ذكر مطاعن النظام على الإمام علي و الرد عليه

و اعلم أن النظام لما تكلم في كتاب النكت و انتصر لكون الإجماع ليس بحجة اضطر إلى ذكر عيوب الصحابة فذكر لكل منهم عيبا و وجه إلى كل واحد منهم طعنا و قال في علي إنه لما حارب الخوارج يوم النهروان كان يرفع رأسه إلى السماء تارة ينظر إليها ثم يطرق إلى الأرض فينظر إليها تارة أخرى يوهم أصحابه أنه يوحى إليه ثم يقول ما كذبت و لا كذبت فلما فرغ من قتالهم و أديل عليهم و وضعت الحرب أوزارها

قال الحسن ابنه يا أمير المؤمنين أ كان رسول الله ص تقدم إليك في أمر هؤلاء بشي‏ء فقال لا و لكن رسول الله ص أمرني بكل حق و من الحق أن أقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين . قال النظام و قوله ما كذبت و لا كذبت و رفعه رأسه أحيانا إلى السماء و أطراقه إلى الأرض إيهام أما لنزول الوحي عليه أو لأنه قد أوصى من قبل في شأن الخوارج بأمر ثم هو يقول ما أوصى فيهم على خصوصيتهم بأمر و إنما أوصى بكل الحق و قتالهم من الحق .

[ 130 ]

و هذا عجيب طريف . فنقول إن النظام أخطأ عندنا في تعريضه بهذا الرجل خطأ قبيحا و قال قولا منكرا نستغفر الله له من عقابه و نسأله عفوه عنه و ليست الرواية التي رواها عن الحسن و سؤاله لأبيه و جوابه له بصحيحة و لا معروفة و المشهور المعروف المنقول نقلا يكاد يبلغ درجة المتواتر من الأخبار ما روي عن رسول الله ص في معنى الخوارج بأعيانهم و ذكرهم بصفاتهم

و قوله ص لعلي ع إنك مقاتلهم و قاتلهم و إن المخدج ذا الثدية منهم و إنك ستقاتل بعدي الناكثين و القاسطين و المارقين فجعلهم أصنافا ثلاثة حسب ما وقعت الحال عليه و هذا من معجزات الرسول ص و إخباره عن الغيوب المفصلة فما أعلم من أي كتاب نقل النظام هذه الرواية و لا عن أي محدث رواها و لقد كان رحمه الله تعالى بعيدا عن معرفة الأخبار و السير منصبا فكره مجهدا نفسه في الأمور النظرية الدقيقة كمسألة الجزء و مداخلة الأجسام و غيرهما و لم يكن الحديث و السير من فنونه و لا من علومه و لا ريب أنه سمعها ممن لا يوثق بقوله فنقلها كما سمعها . فأما كونه ع كان ينظر تارة إلى السماء و تارة إلى الأرض و قوله ما كذبت و لا كذبت فصحيح و موثوق بنقله لاستقامته و شهرته و كثرة رواته و الوجه في ذلك أنه استبطأ وجود المخدج حيث طلبه في جملة القتلى فلما طال الزمان و أشفق من دخول شبهة على أصحابه لما كان قدمه إليهم من الأخبار قلق و اهتم و جعل يكرر قوله ما كذبت و لا كذبت أي ما كذبت على رسول الله ص و لا كذبني رسول الله ص فيما أخبرني به . فأما رفعه رأسه إلى السماء تارة و أطراقه إلى الأرض أخرى فإنه حيث كان يرفع

[ 131 ]

رأسه كان يدعو و يتضرع إلى الله في تعجيل الظفر بالمخدج و حيث يطرق كان يغلبه الهم و الفكر فيطرق . ثم حين يقول ما كذبت و لا كذبت كيف ينتظر نزول الوحي فإن من نزل عليه الوحي لا يحتاج أن يسند الخبر إلى غيره و يقول ما كذبت فيما أخبرتكم به عن رسول الله ص . و مما طعن به النظام عليه

أنه ع قال إذا حدثتكم عن رسول الله ص فهو كما حدثتكم فو الله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله ص و إذا سمعتموني أحدثكم فيما بيني و بينكم فإنما الحرب خدعة . قال النظام هذا يجري مجرى التدليس في الحديث و لو لم يحدثهم عن رسول الله ص بالمعاريض و على طريق الإيهام لما اعتذر من ذلك . فنقول في الجواب إن النظام قد وهم و انعكس عليه مقصد أمير المؤمنين و ذلك أنه ع لشدة ورعه أراد أن يفصل للسامعين بين ما يخبر به عن نفسه و بين ما يرويه عن رسول الله ص و ذلك لأن الضرورة ربما تدعوه إلى استعماله المعاريض لا سيما في الحرب المبنية على الخديعة و الرأي فقال لهم كلما أقول لكم قال لي رسول الله ص فاعلموا أنه سليم من المعاريض خال من الرمز و الكناية لأني لا أستجيز و لا أستحل أن أعمي أو ألغز في حديث رسول الله ص . و ما حدثتكم به عن نفسي فربما أستعمل فيه المعاريض لأن الحرب خدعة .

