجاز خاصة و لو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى أ لا ترى أنا إذا قلنا زيد أسد لم يصح أن يحمل إلا على الجهة المجازية و هي التشبيه بالأسد في شجاعته و لا يجوز حمله على الجهة الحقيقية لأن زيدا لا يكون سبعا ذا أنياب و مخالب فقد صار إذن حد الكناية أنها اللفظ الدال على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة و المجاز بوصف جامع بين الحقيقة و المجاز . قال و الدليل على ذلك أن الكناية في أصل الوضع أن تتكلم بشي‏ء و تريد غيره يقال كنيت بكذا عن كذا فهي تدل على ما تكلمت به و على ما أردته من غيره فلا يخلو إما أن يكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة و حقيقة أو في لفظ تجاذبه جانبا مجاز و مجاز أو في لفظ لا يتجاذبه أمر و ليس لنا قسم رابع . و الثاني باطل لأن ذاك هو اللفظ المشترك فإن أطلق من غير قرينة مخصصة كان مبهما غير مفهوم و إن كان معه قرينة صار مخصصا لشي‏ء بعينه و الكناية أن تتكلم بشي‏ء و تريد غيره و ذلك مخالف للفظ المشترك إذا أضيف إليه القرينة لأنه يختص بشي‏ء واحد بعينه و لا يتعداه إلى غيره و الثالث باطل أيضا لأن المجاز لا بد له من حقيقة ينقل عنها لأنه فرع عليها .

[ 62 ]

و ذلك اللفظ الدال على المجاز إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه أو لا يكون لها شركة في الدلالة عليه كان اللفظ الواحد قد دل على ثلاثة أشياء أحدها الحقيقة و الآخران المجازان . و هذا مخالف لأصل الوضع لأن أصل الوضع أن تتكلم بشي‏ء و أنت تريد غيره و هاهنا يكون قد تكلمت بشي‏ء و أنت تريد شيئين غيرين و إن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفا لأصل الوضع أيضا إذ أصل الوضع أن تتكلم بشي‏ء و أنت تريد غيره فيكون الذي تكلمت به دالا على غيره و إذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة لم يكن الذي تكلمت به و هذا محال فثبت إذن أن الكناية هي أن تتكلم بالحقيقة و أنت تريد المجاز . قال و هذا مما لم يسبقني إليه أحد . ثم قال قد يأتي من الكلام ما يجوز أن يكون كناية و يجوز أن يكون استعارة و يختلف ذلك باختلاف النظر إليه بمفرده و النظر إلى ما بعده كقول نصر بن سيار في أبياته المشهورة التي يحرض بها على بني أمية عند خروج أبي مسلم

أرى خلل الرماد و ميض جمر
و يوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالزندين توري
و إن الحرب أولها كلام

[ 63 ]

أقول من التعجب ليت شعري
أ أيقاظ أمية أم نيام

فالبيت الأول لو ورد بمفرده لكان كناية لأنه لا يجوز حمله على جانبي الحقيقة و المجاز فإذا نظرنا إلى الأبيات بجملتها كان البيت الأول المذكور استعارة لا كناية . ثم أخذ في الفرق بين الكناية و التعريض فقال التعريض هو اللفظ الدال على الشي‏ء من طريق المفهوم لا بالوضع الحقيقي و لا بالمجازي فإنك إذا قلت لمن تتوقع معروفه و صلته بغير طلب أنا محتاج و لا شي‏ء في يدي و أنا عريان و البرد قد آذاني فإن هذا و أشباهه تعريض بالطلب و ليس اللفظ موضوعا للطلب لا حقيقة و لا مجازا و إنما يدل عليه من طريق المفهوم بخلاف قوله أَوْ لامَسْتُمُ اَلنِّساءَ و على هذا ورد تفسير التعريض في خطبة النكاح كقولك للمرأة أنت جميلة أو إنك خلية و أنا عزب فإن هذا و شبهه لا يدل على طلب النكاح بالحقيقة و لا بالمجاز و التعريض أخفى من الكناية لأن دلالة الكناية وضعية من جهة المجاز و دلالة التعريض من جهة المفهوم المركب و ليست وضعية و إنما يسمى التعريض تعريضا لأن المعنى فيه يفهم من عرض اللفظ المفهوم أي من جانبه .

