من أدعية الصحيفة

و من دعاء أمير المؤمنين ع و كان يدعو به زين العابدين علي بن الحسين ع و هو من أدعية الصحيفة يا من يرحم من لا يرحمه العباد و يا من يقبل من لا تقبله البلاد و يا من لا يحتقر أهل الحاجة إليه يا من لا يجبه بالرد أهل الإلحاح إليه يا من لا يخفى عليه صغير ما يتحف به و لا يضيع يسير ما يعمل له يا من يشكر على القليل و يجازي بالجليل يا من يدنو إلى من دنا منه يا من يدعو إلى نفسه من أدبر عنه يا من لا يغير النعمة و لا يبادر بالنقمة يا من يثمر الحسنة حتى ينميها و يتجاوز عن السيئة حتى يعفيها انصرفت

[ 179 ]

دون مدى كرمك الحاجات و امتلأت ببعض جودك أوعية الطلبات و تفسخت دون بلوغ نعتك الصفات فلك العلو الأعلى فوق كل عال و الجلال الأمجد فوق كل جلال كل جليل عندك حقير و كل شريف في جنب شرفك صغير خاب الوافدون على غيرك و خسر المتعرضون إلا لك و ضاع الملمون إلا بك و أجدب المنتجعون إلا من انتجع فضلك لأنك ذو غاية قريبة من الراغبين و ذو مجد مباح للسائلين لا يخيب لديك الآملون و لا يخفق من عطائك المتعرضون و لا يشقى بنقمتك المستغفرون رزقك مبسوط لمن عصاك و حلمك معرض لمن ناواك و عادتك الإحسان إلى المسيئين و سنتك الإبقاء على المعتدين حتى لقد غرتهم أناتك عن النزوع و صدهم إمهالك عن الرجوع و إنما تأنيت بهم ليفيئوا إلى أمرك و أمهلتهم ثقة بدوام ملكك فمن كان من أهل السعادة ختمت له بها و من كان من أهل الشقاوة خذلته لها . كلهم صائر إلى رحمتك و أمورهم آئلة إلى أمرك لم يهن على طول مدتهم سلطانك و لم تدحض لترك معاجلتهم حججك حجتك قائمة و سلطانك ثابت فالويل الدائم لمن جنح عنك و الخيبة الخاذلة لمن خاب أمله منك و الشقاء الأشقى لمن اغتر بك ما أكثر تقلبه في عذابك و ما أعظم تردده في عقابك و ما أبعد غايته من الفرج و ما أثبطه من سهولة المخرج عدلا من قضائك لا تجور فيه و إنصافا من حكمك لا تحيف عليه قد ظاهرت الحجج و أزلت الأعذار و تقدمت بالوعيد و تلطفت في الترغيب و ضربت الأمثال و أطلت الإمهال و أخرت و أنت تستطيع المعاجلة و تأنيت و أنت ملي‏ء بالمبادرة لم تك أناتك عجزا و لا حلمك وهنا و لا إمساكك لعلة و لا انتظارك لمداراة بل لتكون حجتك الأبلغ و كرمك الأكمل و إحسانك الأوفى و نعمتك الأتم

[ 180 ]

كل ذلك كان و لم يزل و هو كائن لا يزول نعمتك أجل من أن توصف بكلها و مجدك أرفع من أن يحد بكنهه و إحسانك أكبر من أن يشكر على أقله فقد أقصرت ساكتا عن تحميدك و تهيبت ممسكا عن تمجيدك لا رغبة يا إلهي عنك بل عجزا و لا زهدا فيما عندك بل تقصيرا و ها أنا ذا يا إلهي أؤمل بالوفادة و أسألك حسن الرفادة فاسمع ندائي و استجب دعائي و لا تختم عملي بخيبتي و لا تجبهني بالرد في مسألتي و أكرم من عندك منصرفي إنك غير ضائق عما تريد و لا عاجز عما تشاء و أنت على كل شي‏ء قدير