[ 132 ]

و هذا كلام رجل قد استعمل التقوى و الورع في جميع أموره و بلغ من تعظيم أمر الرسول عليه أفضل الصلاة و السلام و إجلال قدره و احترام حديثه ألا يرويه إلا بألفاظه لا بمعانيه و لا بأمر يقتضي فيه إلباسا و تعمية و لو كان مضطرا إلى ذلك ترجيحا للجانب الذي على جانب مصلحته في خاص نفسه فأما إذا هو قال كلاما يبتدئ به من نفسه فإنه قد يستعمل فيه المعاريض إذا اقتضت الحكمة و التدبير ذلك فقد كان رسول الله ص باتفاق الرواة كافة إذا أراد أن يغزو وجها ورى عنه بغيره و لما خرج ع من المدينة لفتح مكة قال لأصحابه كلاما يقتضي أنه يقصد بني بكر بن عبد مناة من كنانة فلم يعلموا حقيقة حاله حتى شارف مكة و قال حين هاجر و صحبه أبو بكر الصديق لأعرابي لقيهما من أين أنت و ممن أنت فلما انتسب لهما قال له الأعرابي أما أنا فقد اطلعتكما طلع أمري فممن أنت فقال من ماء لم يزده على ذلك فجعل الأعرابي يفكر و يقول من أي ماء من ماء بني فلان من ماء بني فلان فتركه و لم يفسر له و إنما أراد ع أنه مخلوق من نطفة . فأما قول النظام لو لم يحدث عن رسول الله ص بالمعاريض لما اعتذر من ذلك فليس في كلامه اعتذار و لكنه نفي أن يدخل المعاريض في روايته و أجازها فيما يبتدئ به عن نفسه و ليس يتضمن هذا اعتذارا و قوله لأن أخر من السماء يدل على أنه ما فعل ذلك و لا يفعله . ثم قال على من أكذب يقول كيف أكذب على الله و أنا أول المؤمنين به و كيف أكذب على رسول الله و أنا أول المصدقين به أخرجه مخرج الاستبعاد لدعواهم و زعمهم . فإن قلت كيف يمكن أن يكون المكلف الذي هو من أتباع الرسول كاذبا على الله إلا بواسطة إخباره عن الرسول لأنه لا وصلة و لا واسطة بينه و بين الله تعالى إلا الرسول .

[ 133 ]

و إذا لم يمكن كذبه على الله إلا بكذبه على الرسول لم يبق لتقسيم الكذب و قوله أ فأنا أكذب على الله أو على رسوله معنى . قلت يمكن أن يكذب الكاذب على الله دون أن يكون كاذبا على الرسول و إن كان من أتباع الرسول نحو أن يقول كنت مع الرسول ص ليلة في مقبرة فأحيا الله تعالى فلانا الميت فقام و قال كذا أو يقول كنت معه يوم كذا فسمعت مناديا يناديه من السماء افعل كذا أو نحو ذلك من الأخبار بأمور لا تستند إلى حديث الرسول . ثم قال ع كلا و الله أي لا و الله و قيل إن كلا بمعنى حقا و إنه إثبات . قال و لكنها لهجة غبتم عنها اللهجة بفتح الجيم و هي آلة النطق يقال له هو فصيح اللهجة و صادق اللهجة و يمكن أن يعنى بها لهجة رسول الله ص فيقول شهدت و غبتم و يمكن أن يعنى بها لهجته هو فيقول إنها لهجة غبتم عن منافعها و أعدمتم أنفسكم ثمن مناصحتها . ثم قال ويلمه الضمير راجع إلى ما دل عليه معنى الكلام من العلم لأنه لما ذكر اللهجة و شهوده إياها و غيبوبتهم عنها دل ذلك على علم له خصه به الرسول ع فقال ويلمه و هذه كلمة تقال للتعجب و الاستعظام يقال ويلمه فارسا و تكتب موصولة كما هي بهذه الصورة و أصله ويل أمه مرادهم التعظيم و المدح و إن كان اللفظ موضوعا لضد ذلك

كقوله ع فاظفر بذات الدين تربت يداك و كقولهم للرجل يصفونه و يقرظونه لا أبا له . و قال الحسن البصري و هو يذكر عليا ع و يصف كونه على الحق

[ 134 ]

في جميع أموره حتى قال فلما شارف الظفر وافق على التحكيم و ما لك في التحكيم و الحق في يديك لا أبا لك . قال أبو العباس المبرد هي كلمة فيها جفاء و خشونة كانت الأعراب تستعملها فيمن يستعظمون أمره قال و لما أنشد سليمان بن عبد الملك قول بعض الأعراب

رب العباد ما لنا و ما لكا
قد كنت تسقينا فما بدا لكا
أنزل علينا الغيث لا أبا لكا

قال أشهد أنه لا أب له و لا صاحبة و لا ولد فأخرجها أحسن مخرج . ثم قال ع كيلا بغير ثمن لو كان له وعاء انتصب كيلا لأنه مصدر في موضع الحال و يمكن أن ينتصب على التمييز كقولهم لله دره فارسا يقول أنا أكيل لكم العلم و الحكمة كيلا و لا أطلب لذلك ثمنا لو وجدت وعاء أي حاملا للعلم

و هذا مثل قوله ع ها إن بين جنبي علما جما لو أجد له حملة . ثم ختم الفصل بقوله تعالى وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ و هو أحسن ما ختم هذا الكلام به