الآثار و الأخبار الواردة في الزهد

و الآثار الواردة في الزهد كثيرة

قال رسول الله ص أفلح الزاهد في الدنيا حظي بعز العاجلة و بثواب الآخرة

و قال ص من أصبحت الدنيا همه و سدمه نزع الله الغنى من قلبه و صير الفقر بين عينيه و لم يأته من الدنيا إلا ما كتب له و من أصبحت الآخرة همه و سدمه نزع الله الفقر عن قلبه و صير الغنى بين عينيه و أتته الدنيا و هي راغمة

و قال ع للضحاك بن سفيان ما طعامك قال اللحم و اللبن قال ثم يصير إلى ما ذا قال إلى ما علمت قال فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا . و كان الفضيل بن عياض يقول لأصحابه إذا فرغ من حديثه انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيجي‏ء بهم إلى المزبلة فيقول انظروا إلى عنبهم و سمنهم و دجاجهم و بطهم صار إلى ما ترون .

و من الكلام المنسوب إلى المسيح ع الدنيا قنطرة فاعبروها و لا تعمروها

سئل رسول الله ص عن قوله سبحانه فَمَنْ يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ

[ 232 ]

يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فقال إذا دخل النور القلب انفسح فذلك شرح الصدر فقيل أ فلذلك علامة يعرف بها قال نعم الإنابة إلى دار الخلود و التجافي عن دار الغرور و الاستعداد للموت قبل نزوله

قالوا أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء اتخذ الدنيا ظئرا و اتخذ الآخرة أما . الشعبي ما أعلم لنا و للدنيا مثلا إلا قول كثير

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة
لدينا و لا مقلية إن تقلت

بعض الصالحين المستغني عن الدنيا بالدنيا كالمطفئ النار بالتبن . و في بعض الكتب القديمة الإلهية قال الله للدنيا من خدمني فاخدميه و من خدمك فاستخدميه . دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم و عليه مدرعة من صوف فقال ما هذه فسكت فأعاد عليه السؤال فقال أكره أن أقول زهدا فأزكي نفسي أو فقرا فأشكو ربي . قيل في صفة الدنيا و الآخرة هما كضرتين إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى . قيل لمحمد بن واسع إنك لترضى بالدون قال إنما رضي بالدون من رضي بالدنيا . خطب أعرابي كان عاملا لجعفر بن سليمان على ضرية يوم جمعة خطبة لم يسمع أوجز منها و لا أفصح فقال إن الدنيا دار بلاغ و إن الآخرة دار قرار فخذوا من ممركم لمستقركم و لا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم و أخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ففيها جئتم و لغيرها خلقتم إن المرء إذا هلك قال الناس ما ترك و قالت الملائكة ما قدم فلله آثاركم قدموا بعضا يكن لكم

[ 233 ]

و لا تؤخروا كلا فيكون عليكم أقول قولي هذا و أستغفر الله و المدعو له الخليفة ثم الأمير جعفر و نزل . أبو حازم الأعرج الدنيا كلها غموم فما كان فيها سرورا فهو ربح . محمد بن الحنفية من عزت عليه نفسه هانت عليه الدنيا .

قيل لعلي بن الحسين ع من أعظم الناس خطرا قال من لم ير الدنيا لنفسه خطرا

قال المسيح ع لأصحابه حب الدنيا رأس كل خطيئة و اقتناء المال فيها داء عظيم قالوا له كيف ذلك قال لا يسلم صاحبه من البغي و الكبر قيل فإن سلم منهما قال يشغله إصلاحه عن ذكر الله أشرف أبو الدرداء على أهل دمشق فقال يا أهل دمشق تبنون ما لا تسكنون و تجمعون ما لا تأكلون و تأملون ما لا تدركون أين من كان قبلكم بنوا شديدا و أملوا بعيدا و جمعوا كثيرا فأصبحت مساكنهم قبورا و جمعهم بورا و أملهم غرورا . قال المأمون لو سئلت الدنيا عن نفسها لم تسطع أن تصف نفسها بأحسن من قول الشاعر

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
له عن عدو في ثياب صديق

و قال رجل يا رسول الله كيف لي أن أعلم أمري قال إذا أردت شيئا من أمور الدنيا فعسر عليك فاعلم أنك بخير و إذا أردت شيئا من أمر الدنيا فيسر لك فاعلم أنه شر لك قال رجل ليونس بن عبيد إن فلانا يعمل بعمل الحسن البصري فقال و الله ما أعرف أحدا يقول بقوله فكيف يعمل بعمله قيل فصفه لنا قال كان إذا أقبل

[ 234 ]

فكأنه أقبل من دفن حبيب و إذا جلس فكأنه أسير أجلس لضرب عنقه و إذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له . و قال بعض الصالحين لرجل يا فلان هل أنت على حال أنت فيها مستعد للموت قال لا قال فهل أنت عالم بأنك تنتقل إلى حال ترضى به قال لا قال أ فتعلم بعد الموت دارا فيها مستعتب قال لا قال أ فتأمن الموت أن يأتيك صباحا أو مساء قال لا قال أ فيرضى بهذه الحال عاقل و قال أبو الدرداء أضحكتني ثلاث و أبكتني ثلاث أضحكني مؤمل الدنيا و الموت يطلبه و غافل و ليس بمغفول عنه و ضاحك مل‏ء فيه لا يدرى أ راض عنه الله أم ساخط و أبكاني فراق محمد و حزبه و أبكاني هول الموت و أبكاني هول الموقف يوم تبدو السرائر حين لا أدري أ يؤخذ بي إلى جنة أم إلى نار . و كان عبد الله بن صغير يقول أ تضحك و لعل أكفانك قد خرجت من عند القصار و كان يقال من أتى الذنب ضاحكا دخل النار باكيا . و كان مالك بن دينار يقول وددت أن رزقي في حصاة أمصها حتى أبول فلقد اختلفت إلى الخلاء حتى استحييت من ربي .