[ 64 ]

قال و اعلم أن الكناية تشتمل على اللفظ المفرد و اللفظ المركب فتأتي على هذا مرة و على هذا أخرى و أما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب و لا يأتي في اللفظ المفرد البتة لأنه لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة و لا من جهة المجاز بل من جهة التلويح و الإشارة و هذا أمر لا يستقل به اللفظ المفرد و يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب . قال فقد ظهر فيما قلنا في البيت الذي ذكره ابن سنان مثال الكناية و مثال التعريض هو بيت إمرئ القيس لأن غرض الشاعر منه أن يذكر الجماع إلا أنه لم يذكره بل ذكر كلاما آخر ففهم الجماع من عرضه لأن المصير إلى الحسنى و رقة الكلام لا يدلان على الجماع لا حقيقة و لا مجازا . ثم ذكر أن من باب الكناية قوله سبحانه أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ اَلسَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنَّارِ . . . الآية قال كنى بالماء عن العلم و بالأودية عن القلوب و بالزبد عن الضلال . قال و قد تحقق ما اخترعناه و قدرناه من هذه الآية لأنه يجوز حملها على جانب الحقيقة كما يجوز حملها على جانب المجاز . قال و قد أخطأ الفراء حيث زعم أن قوله سبحانه و تعالى وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبالُ كناية عن أمر النبي ص و أنه كنى عنه بالجبال قال و وجه الخطأ أنه لا يجوز أن يتجاذب اللفظ هاهنا جانبا الحقيقة و المجاز لأن مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال الحقيقية فالآية إذا من باب المجاز لا من باب الكناية .

[ 65 ]

قال و من الكنايات المستحسنة

قوله ع للحادي بالنساء يا أنجشة رفقا بالقوارير . و قول امرأة لرجل قعد منها مقعد القابلة لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه . و قول بديل بن ورقاء الخزاعي لرسول الله ص إن قريشا قد نزلت على ماء الحديبية معها العوذ المطافيل و إنهم صادوك عن البيت . قال فهذه كناية عن النساء و الصبيان لأن العوذ المطافيل الإبل الحديثات النتاج و معها أولادها . و من الكناية ما ورد في شهادة الزنا أن يشهد عليه برؤية الميل في المكحلة .

و منها قول عمر لرسول الله ص هلكت يا رسول الله قال و ما أهلكك قال حولت رحلي البارحة قال أشار بذلك إلى الإتيان في غير المأتي . و منها قول ابن سلام لمن رأى عليه ثوبا معصفرا لو أن ثوبك في تنور أهلك لكان خيرا لك . قال و من الكنايات المستقبحة قول الرضي يرثي امرأة

إن لم تكن نصلا فغمد نصول

لأن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ما يقبح و إنما سرقه من قول الفرزدق في امرأته و قد ماتت بجمع

و جفن سلاح قد رزئت فلم أنح
عليه و لم أبعث عليه البواكيا

[ 66 ]

و في جوفه من دارم ذو حفيظة
لو أن المنايا أخطأته لياليا

فأخذه الرضي فأفسده و لم يحسن تصريفه . قال فأما أمثلة التعريض فكثيرة منها قوله تعالى فَقالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَ ما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ اَلَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ اَلرَّأْيِ وَ ما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ فقوله ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا تعريض بأنهم أحق بالنبوة و أن الله تعالى لو أراد أن يجعلها في واحد من البشر لجعلها فيهم فقالوا هب إنك واحد من الملأ و موازيهم في المنزلة فما جعلك أحق بالنبوة منهم أ لا ترى إلى قوله وَ ما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ . هذه خلاصة ما ذكره ابن الأثير في هذا الباب . و اعلم أنا قد تكلمنا عليه في كثير من هذا الموضع في كتابنا الذي أفردناه للنقض عليه و هو الكتاب المسمى بالفلك الدائر على المثل السائر فقلنا أولا أنه اختار حد الكناية و شرع يبرهن على التحديد و الحدود لا يبرهن عليها و لا هي من باب الدعاوي التي تحتاج إلى الأدلة لأن من وضع لفظ الكناية لمفهوم مخصوص لا يحتاج إلى دليل كمن وضع لفظ الجدار للحائط لا يحتاج إلى دليل . ثم يقال له لم قلت إنه لا بد من أن يتردد لفظ الكناية بين محملي حقيقة و مجاز و لم لا يتردد بين مجازين و ما استدللت به على ذلك لا معنى له . . . . أما أولا فلأنك أردت أن تقول إما أن تكون للفظة الدالة على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة أو لا يكون لها في الدلالة على الحقيقة شركة لأن كلامك هكذا يقتضي و لا ينتظم إلا إذا قلت هكذا فلم تقله و قلت إما أن يكون للحقيقة شركة في