و من أدعيته ع و هو من أدعية الصحيفة أيضا اللهم يا من برحمته يستغيث المذنبون و يا من إلى إحسانه يفزع المضطرون و يا من لخيفته ينتحب الخاطئون يا أنس كل مستوحش غريب يا فرج كل مكروب حريب يا عون كل مخذول فريد يا عائذ كل محتاج طريد أنت الذي وسعت كل شي‏ء رحمة و علما و أنت الذي جعلت لكل مخلوق في نعمتك سهما و أنت الذي عفوه أعلى من عقابه و أنت الذي رحمته أمام غضبه و أنت الذي إعطاؤه أكبر من منعه و أنت الذي وسع الخلائق كلهم بعفوه و أنت الذي لا يرغب في غنى من أعطاه و أنت الذي لا يفرط في عقاب من عصاه . و أنا يا سيدي عبدك الذي أمرته بالدعاء فقال لبيك و سعديك و أنا يا سيدي عبدك الذي أوقرت الخطايا ظهره و أنا الذي أفنت الذنوب عمره و أنا الذي بجهله عصاك و لم يكن أهلا منه لذلك فهل أنت يا مولاي راحم من دعاك فاجتهد في الدعاء أم أنت غافر لمن بكى لك فأسرع في البكاء أم أنت متجاوز عمن عفر لك وجهه متذللا أم أنت مغن من شكا إليك فقره متوكلا

[ 181 ]

اللهم فلا تخيب من لا يجد معطيا غيرك و لا تخذل من لا يستغني عنك بأحد دونك اللهم لا تعرض عني و قد أقبلت عليك و لا تحرمني و قد رغبت إليك و لا تجبهني بالرد و قد انتصبت بين يديك أنت الذي وصفت نفسك بالرحمة و أنت الذي سميت نفسك بالعفو فارحمني و اعف عني فقد ترى يا سيدي فيض دموعي من خيفتك و وجيب قلبي من خشيتك و انتفاض جوارحي من هيبتك كل ذلك حياء منك بسوء عملي و خجلا منك لكثرة ذنوبي قد كل لساني عن مناجاتك و خمد صوتي عن الدعاء إليك يا إلهي فكم من عيب سترته علي فلم تفضحني و كم من ذنب غطيت عليه فلم تشهر بي و كم من عائبة ألممت بها فلم تهتك عني سترها و لم تقلدني مكروها شنارها و لم تبد علي محرمات سوآتها فمن يلتمس معايبي من جيرتي و حسدة نعمتك عندي ثم لم ينهني ذلك حتى صرت إلى أسوإ ما عهدت مني فمن أجهل مني يا سيدي برشدك و من أغفل مني عن حظه منك و من أبعد مني من استصلاح نفسه حين أنفقت ما أجريت علي من رزقك فيما نهيتني عنه من معصيتك و من أبعد غورا في الباطل و أشد إقداما على السوء مني حين أقف بين دعوتك و دعوة الشيطان فأتبع دعوته على غير عمى عن المعرفة به و لا نسيان من حفظي له و أنا حينئذ موقن أن منتهى دعوتك الجنة و منتهى دعوته النار سبحانك فما أعجب ما أشهد به على نفسي و أعدده من مكنون أمري و أعجب من ذلك أناتك عني و إبطاؤك عن معاجلتي و ليس ذلك من كرمي عليك بل تأتيا منك بي و تفضلا منك علي لأن أرتدع عن خطئي و لأن عفوك أحب إليك من عقوبتي بل أنا يا إلهي أكثر ذنوبا و أقبح آثارا و أشنع أفعالا و أشد في الباطل تهورا و أضعف عند طاعتك تيقظا و أغفل لوعيدك انتباها من أن أحصي لك عيوبي و أقدر على تعديد

[ 182 ]

ذنوبي و إنما أوبخ بهذا نفسي طمعا في رأفتك التي بها إصلاح أمر المذنبين و رجاء لعصمتك التي بها فكاك رقاب الخاطئين اللهم و هذه رقبتي قد أرقتها الذنوب فأعتقها بعفوك و قد أثقلتها الخطايا فخفف عنها بمنك اللهم إني لو بكيت حتى تسقط أشفار عيني و انتحبت حتى ينقطع صوتي و قمت لك حتى تنتشر قدماي و ركعت لك حتى ينجذع صلبي و سجدت لك حتى تتفقأ حدقتاي و أكلت التراب طول عمري و شربت ماء الرماد آخر دهري و ذكرتك في خلال ذلك حتى يكل لساني ثم لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء استحياء منك لما استوجبت بذلك محو سيئة واحدة من سيئاتي فإن كنت تغفر لي حين أستوجب مغفرتك و تعفو عني حين أستحق عفوك فإن ذلك غير واجب لي بالاستحقاق و لا أنا أهل له على الاستيجاب إذ كان جزائي منك من أول ما عصيتك النار فإن تعذبني فإنك غير ظالم إلهي فإن تغمدتني بسترك فلم تفضحني و أمهلتني بكرمك فلم تعاجلني و حلمت عني بتفضلك فلم تغير نعمك علي و لم تكدر معروفك عندي فارحم طول تضرعي و شدة مسكنتي و سوء موقفي اللهم صل على محمد و آل محمد و أنقذني من المعاصي و استعملني بالطاعة و ارزقني حسن الإنابة و طهرني بالتوبة و أيدني بالعصمة و استصلحني بالعافية و ارزقني حلاوة المغفرة و اجعلني طليق عفوك و اكتب لي أمانا من سخطك و بشرني بذلك في العاجل دون الآجل بشرى أعرفها و عرفني له علامة أتبينها أن ذلك لا يضيق عليك في وجدك و لا يتكاءدك في قدرتك و أنت على كل شي‏ء قدير

