القول في أحكام النجوم

و اعلم أن الناس قد اختلفوا في أحكام النجوم فأنكرها جمهور المسلمين و المحققون من الحكماء و نحن نتكلم هاهنا في ذلك و نبحث فيه بحثين بحثا كلاميا و بحثا حكميا . أما البحث الكلامي هو أن يقال أما أن يذهب المنجمون إلى أن النجوم مؤثرة أو أمارات . و الوجه الأول ينقسم قسمين أحدهما أن يقال إنها تفعل بالاختيار و الثاني أن تفعل بالإيجاب . و القول بأنها تفعل بالاختيار باطل لأن المختار لا بد أن يكون قادرا حيا و الإجماع من المسلمين حاصل على أن الكواكب ليست حية و لا قادرة و الإجماع حجة و قد بين المتكلمون أيضا أن من شرط الحياة الرطوبة و أن تكون الحرارة على قدر مخصوص متى أفرط امتنع حلول الحياة في ذلك الجسم فإن النار على صرافتها يستحيل أن تكون حية و أن تحلها الحياة لعدم الرطوبة و إفراط الحرارة فيها و اليبس و الشمس أشد حرارة من النار لأنها على بعدها تؤثره النار على قربها و ذلك دليل على أن حرارتها أضعاف حرارة النار و بينوا أيضا أنها لو كانت حية قادرة لم يجز أن تفعل في غيرها ابتداء لأن القادر بقدرة لا يصح منه الاختراع و إنما يفعل في غيره على سبيل التوليد و لا بد من وصلة بين الفاعل و المفعول فيه و الكواكب غير مماسة لنا فلا وصلة بينها و بيننا فيستحيل أن تكون فاعلة فينا .

[ 201 ]

فإن ادعى مدع أن الوصلة هي الهواء فعن ذلك أجوبة أحدها أن الهواء لا يجوز أن يكون وصلة و آلة في الحركات الشديدة و حمل الأثقال لا سيما إذا لم يتموج . و الثاني أنه كان يجب أن نحس بذلك و نعلم أن الهواء يحركنا و يصرفنا كما نعلم في الجسم إذا حركنا و صرفنا بآلة موضع تحريكه لنا بتلك الآلة . و الثالث أن في الأفعال الحادثة فينا ما لا يجوز أن يفعل بآلة و لا يتولد عن سبب كالإرادات و الاعتقادات و نحوها . و قد دلل أصحابنا أيضا على إبطال كون الكواكب فاعلة للأفعال فينا بأن ذلك يقتضي سقوط الأمر و النهي و المدح و الذم و يلزمهم ما يلزم المجبرة و هذا الوجه يبطل كون الكواكب فاعلة فينا بالإيجاب كما يبطل كونها فاعلة بالاختيار . و أما القول بأنها أمارات على ما يحدث و يتجدد فيمكن أن ينصر بأن يقال لم لا يجوز أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل أفعالا مخصوصة عند طلوع كوكب أو غروبه أو اتصاله بكوكب آخر . و الكلام على ذلك بأن يقال هذا غير ممتنع لو ثبت سمع مقطوع به يقتضي ذلك فإن هذا مما لا يعلم بالعقل . فإن قالوا نعلم بالتجربة . قيل لهم التجربة إنما تكون حجة إذا استمرت و اطردت و أنتم خطؤكم فيما تحكمون به أكثر من صوابكم فهلا نسبتم الصواب الذي يقع منكم إلى الاتفاق و التخمين فقد رأينا من أصحاب الزرق و التخمين من يصيب أكثر مما يصيب المنجم و هو من غير أصل صحيح و لا قاعدة معتمدة و متى قلتم إنما أخطأ المنجم لغلطه في تسيير الكواكب

[ 202 ]