و قال رسول الله ص لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما ليس به بأس حذرا عما به البأس

و قال المسيح ع بحق أقول لكم إن من طلب الفردوس فخبز الشعير و النوم على المزابل مع الكلاب له كثير . و أوصى ابن محرز رجلا فقال إن استطعت أن تعرف و لا تعرف و تسأل و لا تسأل و تمشي و لا يمشى إليك فافعل .

[ 235 ]

و قال علي ع طوبى لمن عرف الناس و لم يعرفوه تعجلت له منيته و قل تراثه و فقد باكياته . و كان يقال في الجوع ثلاث خصال حياة للقلب و مذلة للنفس و يورث العقل الدقيق من المعاني . و قال رجل لإبراهيم بن أدهم أريد أن تقبل مني دراهم قال إن كنت غنيا قبلتها منك و إن كنت فقيرا لم أقبلها قال فإني غني قال كم تملك قال ألفي درهم قال أ فيسرك أن تكون أربعة آلاف قال نعم قال لست بغني و دراهمك لا أقبلها . و كان أبو حازم الأعرج إذا نظر إلى الفاكهة في السوق قال موعدك الجنة إن شاء الله تعالى . و مر أبو حازم بالقصابين فقال له رجل منهم يا أبا حازم هذا سمين فاشتر منه قال ليس عندي دراهم قال أنا أنظرك قال فأفكر ساعة ثم قال أنا أنظر نفسي . نزل الحجاج في يوم حار على بعض المياه و دعا بالغداء و قال لحاجبه انظر من يتغدى معي و اجهد ألا يكون من أهل الدنيا فرأى الحاجب أعرابيا نائما عليه شملة من شعر فضربه برجله و قال أجب الأمير فأتاه فدعاه الحجاج إلى الأكل فقال دعاني من هو خير من الأمير فأجبته قال من هو قال الله دعاني إلى الصوم فصمت قال أ في هذا اليوم الحار قال نار جهنم أشد حرا قال أفطر و تصوم غدا قال إن ضمنت لي البقاء إلى غد قال ليس ذلك إلي قال فكيف أدع عاجلا لآجل لا تقدر عليه قال إنه طعام طيب قال إنك لم تطيبه و لا الخباز و لكن العافية طيبته لك . و قال شبيب كنا سنة في طريق مكة فجاء أعرابي في يوم صائف شديد الحر

[ 236 ]

و معه جارية سوداء و صحيفة فقال أ فيكم كاتب قلنا نعم و حضر غداؤنا فقلنا له لو دخلت فأصبت من طعامنا قال إني صائم قلنا الحر و شدته و جفاء البادية فقال إن الدنيا كانت و لم أكن فيها و ستكون و لا أكون فيها و ما أحب أن أغبن أمامي ثم نبذ إلينا الصحيفة فقال للكاتب اكتب و لا تزد على ما أمليه عليك هذا ما أعتق عبد الله بن عقيل الكلبي أعتق جارية له سوداء اسمها لؤلؤة ابتغاء وجه الله و جواز العقبة و إنه لا سبيل له عليها إلا سبيل الولاء و المنة لله علينا و عليها واحدة . قال الأصمعي فحدث بذلك الرشيد فأمر أن يعتق عنه ألف نسمة و يكتب لهم هذا الكتاب . و قال خالد بن صفوان بت ليلتي هذه أتمنى فكبست البحر الأخضر بالذهب الأحمر فإذا الذي يلقاني من ذلك رغيفان و كوزان و طمران . و رأى رجل رجلا من ولد معاوية يعمل على بعير له فقال هذا بعد ما كنتم فيه من الدنيا قال رحمك الله يا ابن أخي ما فقدنا إلا الفضول . و قال الحسن يا ابن آدم إنما أنت أيام مجموعة كلما ذهب يوم ذهب بعضك . قال يونس الكاتب لو قيل بيت دريد في زاهد كان به جديرا

قليل التشكي للمصيبات ذاكر
من اليوم أعقاب الأحاديث في غد

و قال الحسن ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل . و قال رجل للفضيل بن عياض ما أعجب الأشياء قال قلب عرف الله ثم عصاه . قال وكيع ما أحسنت قط إلى أحد و لا أسأت إليه قيل كيف قال لأن الله تعالى قال إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها

[ 237 ]

و قال الحسن لرجل إن استطعت ألا تسي‏ء إلى أحد ممن تحبه فافعل قال الرجل يا أبا سعيد أ و يسي‏ء المرء إلى من يحبه قال نعم نفسك أحب النفوس إليك فإذا عصيت الله فقد أسأت إليها . و كان مالك بن دينار إذا منع نفسه شيئا من الشهوات قال اصبري فو الله ما منعك إلا لكرامتك علي .

قام رسول الله ص الليل حتى تورمت قدماه فقيل له يا رسول الله أ تفعل هذا و قد غفر الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر قال أ فلا أكون عبدا شكورا . و قال عبد الله بن مسعود لا يكونن أحدكم جيفة ليله قطرب نهاره . و كان يقال من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار . و كان مالك بن دينار يقول في قصصه ما أشد فطام الكبر و ينشد

أ تروض عرسك بعد ما هرمت
و من العناء رياضة الهرم

و قال آخر

إن كنت تؤمن بالقيامة
و اجترأت على الخطيئة
فلقد هلكت و إن
جحدت فذاك أعظم للبلية

[ 238 ]