و من أدعيته ع و هو من أدعية الصحيفة

[ 183 ]

اللهم يا ذا الملك المتأبد بالخلود و السلطان الممتنع بغير جنود و المعز الباقي على مر الدهور عز سلطانك عزا لا حد له و لا منتهى لآخره و استعلى ملكك علوا سقطت الأشياء دون بلوغ أمده و لا يبلغ أدنى ما استأثرت به من ذلك نعوت أقصى نعت الناعتين ضلت فيك الصفات و تفسخت دونك النعوت و حارت في كبريائك لطائف الأوهام كذلك أنت الله في أوليتك و على ذلك أنت دائم لا تزول و كذلك أنت الله في آخريتك و كذلك أنت ثابت لا تحول و أنا العبد الضعيف عملا الجسيم أملا خرجت من يدي أسباب الوصلات إلى رحمتك و تقطعت عني عصم الآمال إلا ما أنا معتصم به من عفوك قل عندي ما أعتد به من طاعتك و كثر عندي ما أبوء به من معصيتك و لن يفوتك عفو عن عبدك و إن أساء فاعف عني اللهم قد أشرف على كل خطايا الأعمال علمك و انكشف كل مستور عند خبرك فلا ينطوي عنك دقائق الأمور و لا يعزب عنك خفايا السرائر و قد هربت إليك من صغائر ذنوب موبقة و كبائر أعمال مردية فلا شفيع يشفع لي إليك و لا خفير يؤمنني منك و لا حصن يحجبني عنك و لا ملاذ ألجأ إليه غيرك هذا مقام العائذ بك و محل المعترف لك فلا يضيقن عني فضلك و لا يقصرن دوني عفوك و لا أكون أخيب عبادك التائبين و لا أقنط وفودك الآملين و اغفر لي إنك خير الغافرين اللهم إنك أمرتني فغفلت و نهيتني فركبت و هذا مقام من استحيا لنفسه منك و سخط عليها و رضي عنك و تلقاك بنفس خاشعة و عين خاضعة و ظهر مثقل من الخطايا واقفا بين الرغبة إليك و الرهبة منك و أنت أولى من رجاه و أحق من خشيه و اتقاه

[ 184 ]

فأعطني يا رب ما رجوت و أمني ما حذرت و عد علي بفضلك و رحمتك إنك أكرم المسئولين اللهم و إذ سترتني بعفوك و تغمدتني بفضلك في دار الفناء فأجرني من فضيحات دار البقاء عند مواقف الأشهاد من الملائكة المقربين و الرسل المكرمين و الشهداء الصالحين من جار كنت أكاتمه سيئاتي و من ذي رحم كنت أحتشم منه لسريراتي لم أثق بهم في الستر علي و وثقت بك في المغفرة لي و أنت أولى من وثق به و أعطى من رغب إليه و أرأف من استرحم فارحمني اللهم إني أعوذ بك من نار تغلظت بها على من عصاك و أوعدت بها من ضارك و ناواك و صدف عن رضاك و من نار نورها ظلمة و هينها صعب و قريبها بعيد و من نار يأكل بعضها بعضا و يصول بعضها على بعض و من نار تذر العظام رميما و تسقي أهلها حميما و من نار لا تبقى على من تضرع و لا ترحم من استعطفها و لا تقدر على التخفيف عمن خشع لها و استبتل إليها تلقى سكانها بأحر ما لديها من أليم النكال و شديد الوبال اللهم بك أعوذ من عقاربها الفاغرة أفواهها و حياتها الناهشة بأنيابها و شرابها الذي يقطع الأمعاء و يذيب الأحشاء و أستهديك لما باعد عنها و أنقذ منها فأجرني بفضل رحمتك و أقلني عثرتي بحسن إقالتك و لا تخذلني يا خير المجيرين اللهم صل على محمد و آل محمد إذا ذكر الأبرار و صل على محمد و آل محمد ما اختلف الليل و النهار صلاة لا ينقطع مددها و لا يحصى عددها صلاة تشحن الهواء و تملأ الأرض و السماء صل اللهم عليه و عليهم حتى ترضى و صل عليه و عليهم بعد الرضا صلاة لا حد لها و لا منتهى يا أرحم الراحمين

