أبو حمزة الشاري

قال أبو الفرج و لما سار عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشام و خلف المدينة لبلج أقبل أبو حمزة من مكة حتى دخلها فرقي المنبر فحمد الله و قال يا أهل المدينة سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فأسأتم لعمري و الله القول فيهم و سألناكم هل يقتلون بالظن فقلتم نعم و سألناكم هل يستحلون المال الحرام و الفرج الحرام فقلتم نعم فقلنا لكم تعالوا نحن و أنتم فأنشدوا الله وحده أن يتنحوا عنا و عنكم ليختار المسلمون لأنفسهم فقلتم لا نفعل فقلنا لكم تعالوا نحن و أنتم نلقاهم فإن نظهر نحن و أنتم يأت من يقيم لنا كتاب الله و سنة نبيه و يعدل في أحكامكم و يحملكم على سنة نبيكم فأبيتم و قاتلتمونا فقاتلناكم و قتلناكم فأبعدكم الله و أسحقكم يا أهل المدينة مررت بكم في زمن الأحول هشام بن عبد الملك و قد أصابتكم عاهة في ثماركم فركبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم فكتب بوضعه عن قوم من ذوي اليسار منكم فزاد الغني غنى و الفقير فقرا و قلتم جزاه الله خيرا فلا جزاه خيرا و لا جزاكم . قال أبو الفرج فأما خطبتا أبي حمزة المشهورتان اللتان خطب بهما في المدينة فإن إحداهما قوله تعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا و أموالنا أشرا و لا بطرا و لا عبثا و لا لهوا و لا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه و لا لثأر قديم نيل منا و لكنا لما رأينا مصابيح الحق قد أطفئت و معالم العدل قد عطلت و عنف القائم بالحق و قتل القائم بالقسط ضاقت علينا الأرض بما رحبت و سمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن و حكم القرآن فأجبنا داعي الله وَ مَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي اَلْأَرْضِ

[ 115 ]

فأقبلنا من قبائل شتى النفر منا على البعير الواحد و عليه زادهم يتعاورون لحافا واحدا قليلون مستضعفون في الأرض فآوانا الله و أيدنا بنصره و أصبحنا و الله المحمود من أهل فضله و نعمته ثم لقينا رجالكم بقديد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن و حكم القرآن فدعونا إلى طاعة الشيطان و حكم مروان فشتان لعمر الله ما بين الغي و الرشد ثم أقبلوا يزفون و يهرعون قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه و صدق عليهم إبليس ظنه و أقبل أنصار الله عصائب و كتائب بكل مهند ذي رونق فدارت رحانا و استدارت رحاهم بضرب يرتاب منه المبطلون . و ايم الله يا أهل المدينة إن تنصروا مروان و آل مروان فيسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا و يشف صدور قوم مؤمنين . يا أهل المدينة الناس منا و نحن منهم إلا مشركا عباد وثن أو كافرا من أهل الكتاب أو إماما جائرا . يا أهل المدينة من يزعم أن الله تعالى كلف نفسا فوق طاقتها و سألها عما لم يؤتها فهو لنا حرب . يا أهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله في كتابه على القوي و الضعيف فجاء تاسع ليس له منها سهم فأخذها جميعا لنفسه مكابرا محاربا لربه ما تقولون فيه و فيمن عاونه على فعله . يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي قلتم هم شباب أحداث و أعراب جفاة ويحكم يا أهل المدينة و هل كان أصحاب رسول الله ص إلا شبابا

[ 116 ]