قيل لكم و لم لا يكون سبب الإصابة اتفاقا و إنما يصح لكم هذا التأويل و التخريج لو كان على صحة أحكام النجوم دليل قاطع هو غير إصابة المنجم . فأما إذا كان دليل صحة الأحكام الإصابة فهلا كان دليل فسادها الخطاء فما أحدهما إلا في مقابلة صاحبه . و مما قيل على أصحاب الأحكام إن قيل لهم في شي‏ء بعينه خذوا الطالع و احكموا أ يؤخذ أم يترك فإن حكموا بأحدهما خولفوا و فعل خلاف ما أخبروا به و هذه المسألة قد أعضل عليهم جوابها . و قال بعض المتكلمين لبعض المنجمين أخبرني لو فرضنا جادة مسلوكة و طريقا يمشي فيها الناس نهارا و ليلا و في تلك المحجة آبار متقاربة و بين بعضها و بعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمل و توقف حتى يتخلص من السقوط في بعض تلك الآبار هل يجوز أن تكون سلامة من يمشي بهذا الطريق من العميان كسلامة من يمشي فيه من البصراء و المفروض أن الطريق لا يخلو طرفة عين من مشاة فيها عميان و مبصرون و هل يجوز أن يكون عطب البصراء مقاربا لعطب العميان . فقال المنجم هذا مما لا يجوز بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان . فقال المتكلم فقد بطل قولكم لأن مسألتنا نظير هذه الصورة فإن مثال البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم و يميزون مساعدها من مناحسها و يتوقون بهذه المعرفة مضار الوقت و الحركات و يتخطونها و يعتمدون منافعها و يقصدونها و مثال العميان كل من لا يحسن علم النجوم و لا يقولون به من أهل العلم و العامة و هم أضعاف أضعاف عدد المنجمين .

[ 203 ]

و مثال الطريق الذي فيه الآبار الزمان الذي مضى و مر على الخلق أجمعين و مثال آباره مصائبه و محنه . و قد كان يجب لو صح علم أحكام النجوم أن سلامة المنجمين أكثر و مصائبهم أقل لأنهم يتوقون المحن و يتخطونها لعلمهم بها قبل كونها و أن تكون محن المعرضين عن علم أحكام النجوم على كثرتهم أوفر و أظهر حتى تكون سلامة كل واحد منهم هي الطريقة الغريبة و المعلوم خلاف ذلك فإن السلامة و المحن في الجميع متقاربة متناسبة غير متفاوتة . و أما البحث الحكمي في هذا الموضع فهو أن الحادث في عالم العناصر عند حلول الكوكب المخصوص في البرج المخصوص إما أن يكون المقتضي له مجرد ذلك الكوكب أو مجرد ذلك البرج أو حلول ذلك الكوكب في ذلك البرج فالأولان باطلان و إلا لوجب أن يحدث ذلك الأمر قبل أن يحدث و الثالث باطل أيضا لأنه إما أن يكون ذلك البرج مساويا لغيره من البروج في الماهية أو مخالفا و الأول يقتضي حدوث ذلك الحادث حال ما كان ذلك الكوكب حالا في غيره من البروج لأن حكم الشي‏ء حكم مثله و الثاني يقتضي كون كرة البروج متخالفة الأجزاء في أنفسها و يلزم في ذلك كونها مركبة و قد قامت الدلالة على أنه لا شي‏ء من الأفلاك بمركب . و قد اعترض على هذا الدليل بوجهين أحدهما أنه لم لا يجوز أن تختلف أفعال الكواكب المتحيرة عند حلولها في البروج لا لاختلاف البروج في نفسها بل لاختلاف ما في تلك البروج من الكواكب الثابتة المختلفة الطبائع . الوجه الثاني لم لا يجوز أن يقال الفلك التاسع مكوكب بكواكب صغار لا نراها

[ 204 ]