[ 67 ]

اللفظ الدال على المجازين و هذا قلب للكلام الصحيح و عكس له . و أما ثانيا فلم قلت إنه لا يكون للفظة الدالة على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة التي هي أصل لهما فأما قولك هذا فيقتضي أن يكون الإنسان متكلما بشي‏ء و هو يريد شيئين غيره و أصل الوضع أن يتكلم بشي‏ء و هو يريد غيره فليس معنى قولهم الكناية أن تتكلم بشي‏ء و أنت تريد غيره أنك تريد شيئا واحدا غيره كلا ليس هذا هو المقصود بل المقصود أن تتكلم بشي‏ء و أنت تريد ما هو مغاير له و إن أردت شيئا واحدا أو شيئين أو ثلاثة أشياء أو ما زاد فقد أردت ما هو مغاير له لأن كل مغاير لما دل عليه ظاهر لفظك فليس في لفظه غير ما يقتضي الوحدة و الإفراد . و أما ثالثا فلم لا يجوز أن يكون للفظ الدال على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة أصلا بل يدل على المجازين فقط فأما قولك إذا خرجت الحقيقة عن أن يكون لها في ذلك شركة لم يكن الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به و هو محال و مرادك بهذا الكلام المقلوب أنه إذا خرجت اللفظة عن أن يكون لها شركة في الدلالة على الحقيقة التي هي موضوعة لها في الأصل لم يكن ما تكلم به الإنسان دالا على ما تكلم به و هو حقيقة و لا دالا أيضا على ما تكلم به و هو مجاز لأنه إذا لم يدل على الحقيقة و هي الأصل لم يجز أن يدل على المجاز الذي هو الفرع لأن انتفاء الدلالة على الأصل يوجب انتفاء الدلالة على الفرع و هكذا يجب أن يتأول استدلاله و إلا لم يكن له معنى محصل لأن اللفظ هو الدال على مفهوماته و ليس المفهوم دالا على اللفظ و لا له شركة في الدلالة عليه و لا على مفهوم آخر يعترض اللفظ بتقدير انتقال اللفظ اللهم إلا أن يكون دلالة عقلية و كلامنا في الألفاظ و دلالتها .

[ 68 ]

فإذا أصلحنا كلامه على ما ينبغي قلنا له في الاعتراض عليه لم قلت إنه إذا خرج اللفظ عن أن يكون له شركة في الدلالة على الحقيقة لم يكن ما تكلم به الإنسان دالا على ما تكلم به و لم لا يجوز أن يكون للحقيقة مجازان قد كثر استعمالهما حتى نسيت تلك الحقيقة فإذا تكلم الإنسان بذلك اللفظ كان دالا به على أحد ذينك المجازين و لا يكون له تعرض ما بتلك الحقيقة فلا يكون الذي تكلم به غير دال على ما تكلم به لأن حقيقة تلك اللفظة قد صارت ملغاة منسية فلا يكون عدم إرادتها موجبا أن يكون اللفظ الذي يتكلم به المتكلم غير دال على ما تكلم به لأنها قد خرجت بترك الاستعمال عن أن تكون هي ما تكلم به المتكلم . ثم يقال إنك منعت أن يكون قولنا زيد أسد كناية و قلت لأنه لا يجوز أن يحمل أحد هذا اللفظ على أن زيدا هو السبع ذو الأنياب و المخالب و منعت من قول الفراء إن الجبال في قوله لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبالُ كناية عن دعوة محمد ص و شريعته لأن أحدا لا يعتقد و لا يتصور أن مكر البشر يزيل الجبال الحقيقية عن أماكنها و منعت من قول من قال إن قول الشاعر

و لو سكتوا أثنت عليك الحقائب

من باب الكناية لأن أحدا لا يتصور أن الحقائب و هي جمادات تثني و تشكر . و قلت لا بد أن يصح حمل لفظ الكناية على محملي الحقيقة و المجاز ثم قلت إن

[ 69 ]

قول عبد الله بن سلام لصاحب الثوب المعصفر لو أنك جعلت ثوبك في تنور أهلك كناية و قول الرضي في امرأة ماتت