أحداثا نعم و الله إن أصحابي لشباب مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الشر أعينهم ثقيلة عن الباطل أقدامهم قد باعوا أنفسا تموت غدا بأنفس لا تموت أبدا قد خلطوا كلالهم بكلالهم و قيام ليلهم بصيام نهارهم محنية أصلابهم على أجزاء القرآن كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفا من النار و كلما مروا بآية رجاء شهقوا شوقا إلى الجنة و إذا نظروا إلى السيوف و قد انتضيت و إلى الرماح و قد أشرعت و إلى السهام و قد فوقت و أرعدت الكتيبة بصواعق الموت استخفوا وعيدها عند وعيد الله و انغمسوا فيها فطوبى لهم و حسن مآب فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها من خشية الله و كم من يد قد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها راكعا و ساجدا في طاعة الله أقول قولي هذا و أستغفر الله و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب . و أما الخطبة الثانية فقوله يا أهل المدينة ما لي رأيت رسم الدين فيكم عافيا و آثاره دارسة لا تقبلون عليه عظة و لا تفقهون من أهله حجة قد بليت فيكم جدته و انطمست عنكم سنته ترون معروفه منكرا و المنكر من غيره معروفا فإذا انكشفت لكم العبر و أوضحت لكم النذر عميت عنها أبصاركم و صمت عنها آذانكم ساهين في غمرة لاهين في غفلة تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر و تنقبض عن الحق إذا ذكر مستوحشة من العلم مستأنسة بالجهل كلما وردت عليها موعظة زادتها عن الحق نفورا تحملون قلوبا في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة فهي لا تلين بكتاب الله الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله .

[ 117 ]

يا أهل المدينة إنه لا تغني عنكم صحة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم قد جعل الله لكل شي‏ء سببا غالبا عليه لينقاد إليه مطيع أمره فجعل القلوب غالبة على الأبدان فإذا مالت القلوب ميلا كانت الأبدان لها تبعا و إن القلوب لا تلين لأهلها إلا بصحتها و لا يصححها إلا المعرفة بالله و قوة النية و نفاذ البصيرة و لو استشعرت تقوى الله قلوبكم لاستعملت في طاعة الله أبدانكم . يا أهل المدينة داركم دار الهجرة و مثوى الرسول ص لما نبت به داره و ضاق به قراره و آذاه الأعداء و تجهمت له فنقله الله إليكم بل إلى قوم لعمري لم يكونوا أمثالكم متوازرين مع الحق على الباطل مختارين الأجل على العاجل يصبرون للضراء رجاء ثوابها فنصروا الله و جاهدوا في سبيله و آزروا رسوله ص و اتبعوا النور الذي أنزل معه و آثروا الله على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة فقال الله تعالى لهم و لأمثالهم و لمن اهتدى بهديهم وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ و أنتم أبناؤهم و من بقي من خلفهم تتركون أن تقتدوا بهم أو تأخذوا بسنتهم عمى القلوب صم الآذان اتبعتم الهوى فأرداكم عن الهدى و أسهاكم عن مواعظ القرآن لا تزجركم فتنزجرون و لا تعظكم فتتعظون و لا توقظكم فتستيقظون لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم ما سرتم سيرتهم و لا حفظتم وصيتهم و لا احتذيتم مثالهم لو شقت عنهم قبورهم فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم أ لا ترون إلى خلافة الله و إمامة المسلمين كيف أضيعت حتى تداولها بنو مروان أهل بيت اللعنة و طرداء رسول الله و قوم من الطلقاء ليسوا من المهاجرين و لا الأنصار و لا التابعين بإحسان فأكلوا مال الله أكلا و تلعبوا بدين الله لعبا و اتخذوا عباد الله عبيدا يورث الأكبر منهم ذلك الأصغر فيا لها

[ 118 ]

