عود إلى أخبار الخوارج و ذكر رجالهم و حروبهم

ذكر أبو العباس المبرد في الكتاب الكامل أن عروة بن أدية أحد بني ربيعة بن حنظلة و يقال إنه أول من حكم حضر حرب النهروان و نجا فيها فيمن نجا فلم يزل باقيا مدة من خلافة معاوية ثم أخذ فأتي به زياد و معه مولى له فسأله عن أبي بكر و عمر فقال خيرا فقال له فما تقول في عثمان و في أبي تراب فتولي عثمان ست سنين من خلافته ثم شهد عليه بالكفر و فعل في أمر علي ع مثل ذلك إلى أن حكم ثم شهد عليه بالكفر ثم سأله عن معاوية فسبه سبا قبيحا ثم سأله عن نفسه فقال أولك لريبة و آخرك لدعوة و أنت بعد عاص ربك فأمر فضربت عنقه ثم دعا مولاه فقال صف لي أموره فقال أ أطنب أم أختصر قال بل اختصر قال ما أتيته بطعام في نهار قط و لا فرشت له فراشا في ليل قط . قال و حدثت أن واصل بن عطاء أبا حذيفة أقبل في رفقة فأحسوا بالخوارج فقال واصل لأهل الرفقة إن هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا و دعوني و إياهم و قد كانوا قد أشرفوا على العطب فقالوا شأنك فخرج إليهم فقالوا ما أنت و أصحابك فقال قوم مشركون مستجيرون بكم ليسمعوا كلام الله و يفهموا حدوده فقالوا قد أجرناكم قال فعلمونا فجعلوا يعلمونهم أحكامهم و واصل يقول قد قبلت أنا و من معي قالوا فامضوا مصاحبين فإنكم إخواننا فقال ليس ذاك إليكم قال الله و عز و جل وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اَللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ

[ 81 ]

فأبلغونا مأمننا فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا ذاك لكم فساروا معهم بجمعهم حتى أبلغوهم المأمن . و قال أبو العباس أتي عبد الملك بن مروان برجل من الخوارج فبحثه فرأى منه ما شاء فهما و علما ثم بحثه فرأى منه ما شاء أدبا و ذهنا فرغب فيه فاستدعاه إلى الرجوع عن مذهبه فرآه مستبصرا محققا فزاده في الاستدعاء فقال تغنيك الأولى عن الثانية و قد قلت و سمعت فاسمع أقل قال قل فجعل يبسط من قول الخوارج و يزين له من مذهبهم بلسان طلق و ألفاظ بينة و معان قريبة فقال عبد الملك بعد ذلك على معرفته و فضله لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة إنما خلقت لهم و أني أولى العباد بالجهاد منهم ثم رجعت إلى ما ثبت الله علي من الحجة و قرر في قلبي من الحق فقلت له الدنيا و الآخرة لله و قد سلطنا الله في الدنيا و مكن لنا فيها و أراك لست تجيبنا إلى ما نقول و الله لأقتلنك إن لم تطع فأنا في ذلك إذ دخل علي بابني مروان . قال أبو العباس و كان مروان أخا يزيد بن عبد الملك لأمه أمهما عاتكة بنت يزيد بن معاوية و كان أبيا عزيز النفس فدخل به على أبيه في هذا الوقت باكيا

[ 82 ]

لضرب المؤدب إياه فشق ذلك على عبد الملك فأقبل عليه الخارجي و قال له دعه يبك فإنه أرحب لشدقه و أصح لدماغه و أذهب لصوته و أحرى ألا تأبى عليه عينه إذا حضرته طاعة و استدعى عبرتها . فأعجب ذلك من قوله عبد الملك و قال له متعجبا أ ما يشغلك ما أنت فيه و يعرضك عن هذا فقال ما ينبغي أن يشغل المؤمن عن قول الحق شي‏ء فأمر بحبسه و صفح عن قتله و قال بعد معتذرا إليه لو لا أن تفسد بألفاظك أكثر رعيتي ما حبستك ثم قال عبد الملك لقد شككني و وهمني حتى مالت بي عصمة الله و غير بعيد أن يستهوي من بعدي