عمران بن حطان

و قال أبو العباس و عمران هذا أحد بني عمرو بن يسار بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عك بن بكر بن وائل و كان رأس القعد من الصفرية و فقيههم و خطيبهم و شاعرهم و شعره هذا بخلاف شعر أبي خالد القناني و كان من قعد الخوارج أيضا و قد كان كتب قطري بن الفجاءة المازني يلومه على القعود

[ 92 ]

أبا خالد أيقن فلست بخالد
و ما جعل الرحمن عذرا لقاعد
أ تزعم أن الخارجي على الهدى
و أنتم مقيم بين لص و جاحد

فكتب إليه أبو خالد

لقد زاد الحياة إلي حبا
بناتي إنهن من الضعاف
أحاذر أن يرين الفقر بعدي
و أن يشربن رنقا بعد صاف
و أن يعرين إن كسي الجواري
فتنبو العين عن كرم عجاف
و لو لا ذاك قد سومت مهري
و في الرحمن للضعفاء كاف

و قال أبو العباس و مما حدثني به العباس بن أبي الفرج الرياشي عن محمد بن سلام أن عمران بن حطان لما طرده الحجاج جعل يتنقل في القبائل و كان إذا نزل بحي انتسب نسبا يقرب منهم ففي ذلك يقول

نزلنا في بني سعد بن زيد
و في عك و عامر عوبثان
و في لخم و في أدد بن عمرو
و في بكر و حي بني الغدان

ثم خرج حتى لقي روح بن زنباع الجذامي و كان روح يقري الأضياف و كان مسايرا لعبد الملك بن مروان أثيرا عنده و قال ابن عبد الملك فيه من أعطي مثل ما أعطي أبو زرعة أعطي فقه الحجاز و دهاء أهل العراق و طاعة أهل الشام . و انتمى عمران إليه أنه من الأزد فكان روح لا يسمع شعرا نادرا و لا حديثا غريبا

[ 93 ]

عند عبد الملك فيسأل عنه عمران إلا عرفه و زاد فيه فقال روح لعبد الملك إن لي ضيفا ما أسمع من أمير المؤمنين خبرا و لا شعرا إلا عرفه و زاد فيه فقال أخبرني ببعض أخباره فأخبره و أنشده فقال إن اللغة لغة عدنانية و لا أحسبه إلا عمران بن حطان حتى تذاكروا ليلة البيتين اللذين أولهما يا ضربة . . . . فلم يدر عبد الملك لمن هما فرجع روح فسأل عمران عنهما فقال هذا الشعر لعمران بن حطان يمدح عبد الرحمن بن ملجم فرجع روح إليه فأخبره فقال ضيفك عمران بن حطان فاذهب فجئني به فرجع إليه فقال أمير المؤمنين قد أحب أن يراك فقال له عمران قد أردت أن أسألك ذاك فاستحييت منك فاذهب فإني بالأثر فرجع روح إلى عبد الملك فخبره فقال أما إنك سترجع فلا تجده فرجع فوجد عمران قد احتمل و خلف رقعة فيها

يا روح كم من أخي مثوى نزلت به
قد ظن ظنك من لخم و غسان
حتى ذا خفته زايلت منزله
من بعد ما قيل عمران بن حطان
قد كنت جارك حولا لا يروعني
فيه طوارق من إنس و لا جان
حتى أردت بي العظمى فأدركني
ما أدرك الناس من خوف ابن مروان
فاعذر أخاك ابن زنباع فإن له
في الحادثات هنات ذات ألوان
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن
و إن لقيت معديا فعدناني
لو كنت مستغفرا يوما لطاغية
كنت المقدم في سري و إعلاني
لكن أبت ذاك آيات مطهرة
عند التلاوة في طه و عمران

[ 94 ]