إن لم تكن نصلا فغمد نصول

كناية و إن كانت مستقبحة

و قول النبي ص يا أنجشة رفقا بالقوارير و هو يحدو بالنساء كناية فهل يجيز عاقل قط أو يتصور في الأذهان أن تكون المرأة غمدا للسيف و هل يحمل أحد قط قوله للحادي رفقا بالقوارير على أنه يمكن أن يكون نهاه عن العنف بالزجاج أو يحمل أحد قط قول ابن سلام على أنه أراد إحراق الثوب بالنار أو يحمل قط أحد قوله الميل في المكحلة على حقيقتها أو يحمل قط أحد قوله لا يحل لك فض الخاتم على حقيقته و هل يشك عاقل قط في أن هذه الألفاظ ليست دائرة بين المحملين دوران اللمس و الجماع و المصافحة و هذه مناقضة ظاهرة و لا جواب عنها إلا بإخراج هذه المواضع من باب الكناية أو بحذف ذلك الشرط الذي اشترطته في حد الكناية . فأما ما ذكره حكاية عن غيره في حد الكناية بأنها اللفظ الدال على الشي‏ء بغير الوضع الحقيقي بوصف جامع بين الكناية و المكنى عنه و قوله هذا الحد هو حد التشبيه فلا يجوز أن يكون حد الكناية . فلقائل أن يقول إذا قلنا زيد أسد كان ذلك لفظا دالا على غير الوضع الحقيقي و ذلك المدلول هو بعينه الوصف المشترك بين المشبه و المشبه به أ لا ترى أن المدلول هو الشجاعة و هي المشترك بين زيد و الأسد و أصحاب الحد قالوا في حدهم الكناية هي اللفظ الدال على الشي‏ء بغير الوضع الحقيقي باعتبار وصف جامع بينهما فجعلوا المدلول أمرا

[ 70 ]

و الوصف الجامع أمرا آخر باعتباره وقت الدلالة أ لا ترى أن لفظ لامَسْتُمُ يدل على الجماع الذي لم يوضع لفظ لامَسْتُمُ له و إنما يدل عليه باعتبار أمر آخر هو كون الملامسة مقدمة الجماع و مفضية إليه فقد تغاير إذن حد التشبيه و حد الكناية و لم يكن أحدهما هو الآخر . فأما قوله إن الكناية قد تكون بالمفردات و التعريض لا يكون بالمفردات فدعوى و ذلك أن اللفظ المفرد لا ينتظم منه فائدة و إنما تفيد الجملة المركبة من مبتدأ و خبر أو من فعل و فاعل و الكناية و التعريض في هذا الباب سواء و أقل ما يمكن أن يقيد في الكناية قولك لامست هندا و كذلك أقل ما يمكن أن يفيد في التعريض أنا عزب كما قد ذكره هو في أمثلة التعريض فإن قال أردت أنه قد يقال اللمس يصلح أن يكنى به عن الجماع و اللمس لفظ مفرد قيل له و قد يقال التعزب يصلح أن يعرض به في طلب النكاح . فأما قوله إن بيت نصر بن سيار إذا نظر إليه لمفرده صلح أن يكون كناية و إنما يخرجه عن كونه كناية ضم الأبيات التي بعده إليه و يدخله في باب الاستعارة فلزم عليه أن يخرج قول عمر حولت رحلي عن باب الكناية بما انضم إليه من قوله هلكت

و بما أجابه رسول الله ص من قوله أقبل و أدبر و اتق الدبر و الحيضة و بقرينة الحال و كان يجب إلا تذكر هذه اللفظة في أمثلة الكنايات . فأما بيت إمرئ القيس فلا وجه لإسقاطه من باب الكناية و إدخاله في باب

[ 71 ]

التعريض إلا فيما اعتمد عليه من أن من شرط الكناية أن يتجاذبها جانبا حقيقة و مجاز و قد بينا بطلان اشتراط ذلك فبطل ما يتفرع عليه . و أما قول بديل بن ورقاء معها العوذ المطافيل فإنه ليس بكناية عن النساء و الأولاد كما زعم بل أراد به الإبل و نتاجها فإن كتب السير كلها متفقة على أن قريشا لم يخرج معها في سنة الحديبية نساؤها و أولادها و لم يحارب رسول الله ص قوما أحضروا معهم نساءهم و أولادهم إلا هوازن يوم حنين و إذا لم يكن لهذا الوجه حقيقة و لا وجود فقد بطل حمل اللفظ عليه . فأما ما زرى به على الرضي رحمه الله تعالى من قوله

