عبد الله بن يحيى طالب الحق

و من رؤساء الخوارج و كبارهم عبد الله بن يحيى الكندي الملقب طالب الحق و صاحبه المختار بن عوف الأزدي صاحب وقعة قديد و نحن نذكر ما ذكره أبو الفرج الأصفهاني من قصتهما في كتاب الأغاني مختصرا محذوفا منه ما لا حاجة بنا في هذا الموضع إليه . قال أبو الفرج كان عبد الله بن يحيى من حضرموت و كان مجتهدا عابدا و كان يقول قبل أن يخرج لقيني رجل فأطال النظر إلي و قال ممن أنت قلت من كندة فقال من أيهم فقلت من بني شيطان فقال و الله لتملكن و تبلغن وادي القرى و ذلك بعد أن تذهب إحدى عينيك و قد ذهبت و أنا أتخوف ما قال و أستخير الله . فرأى باليمن جورا ظاهرا و عسفا شديدا و سيرة في الناس قبيحة فقال لأصحابه إنه لا يحل لنا المقام على ما نرى و لا الصبر عليه و كتب إلى جماعة من الإباضية بالبصرة و غيرها يشاورهم في الخروج فكتبوا إليه إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا فافعل

[ 107 ]

فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل و لست تدري متى يأتي أجلك و لله بقية خير من عباده يبعثهم إذا شاء بنصر دينه و يختص بالشهادة منهم من يشاء . و شخص إليه أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي و بلج بن عقبة المسعودي في رجال من الإباضية فقدموا عليه حضرموت فحرضوه على الخروج و أتوه بكتب أصحابه يوصونه و يوصون أصحابه إذا خرجتم فلا تغلوا و لا تغدروا و اقتدوا بسلفكم الصالحين و سيروا بسيرتهم فقد علمتم أن الذي أخرجهم على السلطان العيب لأعمالهم . فدعا عبد الله أصحابه فبايعوه و قصدوا دار الإمارة و على حضرموت يومئذ إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي فأخذه فحبسه يوما ثم أطلقه فأتى صنعاء و أقام عبد الله بحضرموت و كثر جمعه و سموه طالب الحق . و كتب إلى من كان من أصحابه بصنعاء أني قادم عليكم ثم استخلف على حضرموت عبد الله بن سعيد الحضرمي و توجه إلى صنعاء و ذلك في سنة تسع و عشرين و مائة في ألفين و العامل على صنعاء يومئذ القاسم بن عمرو أخو يوسف بن عمرو الثقفي فجرت بينه و بين عبد الله بن يحيى حروب و مناوشات كانت الدولة فيها و النصرة لعبد الله بن يحيى فدخل إلى صنعاء و جمع ما فيها من الخزائن و الأموال فأحرزها . فلما استولى على بلاد اليمن خطب فحمد الله و أثنى عليه و صلى على رسوله و ذكر و حذر ثم قال إنا ندعوكم أيها الناس إلى كتاب الله و سنة نبيه و إجابة من دعا إليهما الإسلام ديننا و محمد نبينا و الكعبة قبلتنا و القرآن إمامنا رضينا بالحلال حلالا لا نبتغي به بدلا و لا نشتري به ثمنا و حرمنا الحرام و نبذناه وراء ظهورنا و لا حول و لا قوة إلا بالله و إلى الله المشتكى و عليه المعول من زنى فهو كافر و من سرق فهو كافر و من شرب الخمر فهو كافر و من شك في أنه كافر فهو كافر ندعوكم إلى فرائض بينات و آيات محكمات

[ 108 ]

و آثار نقتدي بها و نشهد أن الله صادق فيما وعد و عدل فيما حكم و ندعو إلى توحيد الرب و اليقين بالوعد و الوعيد و أداء الفرائض و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الولاية لأهل ولاية الله و العداوة و لأعداء الله أيها الناس إن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى و يصبرون على الألم في جنب الله و يقتلون على الحق في سالف الأيام شهداء فما نسيهم ربهم و ما كان ربك نسيا أوصيكم بتقوى الله و حسن القيام على ما وكلتم بالقيام عليه و قابلوا الله حسنا في أمره و زجره أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم . قال و أقام عبد الله بن يحيى بصنعاء أشهرا يحسن السيرة في الناس و يلين جانبه لهم و يكف الأذى عنهم و كثر جمعه و أتته الشراة من كل جانب فلما كان في وقت الحج وجه أبا حمزة المختار بن عوف و بلج بن عقبة و أبرهة بن الصباح إلى مكة و الأمير عليهم أبو حمزة في ألف و أمره أن يقيم بمكة إذا صدر الناس و يوجه بلجا إلى الشام فأقبل المختار إلى مكة يوم التروية و عليها و على المدينة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك في خلافة مروان بن محمد بن مروان و أم عبد الواحد بنت عبد الله بن خالد بن أسيد فكره عبد الواحد قتالهم و فزع الناس منهم حين رأوهم و قد طلعوا عليهم بعرفة و معهم أعلام سود في رءوس الرماح و قالوا لهم ما لكم و ما حالكم فأخبروهم بخلافهم مروان و آل مروان و التبري منهم فراسلهم عبد الواحد في ألا يعطلوا على الناس حجتهم فقال أبو حمزة نحن بحجنا أضن و عليه أشح فصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتى ينفر الناس النفر الأخير و أصبحوا من الغد و وقفوا بحيال عبد الواحد بعرفة و دفع عبد الواحد بالناس فلما كانوا بمنى قيل لعبد الواحد قد أخطأت فيهم و لو حملت عليهم الحاج ما كانوا إلا أكلة رأس .