أمة ما أضعفها و أضيعها و مضوا على ذلك من سيئ أعمالهم و استخفافهم بكتاب الله قد نبذوه وراء ظهورهم فالعنوهم لعنهم الله لعنا كما يستحقونه . و لقد ولى منهم عمر بن عبد العزيز فاجتهد و لم يكد و عجز عن الذي أظهر حتى مضى لسبيله قال و لم يذكره بخير و لا بشر ثم قال و ولى بعده يزيد بن عبد الملك غلام سفيه ضعيف غير مأمون على شي‏ء من أمور المسلمين لم يبلغ أشده و لم يؤنس رشده و قد قال الله عز و جل فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ و أمر أمة محمد ص و أحكامها و فروجها و دمائها أعظم عند الله من مال اليتيم و إن كان عند الله عظيما غلام مأبون في فرجه و بطنه يأكل الحرام و يشرب الخمر و يلبس بردين قد حيكا من غير حلهما و صرفت أثمانهما في غير وجهها بعد أن ضربت فيهما الأبشار و حلقت فيهما الأشعار استحل ما لم يحله الله لعبد صالح و لا لنبي مرسل فأجلس حبابة عن يمينه و سلامة عن يساره يغنيانه بمزامير الشيطان و يشرب الخمر الصراح المحرمة نصا بعينها حتى إذا أخذت منه مأخذها و خالطت روحه و لحمه و دمه و غلبت سورتها على عقله مزق برديه ثم التفت إليهما فقال أ تأذنان لي بأن أطير نعم فطر إلى النار طر إلى لعنة الله طر إلى حيث لا يردك الله . ثم ذكر بني أمية و أعمالهم فقال أصابوا إمرة ضائعة و قوما طغاما جهالا لا يقومون لله بحق و لا يفرقون بين الضلالة و الهدى و يرون أن بني أمية أرباب لهم فملكوا الأمر و تسلطوا فيه تسلط ربوبية بطشهم بطش الجبابرة يحكمون بالهوى و يقتلون على الغضب و يأخذون بالظن و يعطلون الحدود بالشفاعات و يؤمنون الخونة و يعصون ذوي

[ 119 ]

الأمانة و يتناولون الصدقة من غير فرضها و يضعونها غير موضعها فتلك الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله فالعنوهم لعنهم الله . قال ثم ذكر شيعة آل أبي طالب فقال و أما إخواننا من الشيعة و ليسوا بإخواننا في الدين لكني سمعت الله يقول يا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا فإنها فرقة تظاهرت بكتاب الله و آثرت الفرقة على الله لا يرجعون إلى نظر نافذ في القرآن و لا عقل بالغ في الفقه و لا تفتيش عن حقيقة الثواب قد قلدوا أمورهم أهواءهم و جعلوا دينهم العصبية لحزب لزموه و أطاعوه في جميع ما يقوله لهم غيا كان أو رشدا ضلالة كان أو هدى ينتظرون الدول في رجعة الموتى و يؤمنون بالبعث قبل الساعة و يدعون علم الغيب لمخلوقين لا يعلم واحدهم ما في بيته بل لا يعلم ما ينطوي عليه ثوبه أو يحويه جسمه ينقمون المعاصي على أهلها و يعملون بها و لا يعلمون المخرج منها جفاة في دينهم قليلة عقولهم قد قلدوا أهل بيت من العرب دينهم و زعموا أن موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة و تنجيهم من عقاب الأعمال السيئة قاتلهم الله أنى يؤفكون . فأي الفرق يا أهل المدينة تتبعون أم بأي مذاهبهم تقتدون و لقد بلغني مقالكم في أصحابي و ما عبتموه من حداثة أسنانهم ويحكم و هل كان أصحاب رسول الله ص إلا أحداثا نعم إنهم لشباب مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الشر أعينهم ثقيلة في الباطل أرجلهم أنضاء عبادة قد نظر الله إليهم في جوف الليل محنية أصلابهم على أجزاء القرآن كلما مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا و كلما مر بآية فيها ذكر النار شهق خوفا كأن زفير جهنم بين أذنيه قد أكلت الأرض جباههم و ركبهم

[ 120 ]

و وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم مصفرة ألوانهم ناحلة أبدانهم من طول القيام و كثرة الصيام يوفون بعهد الله منجزون لوعد الله قد شروا أنفسهم في طاعة الله حتى إذا التقت الكتيبتان و أبرقت سيوفهما و فوقت سهامهما و أشرعت رماحهما لقوا شبا الأسنة و زجاج السهام و ظبى السيوف بنحورهم و وجوههم و صدورهم فمضى الشاب منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه و اختضبت محاسن وجهه بالدماء و عفر جبينه بالتراب و الثرى و انحطت عليه الطير من السماء و مزقته سباع الأرض فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها في جوف الليل من خوف الله و كم من وجه رقيق و جبين عتيق قد فلق بعمد الحديد . ثم بكى فقال آه آه على فراق الإخوان رحمة الله تعالى على تلك الأبدان اللهم أدخل أرواحها الجنان . قال أبو الفرج و سار أبو حمزة و خلف بالمدينة المفضل الأزدي في جماعة من أصحابه و بعث مروان بن محمد عبد الملك بن عطية السعدي في أربعة آلاف من أهل الشام فيهم فرسان عسكره و وجهوهم لحرب أبي حمزة و عبد الله بن يحيى طالب الحق و أمر ابن عطية بالجد في المسير و أعطى كل رجل من الجيش مائة دينار و فرسا عربيا و بغلا لثقله فخرج ابن عطية حتى إذا كان بالمعلى فكان رجل من أهل وادي القرى يقال له العلاء

[ 121 ]

بن أفلح أبي الغيث يقول لقيني في ذلك اليوم و أنا غلام رجل من أصحاب ابن عطية فقال لي ما اسمك يا غلام فقلت العلاء فقال ابن من قلت ابن أفلح قال أ عربي أم مولى فقلت مولى قال مولى من قلت مولى أبي الغيث قال فأين نحن قلت بالمعلى قال فأين نحن غدا قلت بغالب قال فما كلمني حتى أردفني خلفه و مضى حتى أدخلني على ابن عطية و قال له أيها الأمير سل الغلام ما اسمه فسأل و أنا أرد عليه القول فسر بذلك و وهب لي دراهم . قال أبو الفرج و قدم أبو حمزة و أمامه بلج بن عقبة في ستمائة رجل ليقاتل عبد الملك بن عطية فلقيه بوادي القرى لأيام خلت من جمادى الأولى سنة ثلاثين و مائة فتواقفوا و دعاهم بلج إلى الكتاب و السنة و ذكر بني أمية و ظلمهم فشتمه أهل الشام و قالوا يا أعداء الله أنتم أحق بهذا ممن ذكرتم فحمل بلج و أصحابه عليهم و انكشفت طائفة من أهل الشام و ثبت ابن عطية في عصبة صبروا معه فناداهم يا أهل الشام يا أهل الحفاظ ناضلوا عن دينكم و أميركم و اصبروا و قاتلوا قتالا شديدا فقتل بلج و أكثر أصحابه و انحازت قطعة من أصحابه نحو المائة إلى جبل اعتصموا به فقاتلهم ابن عطية ثلاثة أيام فقتل منهم سبعين رجلا و نجا منهم ثلاثون . فرجعوا إلى أبي حمزة و هو بالمدينة و قد اغتموا و جزعوا من ذلك الخبر و قالوا فررنا من الزحف فقال لهم أبو حمزة لا تجزعوا فإنا لكم فئة و إلي تحيزتم . و خرج أبو حمزة إلى مكة فدعا عمر بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أهل المدينة إلى قتال المفضل خليفة أبي حمزة على المدينة فلم يجد أحدا لأن القتل قد كان أسرع في الناس و خرج وجوه أهل البلد عنه فاجتمع إلى عمر البربر و الزنوج و أهل السوق و العبيد

[ 122 ]

فقاتل بهم الشراة فقتل المفضل و عامة أصحابه و هرب الباقون فلم يبق منهم أحد فقال في ذلك سهيل مولى زينب بنت الحكم بن أبي العاص

