أخبار متفرقة عن معاوية

و قد طعن كثير من أصحابنا في دين معاوية و لم يقتصروا على تفسيقه و قالوا عنه إنه كان ملحدا لا يعتقد النبوة و نقلوا عنه في فلتات كلامه و سقطات ألفاظه ما يدل على ذلك . و روى الزبير بن بكار في الموفقيات و هو غير متهم على معاوية و لا منسوب إلى اعتقاد الشيعة لما هو معلوم من حاله من مجانبة علي ع و الانحراف عنه قال المطرف بن المغيرة بن شعبة دخلت مع أبي على معاوية و كان أبي يأتيه فيتحدث معه ثم ينصرف إلي فيذكر معاوية و عقله و يعجب بما يرى منه إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء و رأيته مغتما فانتظرته ساعة و ظننت أنه لأمر حدث

[ 130 ]

فينا فقلت ما لي أراك مغتما منذ الليلة فقال يا بني جئت من عند أكفر الناس و أخبثهم قلت و ما ذاك قال قلت له و قد خلوت به إنك قد بلغت سنا يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلا و بسطت خيرا فإنك قد كبرت و لو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فو الله ما عندهم اليوم شي‏ء تخافه و إن ذلك مما يبقى لك ذكره و ثوابه فقال هيهات هيهات أي ذكر أرجو بقاءه ملك أخو تيم فعدل و فعل ما فعل فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل أبو بكر ثم ملك أخو عدي فاجتهد و شمر عشر سنين فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل عمر و إن ابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات أشهد أن محمدا رسول الله فأي عملي يبقى و أي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك لا و الله إلا دفنا دفنا . و أما أفعاله المجانبة للعدالة الظاهرة من لبسه الحرير و شربه في آنية الذهب و الفضة حتى أنكر عليه ذلك أبو الدرداء فقال له

إني سمعت رسول الله ص يقول إن الشارب فيها ليجرجر في جوفه نار جهنم و قال معاوية أما أنا فلا أرى بذلك بأسا فقال أبو الدرداء من عذيري من معاوية أنا أخبره عن الرسول ص و هو يخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أبدا . نقل هذا الخبر المحدثون و الفقهاء في كتبهم في باب الاحتجاج على أن خبر الواحد معمول به في الشرع و هذا الخبر يقدح في عدالته كما يقدح أيضا في عقيدته لأن من قال في مقابلة خبر قد روى عن رسول الله ص أما أنا فلا أرى بأسا فيما حرمه رسول الله ص ليس بصحيح العقيدة و من المعلوم أيضا من حالة استئثاره بمال الفي‏ء و ضربه من لا حد عليه و إسقاط الحد عمن يستحق إقامة الحد عليه و حكمه

[ 131 ]

برأيه في الرعية و في دين الله و استلحاقه زيادا و هو يعلم

قول رسول الله ص الولد للفراش و للعاهر الحجر و قتله حجر بن عدي و أصحابه و لم يجب عليهم القتل و مهانته لأبي ذر الغفاري و جبهه و شتمه و إشخاصه إلى المدينة على قتب بعير وطاء لإنكاره عليه و لعنه عليا و حسنا و حسينا و عبد الله بن عباس على منابر الإسلام و عهده بالخلافة إلى ابنه يزيد مع ظهور فسقه و شربه المسكر جهارا و لعبه بالنرد و نومه بين القيان المغنيات و اصطباحه معهن و لعبه بالطنبور بينهن و تطريقه بني أمية للوثوب على مقام رسول الله ص و خلافته حتى أفضت إلى يزيد بن عبد الملك و الوليد بن يزيد المفتضحين الفاسقين صاحب حبابة و سلامة و الآخر رامي المصحف بالسهام و صاحب الأشعار في الزندقة و الإلحاد . و لا ريب أن الخوارج إنما بري‏ء أهل الدين و الحق منهم لأنهم فارقوا عليا و برئوا منه و ما عدا ذلك من عقائدهم نحو القول بتخليد الفاسق في النار و القول بالخروج على أمراء الجور و غير ذلك من أقاويلهم فإن أصحابنا يقولون بها و يذهبون إليها فلم يبق ما يقتضي البراءة منهم إلا براءتهم من علي و قد كان معاوية يلعنه على رءوس الأشهاد و على المنابر في الجمع و الأعياد في المدينة و مكة و في سائر مدن الإسلام فقد شارك الخوارج في الأمر المكروه منهم و امتازوا عليه بإظهار الدين و التلزم بقوانين الشريعة و الاجتهاد في العبادة و إنكار المنكرات و كانوا أحق بأن ينصروا عليه من أن ينصر عليهم فوضح بذلك قول أمير المؤمنين لا تقاتلوا الخوارج بعدي يعني في ملك معاوية و مما يؤكد هذا المعنى أن عبد الله بن الزبير استنصر على يزيد بن معاوية بالخوارج و استدعاهم إلى ملكه فقال فيه الشاعر

يا ابن الزبير أ تهوى فتية قتلوا
ظلما أباك و لما تنزع الشكك
ضحوا بعثمان يوم النحر ضاحية
يا طيب ذاك الدم الزاكي الذي سفكوا

فقال ابن الزبير لو شايعني الترك و الديلم على محاربة بني أمية لشايعتهم و انتصرت بهم

[ 132 ]