أمر عمرو بن العاص مع جعفر بن أبي طالب في الحبشة

و أما خبر عمرو بن العاص في شخوصه إلى الحبشة ليكيد جعفر بن أبي طالب و المهاجرين من المؤمنين عند النجاشي فقد رواه كل من صنف في السيرة قال محمد بن إسحاق في كتاب المغازي قال حدثني محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية زوجة رسول الله ص قالت لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا و عبدنا الله لا نؤذى كما كنا نؤذى بمكة و لا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا

[ 308 ]

بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي في أمرنا رجلين منهم جلدين و أن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة و كان من أعجب ما يأتيه منه الأدم فجمعوا أدما كثيرا و لم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا إليه هدية ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي و عمرو بن العاص بن وائل السهمي و أمروهما أمرهم و قالوا لهما ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم . ثم قدما إلى النجاشي و نحن عنده في خير دار عند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي ثم قالا للبطارقة أنه قد فر إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم و لم يدخلوا في دينكم و جاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن و لا أنتم و قد بعثنا إلى الملك أشراف قومهم لنردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا و لا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينا و أعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما نعم . ثم إنهما قربا هدايا الملك إليه فقبلها منهم ثم كلماه فقالا له أيها الملك قد فر إلى بلادك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم و لم يدخلوا في دينك جاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن و لا أنت و قد بعثنا فيهم إليك أشراف قومنا من آبائهم و أعمامهم و عشائرهم لتردهم عليهم فهم أعلى بهم عينا و أعلم بما عابوا عليهم و عاينوه منهم . قالت أم سلمة و لم يكن شي‏ء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة و عمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم . فقالت بطارقة الملك و خواصه حوله صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا و أعلم

[ 309 ]

بما عابوا عليهم فليسلمهم الملك إليهما ليرادهم إلى بلادهم و قومهم . فغضب الملك و قال لا ها الله إذا لا أسلمهم إليهما و لا أخفر قوما جاوروني و نزلوا بلادي و اختاروني على سواي حتى أدعوهم و أسألهم عما يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما و رددتهم إلى قومهم و إن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم و أحسنت جوارهم ما جاوروني . قالت ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ص فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا نقول و الله ما علمناه و ما أمرنا به نبينا ص كائنا في ذلك ما هو كائن فلما جاءوه و قد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال لهم ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم و لم تدخلوا في ديني و لا في دين أحد من هذه الملل قالت أم سلمة و كان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له أيها الملك إنا كنا قوما في جاهلية نعبد الأصنام و نأكل الميتة و نأتي الفواحش و نقطع الأرحام و نسي‏ء الجوار و يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله عز و جل علينا رسولا منا نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه فدعانا إلى الله لنوحده و نعبده و نخلع ما كنا عليه نحن و آباؤنا من دونه من الحجارة و الأوثان و أمرنا بصدق الحديث و أداء الأمانة و صلة الرحم و حسن التجاور و الكف عن المحارم و الدماء و نهانا عن سائر الفواحش و قول الزور و أكل مال اليتيم و قذف المحصنة و أمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا و بالصلاة و بالزكاة و الصيام .

[ 310 ]

قالت فعدد عليه أمور الإسلام كلها فصدقناه و آمنا به و اتبعناه على ما جاء به من الله فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا و حرمنا ما حرم علينا و أحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا و فتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأصنام و الأوثان عن عبادة الله و أن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا و ظلمونا و ضيقوا علينا و حالوا بيننا و بين ديننا خرجنا إلى بلدك و اخترناك على من سواك و رغبنا في جوارك و رجونا ألا نظلم عندك أيها الملك . فقال النجاشي فهل معك مما جاء به صاحبكم عن الله شي‏ء فقال جعفر نعم فقال اقرأه علي فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى حتى اخضلت لحيته و بكت أساقفته حتى أخضلوا لحاهم ثم قال النجاشي و الله إن هذا و الذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة و الله لا أسلمكم إليهم . قالت أم سلمة فلما خرج القوم من عنده قال عمرو بن العاص و الله لأعيبهم غدا عنده بما يستأصل به خضراءهم فقال له عبد الله بن أبي ربيعة و كان أتقى الرجلين لا تفعل فإن لهم أرحاما و إن كانوا قد خالفوا قال و الله لأخبرنه غدا أنهم يقولون في عيسى ابن مريم أنه عبد ثم غدا عليه من الغد فقال أيها الملك إن هؤلاء يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه فأرسل إليهم . قالت أم سلمة فما نزل بنا مثلها و اجتمع المسلمون و قال بعضهم لبعض ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه فقال جعفر بن أبي طالب نقول فيه و الله ما قال عز و جل و ما جاء به نبينا ع كائنا في ذلك ما هو كائن . فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى ابن مريم فقال جعفر نقول إنه عبد الله

[ 311 ]

و رسوله و روحه و كلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . قالت فضرب النجاشي يديه على الأرض و أخذ منها عودا و قال ما عدا عيسى ابن مريم ما قال هذا العود . قالت فقد كانت بطارقته تناخرت حوله حين قال جعفر ما قال فقال لهم النجاشي و إن تناخرتم . ثم قال للمسلمين اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي أي آمنون من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ما أحب أن لي دبرا ذهبا و أني آذيت رجلا منكم و الدبر بلسان الحبشة الجبل ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي فيها فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حتى ردني إلى ملكي فآخذ الرشوة فيه و ما أطاع الناس في أ فأطيعهم فيه . قالت فخرج الرجلان من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به و أقمنا عنده في خير دار مع خير جار فو الله إنا لعلى ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه . قالت أم سلمة فو الله ما أصابنا خوف و حزن قط كان أشد من خوف و حزن نزل بنا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان يعرف منه . قالت و سار إليه النجاشي و بينهما عرض النيل فقال أصحاب رسول الله ص من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر فقال الزبير بن العوام أنا و كان من أحدث المسلمين سنا فنفخوا له قربة فجعلناها تحت صدره ثم سبح

[ 312 ]

عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها يلتقي القوم ثم انطلق حتى حضرهم قالت و دعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه و التمكين له في بلاده فو الله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن إذ طلع الزبير يسعى و يلوح بثوبه و يقول ألا أبشروا فقد ظهر النجاشي و أهلك الله عدوه . قالت فو الله ما أعلمنا فرحنا فرحة مثلها قط و رجع النجاشي و قد أهلك الله عدوه و تمكن و مكن له في بلاده و استوثق له أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل و دار إلى أن رجعنا إلى رسول الله ص بمكة . و روي عن عبد الله بن جعفر بن محمد ع أنه قال لقد كاد عمرو بن العاص عمنا جعفرا بأرض الحبشة عند النجاشي و عند كثير من رعيته بأنواع الكيد ردها الله تعالى عنه بلطفه رماه بالقتل و السرق و الزنا فلم يلصق به شي‏ء من تلك العيوب لما شاهده القوم من طهارته و عبادته و نسكه و سيما النبوة عليه فلما نبا معوله عن صفاته هيأ له سما قذفه إليه في طعام فأرسل الله هرا كفأ تلك الصحفة و قد مد يده نحو ثم مات لوقته و قد أكل منها فتبين لجعفر كيده و غائلته فلم يأكل بعدها عنده و ما زال ابن الجزار عدوا لنا أهل البيت