مرداس بن حدير

قال أبو العباس و كان من المجتهدين من الخوارج البلجاء و هي امرأة من بني حرام بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم . و كان مرداس بن حدير أبو بلال أحد بني ربيعة بن حنظلة ناسكا تعظمه الخوارج و كان كثير الصواب في لفظه مجتهدا فلقيه غيلان بن خرشة الضبي فقال يا أبا بلال إني سمعت الأمير البارحة يعني عبيد الله بن زياد يذكر البلجاء و أحسبها ستؤخذ فمضى إليها أبو بلال فقال إن الله قد وسع على المؤمنين في التقية فاستتري فإن هذا

[ 83 ]

المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك قالت إن يأخذني فهو أشقى به فأما أنا فما أحب أن يعنت إنسان بسببي فوجه إليها عبيد الله بن زياد فأتي بها فقطع يديها و رجليها و رمى بها في السوق فمر بها أبو بلال و الناس مجتمعون فقال ما هذا قالوا البلجاء فعرج إليها فنظر ثم عض على لحيته و قال لنفسه لهذه أطيب نفسا من بقية الدنيا منك يا مرداس . قال ثم إن عبيد الله أخذ مرداسا فحبسه فرأى صاحب السجن منه شدة اجتهاده و حلاوة منطقه فقال له إني أرى لك مذهبا حسنا و إني لأحب أن أوليك معروفا أ فرأيتك إن تركتك تنصرف ليلا إلى بيتك أ تدلج إلي قال نعم فكان يفعل ذلك به . و لج عبيد الله في حبس الخوارج و قتلهم و كلم في بعضهم فأبى و قال أقمع النفاق قبل أن ينجم لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع . فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلا من الشرطة فقال ابن زياد ما أدري ما أصنع بهؤلاء كلما أمرت رجلا بقتل رجل منهم فتكوا بقاتله لأقتلن من في حبسي منهم و أخرج السجان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل فأتى مرداسا الخبر فلما كان في السحر تهيأ للرجوع إلى السجن فقال له أهله اتق الله في نفسك فإنك إذا رجعت قتلت فأبى و قال و الله ما كنت لألقى الله غادرا فرجع إلى السجان فقال إني قد علمت ما عزم عليه صاحبك قال أعلمت ثم جئت .

[ 84 ]

قال أبو العباس و يروى أن مرداسا مر بأعرابي يهنأ بعيرا له فهرج البعير فسقط مرداس مغشيا عليه فظن الأعرابي أنه صرع فقرأ في أذنه فلما أفاق قال له الأعرابي إني قرأت في أذنك فقال مرداس ليس بي ما خفته علي و لكني رأيت بعيرا هرج من القطران فذكرت به قطران جهنم فأصابني ما رأيت فقال الأعرابي لا جرم و الله لا أفارقك أبدا . قال أبو العباس و كان مرداس قد شهد مع علي ع صفين ثم أنكر التحكيم و شهد النهروان و نجا فيمن نجا ثم حبسه ابن زياد كما ذكرناه و خرج من حبسه فرأى جد ابن زياد في طلب الشراة فعزم على الخروج فقال لأصحابه إنه و الله ما يسعنا المقام مع هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل مفارقين للقصد و الله إن الصبر على هذا لعظيم و إن تجريد السيف و إخافة الناس لعظيم و لكنا ننتبذ عنهم و لا نجرد سيفا و لا نقاتل إلا من قاتلنا فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا منهم حريث بن حجل و كهمس بن طلق الصريمي و أرادوا أن يولوا أمرهم حريثا فأبى فولوا أمرهم مرداسا فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رباح الأنصاري و كان له صديقا فقال يا أخي أين تريد قال أريد أن أهرب بديني و دين أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة فقال أ علم بكم أحد قال لا قال فارجع قال أ و تخاف علي نكرا قال نعم و أن يؤتى بك قال لا تخف فإني لا أجرد سيفا و لا أخيف أحدا و لا أقاتل إلا من قاتلني . ثم مضى حتى نزل آسك و هي ما بين رامهرمز و أرجان فمر به مال يحمل إلى ابن

[ 85 ]