لغاية بعدها عنا فإذا تحركت في كرات تداويرها سامتت مواضع مخصوصة من كرة الكواكب الثابتة و هي فلك البروج فاختلفت آثار الكواكب المتحيرة عند حلولها في البروج باعتبار اختلاف تلك الكواكب الصغيرة و لم لا يجوز إثبات كرة بين الكرة الثامنة و بين الفلك الأطلس المدبر لجميع الأفلاك من المشرق إلى المغرب و تكون تلك الكرة المتوسطة بينهما بطيئة الحركة بحيث لا تفي أعمارنا بالوقوف على حركتها و هي مكوكبة بتلك الكواكب الصغار المختلفة الطبائع . و أجيب عن الأول بأنه لو كان الأمر كما ذكر لوجب أن تختلف بيوت الكواكب و أشرافها و حدودها عند حركة الثوابت بحركة فلكها حتى أنها تتقدم على مواضعها في كل مائة سنة على رأي المتقدمين أو في كل ست و ستين سنة على رأي المتأخرين درجة واحدة لكن ليس الأمر كذلك فإن شرف القمر كما أنه في زماننا في درجة الثالثة من الثور فكذلك كان عند الذين كانوا قبلنا بألف سنة و بألفي سنة . و أما الوجه الثاني فلا جواب عنه . و اعلم أن الفلاسفة قد عولت في إبطال القول بأحكام النجوم على وجه واحد و هو أن مبنى هذا العلم على التجربة و لم توجد التجربة فيما يدعيه أرباب علم النجوم فإن هاهنا أمورا لا تتكرر إلا في الأعمار المتطاولة مثل الأدوار و الألوف التي زعم أبو معشر أنها هي الأصل في هذا العلم و مثل مماسة جرم زحل للكرة المكوكبة و مثل انطباق معدل النهار على دائرة فلك البروج فإنهم يزعمون أن ذلك يقتضي حدوث طوفان الماء و إحاطته بالأرض من جميع الجوانب مع أن هذه الأمور لا توجد إلا في ألوف الألوف من السنين فكيف تصح أمثال هذه الأمور بالتجربة . و أيضا فإنا إذا رأينا حادثا حدث عند حلول كوكب مخصوص في برج مخصوص

[ 205 ]

فكيف نعلم استناد حدوثه إلى ذلك الحلول فإن في الفلك كواكب لا تحصى فما الذي خصص حدوث ذلك الحدوث بحلول ذلك الكوكب في ذلك البرج لا غيره و بتقدير أن يكون لحلوله تأثير في ذلك فلا يمكن الجزم قبل حلوله بأنه إذا حل في البرج المذكور لا بد أن يحدث ذلك الحادث لجواز أن يوجد ما يبطل تأثيره نحو أن يحل كوكب آخر في برج آخر فيدفع تأثيره و يبطل عمله أو لعل المادة الأرضية لا تكون مستعدة لقبول تلك الصورة و حدوث الحادث كما يتوقف على حصول الفاعل يتوقف على حصول القابل و إذا وقع الشك في هذه الأمور بطل القول بالجزم بعلم أحكام النجوم و هذه الحجة جيدة إن كان المنجمون يطلبون القطع في علمهم . فإما أن كانوا يطلبون الظن فإن هذه الحجة لا تفسد قولهم . فأما أبو البركات بن ملكا البغدادي صاحب كتاب المعتبر فإنه أبطل أحكام النجوم من وجه و أثبته من وجه . قال أما من يريد تطبيق علم أحكام النجوم على قاعدة العلم الطبيعي فإنه لا سبيل له إلى ذلك فإنا لا نتعلق من أقوالهم إلا بأحكام يحكمون بها من غير دليل نحو القول بحر الكواكب و بردها أو رطوبتها و يبوستها و اعتدالها كقولهم إن زحل بارد يابس و المشتري معتدل و الاعتدال خير و الإفراط شر و ينتجون من ذلك أن الخير يوجب سعادة و الشر يوجب منحسة و ما جانس ذلك مما لم يقل به علماء الطبيعيين و لم تنتجه مقدماتهم في أنظارهم و إنما الذي أنتجته هو أن الأجرام السماوية فعالة فيما تحويه و تشتمل عليه و تتحرك حوله فعلا على الإطلاق غير محدود بوقت و لا مقدر بتقدير و القائلون بالأحكام ادعوا حصول علمهم بذلك من توقيف و تجربة لا يطابق نظر الطبيعي . و إذا قلت بقول الطبيعي بحسب أنظاره أن المشتري سعد و المريخ نحس أو أن زحل

[ 206 ]