ليت مروان رآنا
يوم الإثنين عشية
إذ غسلنا العار عنا
و انتضينا المشرفية

قال فلما قدم ابن عطية أتاه عمر بن عبد الرحمن فقال له أصلحك الله إني جمعت قضي و قضيضي فقاتلت هؤلاء الشراة فلقبه أهل المدينة قضي و قضيضي . قال أبو الفرج و أقام ابن عطية بالمدينة شهرا و أبو حمزة مقيم بمكة ثم توجه إليه فقال علي بن الحصين العبدي لأبي حمزة إني كنت أشرت عليك يوم قديد و قبله أن تقتل الأسرى فلم تفعل حتى قتلوا المفضل و أصحابنا المقيمين معه بالمدينة و أنا أشير عليك الآن أن تضع السيف في أهل مكة فإنهم كفرة فجرة و لو قد قدم ابن عطية لكانوا أشد عليك من أهل المدينة فقال لا أرى ذلك لأنهم قد دخلوا في الطاعة و أقروا بالحكم و وجب لهم حق الولاية . فقال إنهم سيغدرون فقال فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ . و قدم ابن عطية مكة فصير أصحابه فرقتين و لقي الخوارج من وجهين فكان هو بإزاء أبي حمزة في أسفل مكة و جعل طائفة أخرى بالأبطح بإزاء أبرهة بن الصباح فقتل أبرهة كمن له ابن هبار و هو على خيل دمشق فقتله عند بئر ميمون و التقى ابن عطية بأبي حمزة فخرج أهل مكة بأجمعهم مع ابن عطية و تكاثر الناس على أبي حمزة فقتل على فم الشعب و قتلت معه امرأته و هي ترتجز

أنا الجديعاء و بنت الأعلم
من سأل عن اسمي فاسمي مريم

[ 123 ]

بعت سواري بعضب مخذم

و قتلت الخوارج قتلا ذريعا و أسر منهم أربعمائة فقال لهم ابن عطية ويلكم ما دعاكم إلى الخروج مع هذا فقالوا ضمن لنا الكنة يريدون الجنة فقتلهم كلهم و صلب أبا حمزة و أبرهة بن الصباح على شعب الخيف و دخل علي بن الحصين دارا من دور قريش فأحدق أهل الشام بها فأحرقوها فرمى بنفسه عليهم و قاتل فأسر و قتل و صلب مع أبي حمزة فلم يزالوا مصلوبين حتى أفضى الأمر إلى بني هاشم فأنزلوا في خلافة أبي العباس . قال أبو الفرج و ذكر ابن الماجشون أن ابن عطية لما التقى بأبي حمزة قال أبو حمزة لأصحابه لا تقاتلوهم حتى تختبروهم فصاحوا فقالوا يا أهل الشام ما تقولون في القرآن و العمل به فقال ابن عطية نضعه في جوف الجوالق قالوا فما تقولون في اليتيم قالوا نأكل ماله و نفجر بأمه في أشياء بلغني أنهم سئلوا عنها فلما سمعوا كلامهم قاتلوهم حتى أمسوا فصاحت الشراة ويحك يا ابن عطية إن الله جل و عز قد جعل الليل سكنا فاسكن و نسكن فأبى و قاتلهم حتى أفناهم . قال و لما خرج أبو حمزة من المدينة خطب فقال يا أهل المدينة إنا خارجون لحرب مروان فإن نظهر عليه نعدل في أحكامكم و نحملكم على سنة نبيكم و إن يكن ما تمنيتم لنا فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

[ 124 ]

قال و قد كان اتبعه على رأيه قوم من أهل المدينة و بايعوه منهم بشكست النحوي فلما جاءهم قتله وثب الناس على أصحابه فقتلوهم و كان ممن قتلوه بشكست النحوي طلبوه فرقي في درجة دار فلحقوه فأنزلوه و قتلوه و هو يصيح يا عباد الله فيم تقتلونني فقيل فيه