إن لم تكن نصلا فغمد نصول

و قوله هذا مما يسبق الوهم فيه إلى ما يستقبح و استحسانه شعر الفرزدق و قوله إن الرضي أخذه منه فأساء الأخذ فالوهم الذي يسبق إلى بيت الرضي يسبق مثله إلى بيت الفرزدق لأنه قد جعل هذه المرأة جفن السلاح فإن كان الوهم يسبق هناك إلى قبيح فهاهنا أيضا يسبق إلى مثله . و أما الآية التي مثل بها على التعريض فإنه قال إن قوله تعالى ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه و لم يبين ذلك و إنما قال فحوى الكلام أنهم قالوا له هب إنك واحد من الملإ و موازيهم في المنزلة فما جعلك أحق بالنبوة منهم أ لا ترى إلى قوله وَ ما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ و هذا الكلام لا يقتضي ما ادعاه أولا من التعريض لأنه ادعى أن قوله ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه و ما قرره به يقتضي مساواته لهم و لا يقتضي كونهم أحق بالنبوة منه فبطل دعوى الأحقية التي زعم أن التعريض إنما كان بها .

[ 72 ]

فأما قوله تعالى أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ اَلسَّيْلُ زَبَداً و قوله إن هذا من باب الكناية و إنه تعالى كنى به عن العلم و الضلال و قلوب البشر فبعيد و الحكيم سبحانه لا يجوز أن يخاطب قوما بلغتهم فيعمي عليهم و أن يصطلح هو نفسه على ألفاظ لا يفهمون المراد بها و إنما يعلمها هو وحده أ لا ترى أنه لا يجوز أن يحمل قوله تعالى وَ لَقَدْ زَيَّنَّا اَلسَّماءَ اَلدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ على أنه أراد أنا زينا رءوس البشر بالحواس الباطنة و الظاهرة المجعولة فيها و جعلناها بالقوى الفكرية و الخيالية المركبة في الدماغ راجمة و طاردة للشبه المضلة و إن من حمل كلام الحكيم سبحانه على ذلك فقد نسبه إلى الإلغاز و التعمية و ذلك يقدح في حكمته تعالى و المراد بالآية المقدم ذكرها ظاهرها و المتكلف لحملها على غيرها سخيف العقل و يؤكد ذلك قوله تعالى وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنَّارِ اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ أ فترى الحكيم سبحانه يقول إن للذهب و الفضة زبدا مثل الجهل و الضلال و يبين ذلك قوله كَذلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ اَلْأَمْثالَ فضرب سبحانه الماء الذي يبقى في الأرض فينتفع به الناس و الزبد الذي يعلو فوق الماء فيذهب جفاء مثلا للحق و الباطل كما صرح به سبحانه فقال كَذلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ اَلْحَقَّ وَ اَلْباطِلَ و لو كانت هذه الآية من باب الكنايات و قد كنى سبحانه بالأودية عن القلوب و بالماء الذي أنزله من السماء عن العلم و بالزبد عن الضلال لما جعل تعالى هذه الألفاظ أمثالا فإن الكناية خارجة عن باب المثل و لهذا لا تقول إن قوله تعالى أَوْ لامَسْتُمُ اَلنِّساءَ من باب المثل و لهذا أفرد هذا الرجل في كتابه بابا آخر غير باب الكناية سماه باب المثل و جعلهما قسمين متغايرين في علم البيان و الأمر في هذا

[ 73 ]

الموضع واضح و لكن هذا الرجل كان يحب هذه الترهات و يذهب وقته فيها و قد استقصينا في مناقضته و الرد عليه في كتابنا الذي أشرنا إليه . فأما قوله ع كلما نجم منهم قرن قطع فاستعارة حسنة يريد كلما ظهر منهم قوم استؤصلوا فعبر عن ذلك بلفظة قرن كما يقطع قرن الشاة إذا نجم و قد صح إخباره ع عنهم أنهم لم يهلكوا بأجمعهم في وقعة النهروان و أنها دعوة سيدعو إليها قوم لم يخلقوا بعد و هكذا وقع و صح إخباره ع أيضا أنه سيكون آخرهم لصوصا سلابين فإن دعوة الخوارج اضمحلت و رجالها فنيت حتى أفضى الأمر إلى أن صار خلفهم قطاع طريق متظاهرين بالفسوق و الفساد في الأرض