[ 185 ]

و من دعائه ع و هو من أدعية الصحيفة اللهم إني أعوذ بك من هيجان الحرص و سورة الغضب و غلبة الحسد و ضعف الصبر و قلة القناعة و شكاسة الخلق و إلحاح الشهوة و ملكة الحمية و متابعة الهوى و مخالفة الهدى و سنة الغفلة و تعاطي الكلفة و إيثار الباطل على الحق و الإصرار على المآثم و الاستكثار من المعصية و الإقلال من الطاعة و مباهات المكثرين و الإزراء على المقلين و سوء الولاية على من تحت أيدينا و ترك الشكر لمن اصطنع العارفة عندنا و أن نعضد ظالما أو نخذل ملهوفا أو نروم ما ليس لنا بحق أو نقول بغير علم و نعوذ بك أن ننطوي على غش لأحد و أن نعجب بأموالنا و أعمالنا و أن نمد في آمالنا و نعوذ بك من سوء السريرة و احتقار الصغيرة و أن يستحوذ علينا الشيطان أو يشتد لنا الزمان أو يتهضمنا السلطان و نعوذ بك من حب الإسراف و فقدان الكفاف و من شماتة الأعداء و الفقر إلى الأصدقاء و من عيشة في شدة أو موت على غير عدة و نعوذ اللهم بك من الحسرة العظمى و المصيبة الكبرى و من سوء المآب و حرمان الثواب و حلول العقاب اللهم أعذنا من كل ذلك برحمتك و منك و جودك إنك على كل شي‏ء قدير

و من دعائه ع و تحميده و ذكره النبي ص و هو من أدعية الصحيفة أيضا الحمد لله بكل ما حمده أدنى ملائكته إليه و أكرم خلقه عليه و أرضى حامديه لديه حمدا يفضل سائر الحمد كفضل ربنا جل جلاله على جميع خلقه ثم له الحمد مكان كل نعمة له علينا و على جميع عباده الماضين و الباقين عدد ما أحاط به علمه و من جميع الأشياء أضعافا مضاعفة أبدا سرمدا إلى يوم القيامة و إلى ما لا نهاية له

[ 186 ]

من بعد القيامة حمدا لا غاية لحده و لا حساب لعده و لا مبلغ لأعداده و لا انقطاع لآماده حمدا يكون وصلة إلى طاعته و سببا إلى رضوانه و ذريعة إلى مغفرته و طريقا إلى جنته و خفيرا من نقمته و أمنا من غضبه و ظهيرا على طاعته و حاجزا عن معصيته و عونا على تأدية حقه و وظائفه حمدا نسعد به في السعداء من أوليائه و ننتظم به في نظام الشهداء بسيوف أعدائه و الحمد لله الذي من علينا بنبيه محمد ص دون الأمم الماضية و القرون السالفة لقدرته التي لا تعجز عن شي‏ء و إن عظم و لا يفوتها شي‏ء و إن لطف اللهم فصل على محمد أمينك على وحيك و نجيك من خلقك و صفيك من عبادك إمام الرحمة و قائد الخير و مفتاح البركة كما نصب لأمرك نفسه و عرض فيك للمكروه بدنه و كاشف في الدعاء إليك حاسته و حارب في رضاك أسرته و قطع في نصرة دينك رحمه و أقصى الأدنين على عنودهم عنك و قرب الأقصين على استجابتهم لك و والى فيك الأبعدين و عاند فيك الأقربين و أدأب نفسه في تبليغ رسالتك و أتعبها في الدعاء إلى ملتك و شغلها بالنصح لأهل دعوتك و هاجر إلى بلاد الغربة و محل النأي عن موطن رحله و موضع رجله و مسقط رأسه و مأنس نفسه إرادة منه لإعزاز دينك و استنصارا على أهل الكفر بك حتى استتب له ما حاول في أعدائك و استتم له ما دبر في أوليائك فنهد إلى المشركين بك مستفتحا بعونك و متقويا على ضعفه بنصرك فغزاهم في عقر ديارهم و هجم عليهم في بحبوحة قرارهم حتى ظهر أمرك و علت كلمتك و قد كره المشركون اللهم فارفعه بما كدح فيك إلى الدرجة العليا من جنتك حتى لا يساوى في منزلة و لا يكافأ في مرتبة و لا يوازيه لديك ملك مقرب و لا نبي مرسل و عرفه في أمته من

[ 187 ]

حسن الشفاعة أجل ما وعدته يا نافذ العدة يا وافي القول يا مبدل السيئات بأضعافها من الحسنات إنك ذو الفضل العظيم