لقد كان بشكست عبد العزيز
من أهل القراءة و المسجد
فبعدا لبشكست عبد العزيز
و أما القرآن فلا تبعد

قال أبو الفرج و حدثني بعض أصحابنا أنه رأى رجلا واقفا على سطح يرمي بالحجارة قوم أبي حمزة بمكة فقيل له ويلك أ تدري من ترمي مع اختلاط الناس فقال و الله ما أبالي من رميت إنما يقع حجري في شام أو شار و الله ما أبالي أيهما قتلت . قال أبو الفرج و خرج ابن عطية إلى الطائف و أتى قتل أبي حمزة إلى عبد الله بن يحيى طالب الحق و هو بصنعاء فأقبل في أصحابه يريد حرب ابن عطية فشخص ابن عطية إليه و التقوا فقتل بين الفريقين جمع كثير و ترجل عبد الله بن يحيى في ألف رجل فقاتلوا حتى قتلوا كلهم و قتل عبد الله بن يحيى و بعث ابن عطية رأسه إلى مروان بن محمد و قال أبو صخر الهذلي يذكر ذلك

قتلنا عبيدا و الذي يكتني الكنى
أبا حمزة القارئ المصلي اليمانيا
و أبرهة الكندي خاضت رماحنا
و بلجا منحناه السيوف المواضيا

[ 125 ]

و ما تركت أسيافنا منذ جردت
لمروان جبارا على الأرض عاصيا

و قال عمرو بن الحصين العنبري يرثي أبا حمزة و غيره من الشراة و هذه القصيدة من مختار شعر العرب

هبت قبيل تبلج الفجر
هند تقول و دمعها يجري
إذ أبصرت عيني و أدمعها
تنهل واكفة على النحر
أنى اعتراك و كنت عهدي لا
سرب الدموع و كنت ذا صبر
أ قذى بعينك لا يفاوقها
أم عائر أم ما لها تذري
أم ذكر إخوان فجعت بهم
سلكوا سبيلهم على قدر
فأجبتها بل ذكر مصرعهم
لا غيره عبراتها تمري
يا رب أسلكني سبيلهم
ذا العرش و اشدد بالتقى أزري
في فتية صبروا نفوسهم
للمشرفية و القنا السمر
تالله ما في الدهر مثلهم
حتى أكون رهينة القبر
أوفى بذمتهم إذا عقدوا
و أعف عند العسر و اليسر
متأهبون لكل صالحة
ناهون من لاقوا عن النكر
صمت إذا حضروا مجالسهم
من غير ماعي بهم يزري
إلا تجيئهم فإنهم
رجف القلوب بحضرة الذكر

[ 126 ]

متأوهون كأن جمر غضا
للموت بين ضلوعهم يسري
فهم كأن بهم جرى مرض
أو مسهم طرف من السحر
لا ليلهم ليل فيلبسهم
فيه غواشي النوم بالسكر
إلا كرى خلسا و آونة
حذر العقاب فهم على ذعر
كم من أخ لك قد فجعت به
قوام ليلته إلى الفجر
متأوها يتلو قوارع من
آي الكتاب مفزع الصدر
ظمآن وقدة كل هاجرة
تراك لذته على قدر
رفاض ما تهوى النفوس إذا
رغب النفوس دعت إلى المرز
و مبرأ من كل سيئة
عف الهوى ذا مرة شزر
و المصطلي بالحرب يوقدها
بحسامه في فتية زهر
يختاضها بأفل ذي شطب
عضب المضارب ظاهر الأثر
لا شي‏ء يلقاه أسر له
من طعنة في ثغرة النحر
منهارة منه تجيش بما
كانت عواصم جوفه تجري

[ 127 ]

