خطبة للإمام علي بعد مقتل محمد بن أبي بكر

و روى إبراهيم عن رجاله عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال خطب علي ع بعد فتح مصر و قتل محمد بن أبي بكر فقال أما بعد فإن الله بعث محمدا نذيرا للعالمين و أمينا على التنزيل و شهيدا على هذه الأمة و أنتم معاشر العرب يومئذ على شر دين و في شر دار منيخون على حجارة خشن و حيات صم و شوك مبثوث في البلاد تشربون الماء الخبيث و تأكلون الطعام الخبيث تسفكون دماءكم و تقتلون أولادكم و تقطعون أرحامكم و تأكلون أموالكم بينكم بالباطل سبلكم خائفة و الأصنام فيكم منصوبة و لا يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم مشركون . فمن الله عز و جل عليكم بمحمد فبعثه إليكم رسولا من أنفسكم فعلمكم الكتاب و الحكمة و الفرائض و السنن و أمركم بصلة أرحامكم و حقن دمائكم و صلاح ذات البين و أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و أن توفوا بالعهد و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها و أن تعاطفوا و تباروا و تراحموا و نهاكم عن التناهب و التظالم و التحاسد و التباغي و التقاذف و عن شرب الخمر و بخس المكيال و نقص الميزان و تقدم إليكم فيما يتلى عليكم ألا تزنوا و لا تربوا و لا تأكلوا أموال

[ 95 ]

اليتامى ظلما و أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و لا تعثوا في الأرض مفسدين و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين و كل خير يدني إلى الجنة و يباعد عن النار أمركم به و كل شر يدني إلى النار و يباعد عن الجنة نهاكم عنه فلما استكمل مدته توفاه الله إليه سعيدا حميدا فيا لها مصيبة خصت الأقربين و عمت المسلمين ما أصيبوا قبلها بمثلها و لن يعاينوا بعدها أختها فلما مضى لسبيله ص تنازع المسلمون الأمر بعده فو الله ما كان يلقى في روعي و لا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد عن أهل بيته و لا أنهم منحوه عني من بعده فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر و إجفالهم إليه ليبايعوه فأمسكت يدي و رأيت أني أحق بمقام محمد ص في الناس ممن تولى الأمر من بعده فلبثت بذاك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين الله و ملة محمد ص فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلما و هدما يكون المصاب بهما علي أعظم من فوات ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب و كما يتقشع السحاب فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته و نهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل و زهق و كانت كلمة الله هي العليا و لو كره الكافرون فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر و سدد و قارب و اقتصد و صحبته مناصحا و أطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا و ما طمعت أن لو حدث به حادث و أنا حي أن يرد إلي الأمر الذي نازعته فيه طمع مستيقن و لا يئست منه يأس من لا يرجوه و لو لا خاصة ما كان بينه و بين عمر لظننت أنه لا يدفعها عني فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا و أطعنا و ناصحنا

[ 96 ]

و تولى عمر الأمر فكان مرضي السيرة ميمون النقيبة حتى إذا احتضر فقلت في نفسي لن يعدلها عني ليس يدافعها عني فجعلني سادس ستة فما كانوا لولاية أحد منهم أشد كراهة لولايتي عليهم كانوا يسمعون عند وفاة رسول الله ص لجاج أبي بكر و أقول يا معشر قريش إنا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن و يعرف السنة و يدين بدين الحق فخشي القوم إن أنا وليت عليهم ألا يكون لهم من الأمر نصيب ما بقوا فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية إلى عثمان و أخرجوني منها رجاء أن ينالوها و يتداولوها إذ يئسوا أن ينالوا بها من قبلي ثم قالوا هلم فبايع و إلا جاهدناك فبايعت مستكرها و صبرت محتسبا فقال قائلهم يا ابن أبي طالب إنك على هذا الأمر لحريص فقلت أنتم أحرص مني و أبعد أينا أحرص أنا الذي طلبت ميراثي و حقي الذي جعلني الله و رسوله أولى به أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه و تحولون بيني و بينه فبهتوا و الله لا يهدي القوم الظالمين اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي و أضاعوا إياي و صغروا عظيم منزلتي و أجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم فسلبونيه ثم قالوا ألا إن في الحق أن تأخذه و في الحق أن تمنعه فاصبر كمدا أو مت أسفا حنقا فنظرت فإذا ليس معي رافد و لا ذاب و لا ناصر و لا ساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم عن المنية و أغضيت على القذى و تجرعت ريقي على الشجا و صبرت من كظم الغيظ علي أمر من العلقم و آلم للقلب من حز الشفار حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه ثم جئتموني لتبايعوني فأبيت عليكم و أمسكت يدي فنازعتموني و دافعتموني و بسطتم يدي فكففتها و مددتموها فقبضتها و ازدحمتم علي حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعضكم أو أنكم قاتلي فقلتم بايعنا لا نجد غيرك و لا نرضى إلا بك بايعنا