بارد يابس و المريخ حار يابس و الحار و البارد من الملموسات و ما دل على هذا المس و ما استدل عليه بلمس كتأثيره فيما يلمسه فإن ذلك لم يظهر للحس في غير الشمس حيث تسخن الأرض بشعاعها و لو كان في السمائيات شي‏ء من طبائع الأضداد لكان الأولى أن تكون كلها حارة لأن كواكبها كلها منيرة . و متى يقول الطبيعي بتقطيع الفلك و تقسيمه إلى أجزاء كما قسمه المنجمون قسمة وهمية إلى بروج و درج و دقائق و ذلك جائز للمتوهم كجواز غيره و ليس بواجب في الوجود و لا حاصل فنقلوا ذلك التوهم الجائز إلى الوجود الواجب في أحكامهم و كان الأصل فيه على زعمهم حركة الشمس و الأيام و الشهور فحصلوا منها قسمة وهمية و جعلوها كالحاصلة الوجودية المثمرة بحدود و خطوط كان الشمس بحركتها من وقت إلى مثله خطت في السماء خطوطا و أقامت فيها جدرا أو حدودا أو غيرت في أجزائها طباعا تغييرا يبقى فيتقى به القسمة إلى تلك الدرج و الدقائق مع جواز الشمس عنها و ليس في جوهر الفلك اختلاف يتميز به موضع عن موضع سوى الكواكب و الكواكب تتحرك عن أمكنتها فبقيت الأمكنة على التشابه فبما ذا تتميز بروجه و درجه و يبقى اختلافها بعد حركة المتحرك في سمتها و كيف يقيس الطبيعي على هذه الأصول و ينتج منها نتائج و يحكم بحسبها أحكاما و كيف له أن يقول بالحدود و يجعل خمس درجات من برج الكوكب و ستا لآخر و أربعا لآخر و يختلف فيها البابليون و المصريون و جعلوا أرباب البيوت كأنها ملاك و البيوت كأنها أملاك تثبت لأربابها بصكوك و أحكام الأسد للشمس و السرطان للقمر و إذا نظر الناظر وجد الأسد أسدا من جهة كواكب شكلوها بشكل الأسد ثم انقلبت عن مواضعها و بقي الموضع أسدا و جعلوا الأسد للشمس و قد ذهبت منه الكواكب التي كان بها أسدا كان ذلك الملك بيت للشمس مع انتقال الساكن و كذلك السرطان للقمر .

[ 207 ]

و من الدقائق في العلم النجومي الدرجات المدارة و الغربية و المظلمة و النيرة و الزائدة في السعادة و درجات الآثار من جهة أنها أجزاء الفلك إن قطعوها و ما انقطعت و مع انتقال ما ينتقل من الكواكب إليها و عنها ثم أنتجوا من ذلك نتائج أنظارهم من أعداد الدرج و أقسام الفلك فقالوا إن الكوكب ينظر إلى الكواكب من ستين درجة نظر تسديس لأنه سدس من الفلك و لا ينظر إليه من خمسين و لا من سبعين و قد كان قبل الستين بعشر درج و هو أقرب من ستين و بعدها بعشر درج و هو أبعد من ستين لا ينظر . فليت شعري ما هذا النظر أ ترى الكواكب تظهر للكوكب ثم تحتجب عنه ثم شعاعه يختلط بشعاعه عند حد لا يختلط به قبله و لا بعده . و كذلك التربيع من الربع الذي هو تسعون درجة و التثليث من الثلث الذي هو مائة و عشرون درجة فلم لا يكون التخميس و التسبيع و التعشير على هذا القياس ثم يقولون الحمل حار يابس ناري و الثور بارد يابس أرضي و الجوزاء حار رطب هوائي و السرطان بارد رطب مائي ما قال الطبيعي هذا قط و لا يقول به . و إذا احتجوا و قاسوا كانت مبادئ قياساتهم الحمل برج ينقلب لأن الشمس إذا نزلت فيه ينقلب الزمان من الشتاء إلى الربيع و الثور برج ثابت لأن الشمس إذا نزلت فيه ثبت الربيع على ربيعيته . و الحق أنه لا ينقلب الحمل و لا يثبت الثور بل هما على حالهما في كل وقت ثم كيف يبقى دهره منقلبا مع خروج الشمس منه و حلولها فيه أ تراها تخلف فيه أثرا أو تحيل منه طباعا و تبقى تلك الاستحالة إلى أن تعود فتجددها و لم لا يقول قائل إن السرطان حار يابس لأن الشمس إذا نزلت فيه يشتد حر الزمان و ما يجانس هذا مما لا يلزم لا هو و لا ضده فليس في الفلك اختلاف يعرفه الطبيعي إلا بما فيه من الكواكب و هو في نفسه