[ 109 ]

و بعث عبد الواحد إلى أبي حمزة عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب و محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان و عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر و عبيد الله بن عمر بن حفص العمري و ربيعة بن عبد الرحمن و رجالا أمثالهم فلما قربوا من أبي حمزة أخذتهم مسالحه فأدخلوا على أبي حمزة فوجدوه جالسا و عليه إزار قطري قد ربطه بحوره في قفاه فلما دنوا تقدم إليه عبد الله بن الحسن العلوي و محمد بن عبد الله العثماني فنسبهما فلما انتسبا له عبس في وجوههما و أظهر الكراهية لهما ثم تقدم إليه بعدهما البكري و العمري فنسبهما فانتسبا له فهش إليهما و تبسم في وجوههما و قال و الله ما خرجنا إلا لنسير سيرة أبويكما فقال له عبد الله بن حسن و الله ما جئناك لتفاخر بين آبائنا و لكن الأمير بعثنا إليك برسالة و هذا ربيعة يخبركها فلما أخبره ربيعة قال له إن الأمير يخاف نقض العهد قال معاذ الله أن ننقض العهد أو نخيس به و الله لا أفعل و لو قطعت رقبتي هذه و لكن إلى أن تنقضي الهدنة بيننا و بينكم . فخرجوا من عنده فأبلغوا عبد الواحد فلما كان النفر الأخير نفر عبد الواحد و خلى مكة لأبي حمزة فدخل بغير قتال فقال بعض الشعراء يهجو عبد الواحد

زار الحجيج عصابة قد خالفوا
دين الإله ففر عبد الواحد
ترك الإمارة و المواسم هاربا
و مضى يخبط كالبعير الشارد
فلو أن والده تخير أمه
لصفت خلائقه بعرق الوالد

[ 110 ]

ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة و دعا بالديوان فضرب على الناس البعث و زادهم في العطاء عشرة عشرة و استعمل على الجيش عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فخرجوا فلقيتهم جزر منحورة فتشاءم الناس بها فلما كانوا بالعقيق علق لواء عبد العزيز بسمرة فانكسر الرمح فتشاءموا بذلك أيضا . ثم ساروا حتى نزلوا قديدا فنزل بها قوم معتزلون ليسوا بأصحاب حرب و أكثرهم تجار أغمار قد خرجوا في المصبغات و الثياب الناعمة و اللهو لا يظنون أن للخوارج شوكة و لا يشكون في أنهم في أيديهم . و قال رجل منهم من قريش لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هؤلاء و لكنهم داهنوا في دين الله و الله لنظفرن و لنسيرن إلى أهل الطائف فلنسبينهم ثم قال من يشتري مني من سبي أهل الطائف . قال أبو الفرج فكان هذا الرجل أول المنهزمين فلما وصل المدينة و دخل داره أراد أن يقول لجاريته أغلقي الباب قال لها غاق باق دهشا فلقبه أهل المدينة بعد ذلك غاق باق و لم تفهم الجارية قوله حتى أومأ إليها بيده فأغلقت الباب . قال و كان عبد العزيز يعرض الجيش بذي الحليفة فمر به أمية بن عنبسة بن سعيد بن العاص فرحب به و ضحك إليه ثم مر به عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير فلم يكلمه و لم يلتفت إليه فقال له عمران بن عبد الله بن مطيع و كان ابن خالته أما هما ابنتا عبد الله بن خالد بن أسيد سبحان الله مر بك شيخ من شيوخ قريش فلم تنظر

[ 111 ]

إليه و لم تكلمه و مر بك غلام من بني أمية فضحكت إليه و لاطفته أما و الله لو التقى الجمعان لعلمت أيهما أصبر . قال فكان أمية بن عنبة أول من انهزم و ركب فرسه و مضى و قال لغلامه يا مجيب أما و الله لئن أحرزت هذه الأكلب من بني الشراة إني لعاجز . و أما عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير فقاتل يومئذ حتى قتل و كان يحمل و يتمثل