[ 97 ]

لا نفترق و لا تختلف كلمتنا فبايعتكم و دعوت الناس إلى بيعتي فمن بايع طوعا قبلته و من أبى لم أكرهه و تركته فبايعني فيمن بايعني طلحة و الزبير و لو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما فما لبثا إلا يسيرا حتى بلغني أنهما خرجا من مكة متوجهين إلى البصرة في جيش ما منهم رجل إلا قد أعطاني الطاعة و سمح لي بالبيعة فقدما على عاملي و خزان بيت مالي و على أهل مصري الذين كلهم على بيعتي و في طاعتي فشتتوا كلمتهم و أفسدوا جماعتهم ثم وثبوا على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم غدرا و طائفة صبرا و منهم طائفة غضبوا لله و لي فشهروا سيوفهم و ضربوا بها حتى لقوا الله عز و جل صادقين فو الله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله لحل لي به قتل ذلك الجيش بأسره فدع ما أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا بها عليهم و قد أدال الله منهم فبعدا للقوم الظالمين ثم إني نظرت في أمر أهل الشام فإذا أعراب أحزاب و أهل طمع جفاة طغاة يجتمعون من كل أوب من كان ينبغي أن يؤدب و أن يولى عليه و يؤخذ على يده ليسوا من الأنصار و لا المهاجرين و لا التابعين بإحسان فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة و الجماعة فأبوا إلا شقاقا و فراقا و نهضوا في وجوه المسلمين ينضحونهم بالنبل و يشجرونهم بالرماح فهناك نهدت إليهم بالمسلمين فقاتلتهم فلما عضهم السلاح و وجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها فأنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين و لا قرآن و أنهم رفعوها مكيدة و خديعة و وهنا و ضعفا فامضوا على حقكم و قتالكم فأبيتم علي و قلتم اقبل منهم فإن أجابوا إلى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من

[ 98 ]

الحق و إن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم فقبلت منهم و كففت عنهم إذ ونيتم و أبيتم فكان الصلح بينكم و بينهم على رجلين يحييان ما أحيا القرآن و يميتان ما أمات القرآن فاختلف رأيهما و تفرق حكمهما و نبذا ما في القرآن و خالفا ما في الكتاب فجنبهما الله السداد و دلاهما في الضلالة فانحرفت فرقة منا فتركناهم ما تركونا حتى إذا عثوا في الأرض يقتلون و يفسدون أتيناهم فقلنا ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ثم كتاب الله بيننا و بينكم قالوا كلنا قتلهم و كلنا استحل دماءهم و شدت علينا خيلهم و رجالهم فصرعهم الله مصارع الظالمين فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم فقلتم كلت سيوفنا و نفدت نبالنا و نصلت أسنة رماحنا و عاد أكثرها قصدا فارجع بنا إلى مصرنا لنستعد بأحسن عدتنا فإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا و فارقنا فإن ذلك أقوى لنا على عدونا فأقبلت بكم حتى إذا أطللتم على الكوفة أمرتكم أن تنزلوا بالنخيلة و أن تلزموا معسكركم و أن تضموا قواصيكم و أن توطنوا على الجهاد أنفسكم و لا تكثروا زيارة أبنائكم و نسائكم فإن أهل الحرب المصابروها و أهل التشمير فيها الذين لا ينقادون من سهر ليلهم و لا ظمإ نهارهم و لا خمص بطونهم و لا نصب أبدانهم فنزلت طائفة منكم معي معذرة و دخلت طائفة منكم المصر عاصية فلا من بقي منكم صبر و ثبت و لا من دخل المصر عاد و رجع فنظرت إلى معسكري و ليس فيه خمسون رجلا فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم فلم أقدر على أن تخرجوا معي إلى يومنا هذا فما تنتظرون أ ما ترون أطرافكم قد انتقصت و إلى مصر قد فتحت و إلى شيعتي بها قد قتلت و إلى مسالحكم تعرى و إلى بلادكم تغزى و أنتم ذوو عدد كثير