زياد و قد قارب أصحابه الأربعين فحط ذلك المال و أخذ منه عطاءه و عطاء أصحابه و رد الباقي على الرسل و قال قولوا لصاحبكم إنا قبضنا أعطياتنا فقال بعض أصحابه علام ندع الباقي فقال إنهم يقيمون هذا الفي‏ء كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم على الصلاة . قال أبو العباس و لأبي بلال مرداس في الخروج أشعار اخترت منها قوله

أ بعد ابن وهب ذي النزاهة و التقى
و من خاض في تلك الحروب المهالكا
أحب بقاء أو أرجي سلامة
و قد قتلوا زيد بن حصن و مالكا
فيا رب سلم نيتي و بصيرتي
و هب لي التقى حتى ألاقي أولئكا

قال أبو العباس ثم إن عبيد الله بن زياد ندب جيشا إلى خراسان فحكى بعض من كان في ذلك الجيش قال مررنا بآسك فإذا نحن بهم ستة و ثلاثين رجلا فصاح بنا أبو بلال أ قاصدون لقتالنا أنتم قال و كنت أنا و أخي قد دخلنا زربا فوقف أخي ببابه فقال السلام عليكم فقال مرداس و عليكم السلام ثم قال لأخي أ جئتم لقتالنا قال لا إنما نريد خراسان قال فأبلغوا من لقيتم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض و لا لنروع أحدا و لكن هربا من الظلم و لسنا نقاتل إلا من يقاتلنا و لا نأخذ من الفي‏ء إلا أعطياتنا ثم قال أ ندب لنا أحد قلنا نعم أسلم بن زرعة الكلابي قال فمتى ترونه يصل إلينا قلنا يوم كذا و كذا فقال أبو بلال حسبنا الله و نعم الوكيل . قال أبو العباس و جهز عبيد الله بن زياد أسلم بن زرعة في أسرع مدة و وجهه إليهم

[ 86 ]

في ألفين و قد تتام أصحاب مرداس أربعين رجلا فلما صار أسلم إليهم صاح به أبو بلال اتق الله يا أسلم فإنا لا نريد فسادا في الأرض و لا نحتجر فيئا فما الذي تريد قال أريد أن أردكم إلى ابن زياد قال إذن يقتلنا قال و إن قتلكم قال تشرك في دمائنا قال إني أدين بأنه محق و أنتم مبطلون فصاح به حريث بن حجل أ هو محق و هو يطيع الفجرة و هو أحدهم و يقتل بالظنة و يخص بالفي‏ء و يجور في الحكم أ ما علمت أنه قتل بابن سعاد أربعة برآء و أنا أحد قتلته و قد وضعت في بطنه دراهم كانت معه . ثم حملوا على أسلم حملة رجل واحد فانهزم هو و أصحابه من غير قتال و كاد يأسره معبد أحد الخوارج فلما عاد إلى ابن زياد غضب عليه غضبا شديدا و قال ويلك أ تمضي في ألفين فتهزم بهم من حملة أربعين فكان أسلم يقول لأن يذمني ابن زياد و أنا حي أحب إلي أن يمدحني و أنا ميت . و كان إذا خرج إلى السوق أو مر بصبيان صاحوا به أبو بلال وراءك و ربما صاحوا به يا معبد خذه حتى شكا إلى ابن زياد فأمر الشرط أن يكفوا الناس عنه ففي ذلك يقول عيسى بن فاتك من بني تيم اللات بن ثعلبة أحد الخوارج

فلما أصبحوا صلوا و قاموا
إلى الجرد العتاق مسومينا
فلما استجمعوا حملوا عليهم
فظل ذوو الجعائل يقتلونا
بقية يومهم حتى أتاهم
سواد الليل فيه يراوغونا
يقول نصيرهم لما أتاهم
فإن القوم ولوا هاربينا
أ ألفا مؤمن فيكم زعمتم
و يهزمكم بآسك أربعونا

[ 87 ]

كذبتم ليس ذاك كما زعمتم
و لكن الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة غير شك
على الفئة الكثيرة ينصرونا