و إني إذا ضن الأمير بإذنه
على الإذن من نفسي إذا شئت قادر

و الشعر للأغر بن حماد اليشكري . قال فلما بلغ أبا حمزة إقبال أهل المدينة إليه استخلف على مكة أبرهة بن الصباح و شخص إليهم و على مقدمته بلج بن عقبة . فلما كان في الليلة التي وافاهم في صبيحتها و أهل المدينة نزول بقديد قال لأصحابه إنكم ملاقو القوم غدا و أميرهم فيما بلغني ابن عثمان أول من خالف سنة الخلفاء و بدل سنة رسول الله ص و قد وضح الصبح لذي عينين فأكثروا ذكر الله و تلاوة القرآن و وطنوا أنفسكم على الموت و صبحهم غداة الخميس لتسع خلون من صفر سنة ثلاثين و مائة . قال أبو الفرج و قال عبد العزيز لغلامه في تلك الليلة ابغنا علفا قال هو غال فقال ويحك البواكي علينا غدا أغلى و أرسل أبو حمزة إليهم بلج بن عتبة ليدعوهم فأتاهم في ثلاثين راكبا فذكرهم الله و سألهم أن يكفوا عنهم و قال لهم خلوا سبيلنا إلى الشام لنسير

[ 112 ]

إلى من ظلمكم و جار في الحكم عليكم و لا تجعلوا حدنا بكم فإنا لا نريد قتالكم فشتمهم أهل المدينة و قالوا يا أعداء الله أ نحن نخليكم و نترككم تفسدون في الأرض . فقالت الخوارج يا أعداء الله أ نحن نفسد في الأرض إنما خرجنا لنكف الفساد و نقاتل من قاتلنا منكم و استأثر بالفي‏ء فانظروا لأنفسكم و اخلعوا من لم يجعل الله له طاعة فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فادخلوا في السلم و عاونوا أهل الحق . فناداه عبد العزيز ما تقول في عثمان قال قد برئ منه المسلمون قبلي و إنا متبع آثارهم و مقتد بهم قال ارجع إلى أصحابك فليس بيننا و بينكم إلا السيف فرجع إلى أبي حمزة فأخبره فقال كفوا عنهم و لا تقاتلوهم حتى يبدءوكم بالقتال فواقفوهم و لم يقاتلوهم فرمى رجل من أهل المدينة بسهم في عسكر أبي حمزة فجرح منهم رجلا فقال أبو حمزة شأنكم الآن فقد حل قتالهم فحملوا عليهم فثبت بعضهم لبعض و راية قريش مع إبراهيم بن عبد الله بن مطيع ثم انكشف أهل المدينة فلم يتبعوهم و كان على عامتهم صخر بن الجهم بن حذيفة العدوي فكبر و كبر الناس معه فقاتلوا قليلا ثم انهزموا فلم يبعدوا حتى كبر ثانية فثبت معه ناس و قاتلوا ثم انهزموا هزيمة لم يبق بعدها منهم باقية فقال علي بن الحصين لأبي حمزة اتبع آثار القوم أو دعني أتبعهم فأقتل المدبر و أذفف على الجريح فإن هؤلاء شر علينا من أهل الشام و لو قد جاءك أهل الشام غدا لرأيت من هؤلاء ما تكره قال لا أفعل و لا أخالف سيرة أسلافنا . و أخذ جماعة منهم أسرا و أراد إطلاقهم فمنعه علي بن الحصين و قال إن لكل

[ 113 ]

زمان سيرة و هؤلاء لم يؤسروا و هم هراب و إنما أسروا و هم يقاتلون و لو قتلوا في ذلك الوقت لم يحرم قتلهم فهكذا الآن قتلهم حلال و دعا بهم فكان إذا رأى رجلا من قريش قتله و إذا رأى رجلا من الأنصار أطلقه . قال أبو الفرج و ذلك لأن قريشا كانوا أكثر الجيش و بهم كانت الشوكة و أتى محمد بن عبد العزيز بن عمرو بن عثمان فنسبه فقال أنا رجل من الأنصار فسأل الأنصار فأقرت بذلك فأطلقه فلما ولى قال و الله إني لأعلم أنه قرشي و لكن قد أطلقته . قال و قد بلغت قتلى قديد ألفين و مائتين و ثلاثين رجلا منهم من قريش أربعمائة و خمسون رجلا و من الأنصار ثمانون رجلا و من الموالي و سائر الناس ألف و سبعمائة رجل . قال و كان في قتلى قريش من بني أسد بن عبد العزى بن قصي أربعون رجلا . قال و قتل يومئذ أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان خرج مقنعا فلم يكلم أحدا و قاتل حتى قتل و دخل بلج المدينة بغير حرب فدخلوا في طاعته و كف عنهم و رجع إلى ملكه و كان على شرطته أبو بكر بن عبد الله بن عمر من آل سراقة فكان أهل المدينة يقولون لعن الله السراقي و لعن الله بلجا العراقي و قالت نائحة أهل المدينة تبكيهم

ما للزمان و ما ليه
أفنت قديد رجاليه
فلأبكين سريرة
و لأبكين علانية
و لأبكين على قديد
بسوء ما أولانيه
و لأعوين إذا خلوت
مع الكلاب العاوية

[ 114 ]