[ 208 ]

واحد متشابه الجوهر و الطبع و لكنها أقوال قال بها قائل فقبلها قائل و نقلها ناقل فحسن فيها ظن السامع و اغتر بها من لا خبرة له و لا قدرة له على النظر . ثم حكم بها الحاكمون بجيد و ردي‏ء و سلب و إيجاب و بت و تجوز فصادف بعضه موافقة الوجود فصدق فيعتبر به المعتبرون و لم يلتفتوا إلى ما كذب منه فيكذبوه بل عذروا و قالوا إنما هو منجم و ليس بنبي حتى يصدق في كل ما يقول و اعتذروا له بأن العلم أوسع من أن يحيط به أحد و لو أحاط به أحد لصدق في كل شي‏ء و لعمر الله إنه لو أحاط به علما صادقا لصدق و الشأن في أن يحيط به على الحقيقة لا أن يفرض فرضا و يتوهم وهما فينقله إلى الوجود و ينسب إليه و يقيس عليه . قال و الذي يصح من هذا العلم و يلتفت إليه العقلاء هي أشياء غير هذه الخرافات التي لا أصل لها فما حصل توقيف أو تجربة حقيقة كالقرانات و المقابلة فإنها أيضا من جملة الاتصالات كالمقارنة من جهة أن تلك غاية القرب و هذه غاية البعد و نحو ممر كوكب من المتحيرة تحت كوكب من الثابتة و نحوه ما يعرض للمتحيرة من رجوع و استقامة و ارتفاع في شمال و انخفاض في جنوب و أمثال ذلك . فهذا كلام ابن ملكا كما تراه يبطل هذا الفن من وجه و يقول به من وجه . و قد وقفت لأبي جعفر محمد بن الحسين الصنعاني المعروف بالخازن صاحب كتاب زيج الصفائح على كلام في هذا الباب مختصر له سماه كتاب العالمين أنا ذاكره في هذا الموضع على وجهه لأنه كلام لا بأس به قال إن بعض المصدقين بأحكام النجوم و كل المكذبين بها قد زاغوا عن طريق الحق و الصواب فيها فإن الكثير من المصدقين بها قد أدخلوا فيها ما ليس منها و ادعوا ما لم يمكن إدراكه بها حتى كثر فيها خطؤهم و ظهر كذبهم و صار ذلك سببا لتكذيب أكثر الناس بهذا العلم .

[ 209 ]

فأما المكذبون به فقد بلغوا من إنكار صحيحه و رد ظاهره إلى أن قالوا إنه لا يصح منه شي‏ء أصلا و نسبوا أهله إلى الرزق و الاحتيال و الخداع و التمويه فلذلك رأينا أن نبتدئ بتبيين صحة هذه الصناعة ليظهر فساد قول المكذبين لها بأسرها ثم نبين ما يمكن إدراكه بها ليبطل دعوى المدعين فيها ما يمتنع وجوده بها . أما الوجوه التي بها تصح صناعة الأحكام فهي كثيرة منها ما يظهر لجميع الناس من قبل الشمس فإن حدوث الصيف و الشتاء و ما يعرض فيهما من الحر و البرد و الأمطار و الرياح و نبات الأرض و خروج وقت الأشجار و حملها الثمار و حركة الحيوان إلى النسل و التوالد و غير ذلك مما يشاكله من الأحوال إنما يكون أكثر ذلك بحسب دنو الشمس من سمت الرءوس في ناحية الشمال و تباعدها منه إلى ناحية الجنوب و بفضل قوة الشمس على قوة القمر و قوى سائر الكواكب ظهر ما قلنا لجميع الناس . و قد ظهر لهم أيضا من قبل الشمس في تغيير الهواء كل يوم عند طلوعها و عند توسطها السماء و عند غروبها ما لا خفاء به من الآثار . و من هذه الوجوه ما يظهر للفلاحين و الملاحين بأدنى تفقد للأشياء التي تحدث فإنهم يعلمون أشياء كثيرة من الآثار التي يؤثرها القمر و أنوار الكواكب الثابتة كالمد و الجزر و حركات الرياح و الأمطار و أوقاتها عند الحدوث و ما يوافق من أوقات الزراعات و ما لا يوافق و أوقات اللقاح و النتاج . و قد يظهر من آثار القمر في الحيوان الذي يتوالد في الماء و الرطوبات ما هو مشهور لا ينكر . و منها جهات أخرى يعرفها المنجمون فقط على حسب فضل علمهم و دقة نظرهم في هذا