[ 99 ]

و شوكة و بأس شديد فما بالكم لله أنتم من أين تؤتون و ما لكم تؤفكون و أنى تسحرون و لو أنكم عزمتم و أجمعتم لم تراموا إلا أن القوم تراجعوا و تناشبوا و تناصحوا و أنتم قد ونيتم و تغاششتم و افترقتم ما إن أنتم إن ألممتم عندي على هذا بسعداء فانتهوا بأجمعكم و أجمعوا على حقكم و تجردوا لحرب عدوكم و قد أبدت الرغوة عن الصريح و بين الصبح لذي عينين إنما تقاتلون الطلقاء و أبناء الطلقاء و أولي الجفاء و من أسلم كرها و كان لرسول الله ص أنف الإسلام كله حربا أعداء الله و السنة و القرآن و أهل البدع و الأحداث و من كان بوائقه تتقى و كان عن الإسلام منحرفا أكلة الرشا و عبدة الدنيا لقد أنهي إلي أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى أعطاه و شرط له أن يؤتيه ما هي أعظم مما في يده من سلطانه ألا صفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا و خزيت أمانة هذا المشتري نصرة فاسق غادر بأموال المسلمين و إن فيهم من قد شرب فيكم الخمر و جلد الحد يعرف بالفساد في الدين و الفعل السيئ و إن فيهم من لم يسلم حتى رضخ له رضيخه فهؤلاء قادة القوم و من تركت ذكر مساوئه من قادتهم مثل من ذكرت منهم بل هو شر و يود هؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم فأظهروا فيكم الكفر و الفساد و الفجور و التسلط بجبرية و اتبعوا الهوى و حكموا بغير الحق و لأنتم على ما كان فيكم من تواكل و تخاذل خير منهم و أهدى سبيلا فيكم العلماء و الفقهاء و النجباء و الحكماء و حملة الكتاب و المتهجدون بالأسحار و عمار المساجد بتلاوة القرآن أ فلا تسخطون و تهتمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم و الأشرار الأراذل منكم

[ 100 ]

فاسمعوا قولي و أطيعوا أمري فو الله لئن أطعتموني لا تغوون و إن عصيتموني لا ترشدون خذوا للحرب أهبتها و أعدوا لها عدتها فقد شبت نارها و علا سنانها و تجرد لكم فيها الفاسقون كي يعذبوا عباد الله و يطفئوا نور الله ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع و المكر و الجفاء بأولى في الجد في غيهم و ضلالتهم من أهل البر و الزهادة و الإخبات في حقهم و طاعة ربهم إني و الله لو لقيتهم فردا و هم ملأ الأرض ما باليت و لا استوحشت و إني من ضلالتهم التي هم فيها و الهدى الذي نحن عليه لعلى ثقة و بينة و يقين و بصيرة و إني إلى لقاء ربي لمشتاق و لحسن ثوابه لمنتظر و لكن أسفا يعتريني و حزنا يخامرني أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها و فجارها فيتخذوا مال الله دولا و عباده خولا و الفاسقين حزبا و ايم الله لو لا ذلك لما أكثرت تأنيبكم و تحريضكم و لتركتكم إذ ونيتم و أبيتم حتى ألقاهم بنفسي متى حم لي لقاؤهم فو الله إني لعلى الحق و إني للشهادة لمحب فانفروا خفافا و ثقالا و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون و لا تثاقلوا إلى الأرض فتقروا بالخسف و تبوءوا بالذل و يكن نصيبكم الخسران إن أخا الحرب اليقظان و من ضعف أودى و من ترك الجهاد كان كالمغبون المهين اللهم اجمعنا و إياهم على الهدى و زهدنا و إياهم في الدنيا و اجعل الآخرة خيرا لنا و لهم من الأولى