قال أبو العباس أما قول حريث بن حجل أ ما علمت أنه قتل بابن سعاد أربعة برآء و أنا أحد قتلته فابن سعاد هو المثلم بن مسروح الباهلي و سعاد اسم أمه و كان من خبره أنه ذكر لعبيد الله بن زياد رجل من سدوس يقال له خالد بن عباد أو ابن عبادة و كان من نساك الخوارج فوجه إليه فأخذه فأتاه رجل من آل ثور فكذب عنه و قال هو صهري و في ضمني فخلى عنه فلم يزل الرجل يتفقده حتى تغيب فأتى ابن زياد فأخبره فلم يزل يبعث إلى خالد بن عباد حتى ظفر به فأخذه فقال أين كنت في غيبتك هذه قال كنت عند قوم يذكرون الله و يسبحونه و يذكرون أئمة الجور فيتبرءون منهم قال ادللني عليهم قال إذن يسعدوا و تشقى و لم أكن لأروعهم قال فما تقول في أبي بكر و عمر فقال خيرا قال فما تقول في عثمان و في معاوية أ تتولاهما فقال إن كانا وليين لله فلست معاديهما فأراغه مرارا ليرجع عن قوله فلم يفعل فعزم على قتله فأمر بإخراجه إلى رحبة تعرف برحبة الرسي و قتله بها فجعل الشرطة يتفادون من قتله و يروغون عنه توقيا لأنه كان متقشفا عليه أثر العبادة حتى أتى المثلم بن مسروح الباهلي و كان من الشرطة فتقدم فقتله فائتمر به الخوارج أن يقتلوه و كان مغرما باللقاح يتبعها فيشتريها من مظانها و هم في تفقده فدسوا إليه رجلا في هيئة الفتيان عليه ردع

[ 88 ]

زعفران فلقيه بالمربد و هو يسأل عن لقحة صفي فقال له الفتى إن كنت تبتغي فعندي ما يغنيك عن غيره فامض معي فمضى المثلم معه على فرسه يمشي الفتى أمامه حتى أتى به بني سعد فدخل دارا و قال له أدخل علي فرسك فلما دخل و توغل في الدار أغلق الباب و ثارت به الخوارج فاعتوره حريث بن حجل و كهمس بن طلق الصريمي فقتلاه و جعلا دراهم كانت معه في بطنه و دفناه في ناحية الدار و حكا آثار الدم و خليا فرسه في الليل فأصيب في الغد في المربد و تجسس عنه الباهليون فلم يروا له أثرا فاتهموا بني سدوس به فاستعدوا عليهم السلطان و جعل السدوسية يحلفون فتحامل ابن زياد مع الباهليين فأخذ من السدوسيين أربع ديات و قال ما أدري ما أصنع بهؤلاء الخوارج كلما أمرت بقتل رجل اغتالوا قاتله فلم يعلم بمكان المثلم حتى خرج مرداس و أصحابه فلما واقفهم ابن زرعة الكلابي صاح بهم حريث و قال أ هاهنا من باهلة أحد قالوا نعم قال يا أعداء الله أخذتم للمثلم من بني سدوس أربع ديات و أنا قتلته و جعلت دراهم كانت معه في بطنه و هو في موضع كذا مدفون فلما انهزم ابن زرعة و أصحابه صاروا إلى الدار فأصابوا أشلاءه ففي ذلك يقول أبو الأسود

و آليت لا أغدو إلى رب لقحة
أساومه حتى يئوب المثلم

[ 89 ]