[ 210 ]

العلم و إذ قد وصفنا على سبيل الإجمال ما يوجب حقيقة هذا العلم فإنا نصف ما يمكن إدراكه به أو لا يمكن فنقول لما كانت تغيرات الهواء إنما تحدث بحسب أحوال الشمس و القمر و الكواكب المتحيرة و الثابتة صارت معرفة هذه التغيرات قد تدرك من النجوم مع سائر ما يتبعها من الرياح و السحاب و الأمطار و الثلج و البرد و الرعد و البرق لأن الأشياء التي تلي الأرض و تصل إليها هذه الآثار من الهواء المحيط بها كانت الأعراض العامية التي تعرض في هذه الأشياء تابعة لتلك الآثار مثل كثرة مياه الأنهار و قلتها و كثرة الثمار و قلتها و كثرة خصب الحيوان و قلته و الجدوبة و القحط و الوباء و الأمراض التي تحدث في الأجناس و الأنواع أو في جنس دون جنس أو في نوع دون نوع و سائر ما يشاكل ذلك من الأحداث . و لما كانت أخلاق النفس تابعة لمزاج البدن و كانت الأحداث التي ذكرناها مغيرة لمزاج البدن صارت أيضا مغيرة للأخلاق و لأن المزاج الأول الأصلي هو الغالب على الإنسان في الأمر الأكثر و كان المزاج الأصلي هو الذي طبع عليه الإنسان في وقت كونه في الرحم و في وقت مولده و خروجه إلى جو العالم صار وقت الكون و وقت المولد أدل الأشياء على مزاج الإنسان و على أحواله التابعة للمزاج مثل خلقة البدن و خلق النفس و المرض و الصحة و سائر ما يتبع ذلك فهذه الأشياء و ما يشبهها من الأمور التي لا تشارك شيئا من الأفعال الإرادية فيه مما يمكن معرفته بالنجوم و أما الأشياء التي تشارك الأمور الإرادية بعض المشاركة فقد يمكن أن يصدق فيها هذا العلم على الأمر الأكثر و إذا لم يستعمل فيه الإرادة جرى على ما تقود إليه الطبيعة . على أنه قد يعرض الخطاء و الغلط لأصحاب هذه الصناعة من أسباب كثيرة بعضها يختص بهذه الصناعة دون غيرها و بعضها يعمها و غيرها من الصنائع .

[ 211 ]