ثم ارتحل حتى نزل بزفر بن الحارث أحد بني عمرو بن كلاب فانتسب له أوزاعيا و كان عمران يطيل الصلاة فكان غلمان بني عامر يضحكون منه فأتاه رجل ممن كان عند روح فسلم عليه فدعاه زفر فقال له من هذا فقال رجل من الأزد رأيته ضيفا لروح بن زنباع فقال له زفر يا هذا أزديا مرة و أوزاعيا أخرى إن كنت خائفا أمناك و إن كنت فقيرا جبرناك فلما أمسى خلف في منزله رقعة و هرب فوجدوا فيها

إن التي أصبحت يعيا بها زفر
أعيت عياء على روح بن زنباع
ما زال يسألني حولا لأخبره
و الناس ما بين مخدوع و خداع
حتى إذا انقطعت مني وسائله
كف السؤال و لم يولع بإهلاع
فاكفف لسانك عن لومي و مسألتي
ما ذا تريد إلى شيخ بلا راع
فاكفف كما كف عني إنني رجل
إما صميم و إما فقعة القاع

[ 95 ]

أما الصلاة فإني غير تاركها
كل امرئ للذي يعنى به ساع
أكرم بروح بن زنباع و أسرته
قوم دعا أوليهم للعلا داع
جاورتهم سنة مما أسر به
عرضي صحيح و نومي غير تهجاع
فاعمل فإنك منعي بواحدة
حسب اللبيب بهذا الشيب من داع

ثم ارتحل حتى أتى عمان فوجدهم يعظمون أمر أبي بلال و يظهر فيهم فأظهر أمره فيهم فبلغ ذلك الحجاج فكتب فيه إلى أهل عمان فهرب حتى أتى قوما من الأزد في سواد الكوفة فنزل بهم فلم يزل عندهم حتى مات و في نزوله فيهم يقول

نزلنا بحمد الله في خير منزل
نسر بما فيه من الأنس و الخفر
نزلنا بقوم يجمع الله شملهم
و ليس لهم دعوى سوى المجد يعتصر
من الأزد إن الأزد أكرم أسوة
يمانية طابوا إذا انتسب البشر
فأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر
أتوني فقالوا من ربيعة أو مضر
أم الحي قحطان فتلكم سفاهة
كما قال لي روح و صاحبه زفر
و ما منهما إلا يسر بنسبة
تقربني منه و إن كان ذا نفر
فنحن عباد الله و الله واحد
و أولى عباد الله بالله من شكر

[ 96 ]

قال أبو العباس و من الخوارج من مشى في الرمح و هو في صدره خارجا من ظهره حتى خالط طاعنه فضربه بالسيف فقتله و هو يقول و عجلت إليك رب لترضى . و منهم الذي سأل عليا ع يوم النهروان المبارزة في قوله

أطعنهم و لا أرى عليا
و لو بدا أوجرته الخطيا

فخرج إليه علي فضربه بالسيف فقتله فلما خالطه السيف قال يا حبذا الروحة إلى الجنة . و منهم ابن ملجم و قطع الحسن بن علي يديه و رجليه و هو في ذلك يذكر الله ثم عمد إلى لسانه فقطعه فجزع فقيل له في ذلك قال أحببت ألا يزال لساني رطبا من ذكر الله . و منهم القوم الذين وثب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فيه فلفظها تورعا . و منهم أبو بلال مرداس الذي ينحله من الفرق لتقشفه و تصرمه و صحة عبادته و صلابة نيته . أما المعتزلة فتنتحله و تقول إنه خرج منكرا لجور السلطان داعيا إلى الحق و إنه من أهل العدل و يحتجون لذلك بقوله لزياد و قد كان قال في خطبته على المنبر و الله لآخذن المحسن بالمسي‏ء و الحاضر بالغائب و الصحيح بالسقيم فقام إليه مرداس فقال قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان و ما هكذا قال الله تعالى لنبيه إبراهيم إذ يقول

[ 97 ]

وَ إِبْراهِيمَ اَلَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ ثم خرج عليه عقيب هذا اليوم . و أما الشيعة فتنتحله و تزعم أنه كتب إلى الحسين بن علي إني و الله لست من الخوارج و لا أرى رأيهم و إني على دين أبيك إبراهيم