قال أبو العباس فأما ما كان من مرداس فإن عبيد الله بن زياد ندب إليه الناس فاختار عباد بن أخضر المازني و ليس بابن أخضر بل هو عباد بن علقمة المازني و كان أخضر زوج أمه و غلب عليه فوجهه إلى مرداس و أصحابه في أربعة آلاف فارس و كانت الخوارج قد تنحت من موضعها بدارابجرد من أرض فارس فصار إليهم عباد فكان التقاؤهم في يوم جمعة فناداه أبو بلال اخرج إلي يا عباد فإني أريد أن أحاورك فخرج إليه فقال ما الذي تبغي قال أن آخذ بأقفيتكم فأردكم إلى الأمير عبيد الله بن زياد قال أ و غير ذلك إن نرجع فإنا لا نخيف سبيلا و لا نذعر مسلما و لا نحارب إلا من يحاربنا و لا نجبي إلا ما حمينا فقال عباد الأمر ما قلت لك فقال له حريث بن حجل أ تحاول أن ترد فئة من المسلمين إلى جبار عنيد ضال فقال لهم أنتم أولى بالضلال منه و ما من ذاك من بد . قال و قدم القعقاع بن عطية الباهلي من خراسان يريد الحج فلما رأى الجمعين قال ما هذا قالوا الشراة فحمل عليهم و نشبت الحرب بينهم فأخذت الخوارج القعقاع أسيرا فأتوا به أبا بلال فقال له من أنت قال ما أنا من أعدائك إنما قدمت للحج فحملت و غررت فأطلقه فرجع إلى عباد و أصلح من شأنه و حمل على الخوارج ثانية و هو يقول

أقاتلهم و ليس علي بعث
نشاطا ليس هذا بالنشاط
أكر على الحروريين مهري
لأحملهم على وضح الصراط

فحمل عليه حريت بن حجل السدوسي و كهمس بن طلق الصريمي فأسراه و قتلاه و لم يأتيا به أبا بلال و لم يزل القوم يجتلدون حتى جاء وقت صلاة الجمعة فناداهم أبو بلال يا قوم هذا وقت الصلاة فوادعونا حتى نصلي و تصلوا قالوا لك ذاك فرمى القوم

[ 90 ]

أجمعون بأسلحتهم و عمدوا للصلاة فأسرع عباد و من معه و قضوا صلاتهم و الحرورية مبطئون فيهم ما بين راكع و ساجد و قائم في الصلاة و قاعد حتى مال عليهم عباد و من معه فقتلوهم جميعا و أتي برأس أبي بلال . قال و يرى الشراة أن مرداسا أبا بلال لما عقد على أصحابه و عزم على الخروج رفع يديه فقال اللهم إن كان ما نحن فيه حقا فأرنا آية فرجف البيت . و قال آخرون فارتفع السقف . و يقال إن رجلا من الخوارج ذكر ذلك لأبي العالية الرياحي يعجبه من الآية و يرغبه في مذهب القوم فقال أبو العالية كاد الخسف ينزل بهم ثم أدركتهم نظرة من الله . قال فلما فرغ عباد من الجماعة أقبل بهم فصلب رءوسهم و فيهم داود بن شبيب و كان ناسكا و فيهم حبيبة البكري من عبد القيس و كان مجتهدا و يروى عنه أنه قال لما عزمت على الخروج فكرت في بناتي فقلت ذات ليلة لأمسكن عن نفقتهن حتى أنظر فلما كان في جوف الليل استسقت بنية لي فقالت يا أبت اسقني فلم أجبها و أعادت فقامت أخت لها فسقتها فعلمت أن الله عز و جل غير مضيعهن فأتممت عزمي . و كان في القوم كهمس و كان من أبر الناس بأمه فقال لها يا أمه لو لا مكانك لخرجت فقالت يا بني وهبتك لله . ففي مقتلهم يقول عيسى بن فاتك الخطي

ألا في الله لا في الناس سالت
بداود و إخوته الجذوع
مضوا قتلا و تمزيقا و صلبا
تحوم عليهم طير وقوع
إذا ما الليل أظلم كابدوه
فيسفر عنهم و هم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا
و أهل الأرض في الدنيا هجوع

[ 91 ]

و قال عمران بن حطان

يا عين بكي لمرداس و مصرعه
يا رب مرداس اجعلني كمرداس
تركتني هائما أبكي لمرزئه
في منزل موحش من بعد إيناس
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه
ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
إما شربت بكأس دار أولها
على القرون فذاقوا جرعة الكأس
فكل من لم يذقها شاربا عجلا
يسقى بأنفاس ورد بعد أنفاس

و قال أيضا

لقد زاد الحياة إلي بغضا
و حبا للخروج أبو بلال
أحاذر أن أموت على فراشي
و أرجو الموت تحت ذرا العوالي
فمن يك همه الدنيا فإني
لها و الله رب البيت قال