لخليلك المختار أذك به
من مغتد في الله أو مسري
خواض غمرة كل متلفة
في الله تحت العثير الكدر
نزال ذي النجوات مختضبا
بنجيعه بالطعنة الشزر
و ابن الحصين و هل له شبه
في العرف أنى كان و النكر
بشهامة لم تحن أضلعه
لذوي أحزته على غدر
طلق اللسان بكل محكمة
رآب صدع العظم ذي الكسر
لم ينفكك في جوفه حزن
تغلي حرارته و تستشري
ترقي و آونة يخفضها
بتنفس الصعداء و الزفر
و مخالطي بلج و خالصتي
سهم العدو و جابر الكسر
نكل الخصوم إذا هم شغبوا
و سداد ثلمة عورة الثغر
و الخائض الغمرات يخطر في
وسط الأعادي أيما خطر
بمشطب أو غير ذي شطب
هام العدا بذبابه يفري
و أخيك أبرهة الهجان أخي الحرب
العوان و موقد الجمر
و الضارب الأخدود ليس لها
حد ينهنهها عن السحر
و ولى حكمهم فجعت به
عمرو فوا كبدي على عمرو
قوال محكمة و ذو فهم
عف الهوى متثبت الأمر
و مسيب فاذكر وصيته
لا تنس إما كنت ذا ذكر

[ 128 ]

فكلاهما قد كان مختشعا
لله ذا تقوى و ذا بر
في مخبتين و لم أسمهم
كانوا ندي و هم أولو نصري
و هم مساعر في الوغي رجح
و خيار من يمشي على العفر
حتى وفوا لله حيث لقوا
بعهود لا كذب و لا غدر
فتخالسوا مهجات أنفسهم
و عداتهم بقواضب بتر
و أسنة أثبتن في لدن
خطية بأكفهم زهر
تحت العجاج و فوقهم خرق
يخفقن من سود و من حمر
فتوقدت نيران حربهم
ما بين أعلى البيت و الحجر
و تصرعت عنهم فوارسهم
لم يغمضوا عينا على وتر
صرعى فخاوية بيوتهم
و خوامع بجسومهم تفري

قال أبو الفرج و أقام ابن عطية بحضرموت بعد ظفره بالخوارج حتى أتاه كتاب مروان يأمره بالتعجيل إلى مكة فيحج بالناس فشخص إلى مكة متعجلا مخفا في تسعة عشر فارسا و ندم مروان على ما كتبه و قال قتلت ابن عطية و سوف يخرج متعجلا مخفا من اليمن ليلحق الحج فيقتله الخوارج فكان كما قال صادفه في طريقه جماعة متلففة فمن كان منهم إباضيا قال ما تنتظر أن ندرك ثأر إخواننا و من لم يكن منهم إباضيا ظن أنه إباضي منهزم من ابن عطية فصمد له سعيد و جمانة ابنا الأخنس

[ 129 ]

الكنديان في جماعة من قومهما و كانوا على رأي الخوارج فعطف ابن عطية على سعيد فضربه بالسيف و طعنه جمانة فصرعه فنزل إليه سعيد فقعد على صدره فقال له ابن عطية هل لك في أن تكون أكرم العرب أسيرا فقال سعيد يا عدو الله أ تظن الله يهملك أو تطمع في الحياة و قد قتلت طالب الحق و أبا حمزة و بلجا و أبرهة فذبحه و قتل أصحابه أجمعون . فهذا يسير مما هو معلوم من حال هذه الطائفة في خشونتها في الدين و تلزمها بناموسه و إن كانت في أصل العقيدة على ضلال و هكذا

قال النبي ص عنهم تستحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم و صيام أحدكم في جنب صيامهم و معلوم أن معاوية و من بعده من بني أمية لم تكن هذه الطريقة طريقتهم و لا هذه السنة سنتهم و أنهم كانوا أهل دنيا و أصحاب لعب و لهو و انغماس في اللذات و قلة مبالاة بالدين و منهم من هو مرمي بالزندقة و الإلحاد