فأما ما يعم فهو من قصور طبيعة الناس في معرفة الصنائع أيا كانت عن بلوغ الغاية فيها حتى لا يبقى وراءها غاية أخرى فكثرة الخطإ و قلته على حسب تقصير واحد واحد من الناس . و أما ما يخص هذه الصناعة فهو كثير ما يحتاج صاحبها إلى معرفته مما لا يمكنه أن يعلم كثيرا منه إلا بالحدس و التخمين فضلا عن لطف الاستنباط و حسن القياس و مما يحتاج إلى معرفة علم أحوال الفلك و مما يحدث في كل واحد من تلك الأحوال فإن كل واحد منها له فعل خاص ثم يؤلف تلك الأحوال بعضها مع بعض على كثرة فنونها و اختلافاتها ليحصل من جميع ذلك قوة واحدة و فعل واحد يكون عنه الحادث في هذا العالم و ذلك أمر عسير فمتى أغفل من ذلك شي‏ء كان الخطأ الواقع بحسب الشي‏ء الذي سها عنه و ترك استعماله . ثم من بعد تحصيل ما وصفناه ينبغي أن يعلم الحال التي عليها يوافي في تلك القوة الواحدة الأشياء التي تعرض فيها تلك الأحداث كأنه مثلا إذا دل ما في الفلك على حدوث حر و كانت الأشياء التي يعرض فيها ما يعرض قد مر بها قبل ذلك حر فحميت و سخنت أثر ذلك فيها أثرا قويا فإن كان قد مر بها برد قبل ذلك أثر ذلك فيها أثرا ضعيفا و هذا شي‏ء يحتاج إليه في جميع الأحداث التي تعمل في غيرها مما يناسب هذه المعرفة . و أما الأحداث التي تخص ناحية ناحية أو قوما قوما أو جنسا جنسا أو مولودا واحدا من الناس فيحتاج مع معرفتها إلى أن يعلم أيضا أحوال البلاد و العادات و الأغذية و الأوباء و سائر ما يشبه ذلك مما له فيه أثر و شركة مثل ما يفعل الطبيب في المعالجة و في تقدمه المعرفة ثم من بعد تحصيل هذه الأشياء كلها ينبغي أن ينظر في الأمر الذي قد استدل على حدوثه هل هو مما يمكن أن يرد أو يتلافى بما يبطله أو بغيره من جهة

[ 212 ]

الطب و الحيل أم لا كأنه مثلا استدل على أنه يصيب هذا الإنسان حرارة يحم منها فينبغي أن يحكم بأنه يحم أن لم يتلاف تلك الحرارة بالتبريد فإنه إذا فعل ذلك أنزل الأمور منازلها و أجراها مجاريها . ثم إن كان الحادث قويا لا يمكن دفعه ببعض ما ذكرنا فليس يلزم الحاجة إلى ما قلنا فإن الأمر يحدث لا محالة و ما قوي و شمل الناس فإنه لا يمكن دفعه و لا فسخه و إن أمكن فإنما يمكن في بعض الناس دون بعض . و أما أكثرهم فإنه يجري أمره على ما قد شمل و عم فقد يعم الناس حر الصيف و إن كان بعضهم يحتال في صرفه بالأشياء التي تبرد و تنفى الحر . فهذه جملة ما ينبغي أن يعلم و يعمل عليه أمور هذه الصناعة . قلت هذا اعتراف بأن جميع الأحداث المتعلقة باختيار الإنسان و غيره من الحيوان لا مدخل لعلم أحكام النجوم فيه فعلى هذا لا يصح قول من يقول منهم لزيد مثلا إنك تتزوج أو تشتري فرسا أو تقتل عدوا أو تسافر إلى بلد و نحو ذلك و هو أكثر ما يقولونه و يحكمون به . و أما الأمور الكلية الحادثة لا بإرادة الحيوان و اختياره فقد يكون لكلامهم فيه وجه من الطريق التي ذكرها و هي تعلق كثير من الأحداث بحركة الشمس و القمر إلا أن المعلوم ضرورة من دين رسول الله ص إبطال حكم النجوم و تحريم الاعتقاد بها و النهي و الزجر عن تصديق المنجمين و هذا معنى قول أمير المؤمنين في هذا الفصل فمن صدقك بهذا فقد كذب القرآن و استغنى عن الاستعانة بالله ثم أردف

[ 213 ]

ذلك و أكده بقوله كان يجب أن يحمد المنجم دون الباري تعالى لأن المنجم هو الذي هدى الإنسان إلى الساعة التي ينجح فيها و صده عن الساعة إلى يخفق و يكدي فيها فهو المحسن إليه إذا و المحسن يستحق الحمد و الشكر و ليس للبارئ سبحانه إلى الإنسان في هذا الإحسان المخصوص فوجب ألا يستحق الحمد على ظفر الإنسان بطلبه لكن القول بذلك و التزامه كفر محض

[ 214 ]