نبذ من كلام عمرو بن العاص

و نقلت أنا من كتب متفرقة كلمات حكمية تنسب إلى عمرو بن العاص استحسنتها و أوردتها لأني لا أجحد لفاضل فضله و إن كان دينه عندي غير مرضي . فمن كلامه ثلاث لا أملهن جليسي ما فهم عني و ثوبي ما سترني و دابتي ما حملت رحلي .

[ 322 ]

و قال لعبد الله بن عباس بصفين إن هذا الأمر الذي نحن و أنتم فيه ليس بأول أمر قاده البلاء و قد بلغ الأمر منا و منكم ما ترى و ما أبقت لنا هذه الحرب حياة و لا صبرا و لسنا نقول ليت الحرب عادت و لكنا نقول ليتها لم تكن كانت فافعل فيما بقي بغير ما مضى فإنك رأس هذا الأمر بعد علي و إنما هو آمر مطاع و مأمور مطيع و مبارز مأمون و أنت هو . و لما نصب معاوية قميص عثمان على المنبر و بكى أهل الشام حوله قال قد هممت أن أدعه على المنبر فقال له عمرو إنه ليس بقميص يوسف أنه إن طال نظرهم إليه و بحثوا عن السبب وقفوا على ما لا تحب أن يقفوا عليه و لكن لذعهم بالنظر إليه في الأوقات . و قال ما وضعت سري عند أحد فأفشاه فلمته لأني أحق باللوم منه إذ كنت أضيق به صدرا منه . و قال ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر لكن العاقل من يعرف خير الشرين . و قال عمر بن الخطاب لجلسائه يوما و عمرو فيهم ما أحسن الأشياء فقال كل منهم ما عنده فقال ما تقول أنت يا عمرو فقال

الغمرات ثم ينجلينا

و قال لعائشة لوددت أنك قتلت يوم الجمل قالت و لم لا أبا لك قال كنت تموتين بأجلك و تدخلين الجنة و نجعلك أكبر التشنيع على علي بن أبي طالب ع . و قال لبنيه يا بني اطلبوا العلم فإن استغنيتم كان جمالا و إن افتقرتم كان مالا . و من كلامه أمير عادل خير من مطر وابل و أسد حطوم خير من سلطان ظلوم و سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم و زلة الرجل عظم يجبر و زلة اللسان لا تبقى و لا تذر و استراح من لا عقل له .

[ 323 ]

و كتب إليه عمر يسأله عن البحر فكتب إليه خلق عظيم يركبه خلق ضعيف . دود على عود بين غرق و نزق . و قال لعثمان و هو يخطب على المنبر يا عثمان إنك قد ركبت بهذه الأمة نهاية من الأمر و زغت فزاغوا فاعتدل أو اعتزل . و من كلامه استوحش من الكريم الجائع و من اللئيم الشبعان فإن الكريم يصول إذا جاع و اللئيم يصول إذا شبع . و قال جمع العجز إلى التواني فنتج بينهما الندامة و جمع الجبن إلى الكسل فنتج بينهما الحرمان . و روى عبد الله بن عباس قال دخلت على عمرو بن العاص و قد احتضر فقلت يا أبا عبد الله كنت تقول أشتهي أني أرى عاقلا يموت حتى أسأله كيف تجد فما ذا تجد قال أجد السماء كأنها مطبقة على الأرض و أنا بينهما و أراني كأنما أتنفس من خرق إبرة ثم قال اللهم خذ مني حتى ترضى ثم رفع يده فقال اللهم أمرت فعصينا و نهيت فركبنا فلا برئ فأعتذر و لا قوي فأنتصر و لكن لا إله إلا الله فجعل يرددها حتى فاض . و قد روى أبو عمر بن عبد البر هذا الخبر في كتاب الإستيعاب قال لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة قال اللهم أمرتني فلم آتمر و زجرتني فلم أنزجر و وضع يده في موضع الغل ثم قال اللهم لا قوي فأنتصر و لا برئ فأعتذر و لا مستكبر بل مستغفر لا إله إلا أنت فلم يزل يرددها حتى مات . قال أبو عمر و حدثني خلف بن قاسم قال حدثني الحسن بن رشيق قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قال سمعت الشافعي يقول دخل ابن عباس على عمرو بن العاص في مرضه فسلم عليه فقال كيف أصبحت يا أبا عبد الله قال أصبحت و قد أصلحت من دنياي قليلا و أفسدت من ديني كثيرا فلو كان الذي أصلحت هو الذي

[ 324 ]

أفسدت و الذي أفسدت هو الذي أصلحت لفزت و لو كان ينفعني أن أطلب طلبت و لو كان ينجيني أن أهرب هربت فقد صرت كالمنخنق بين السماء و الأرض لا أرقى بيدين و لا أهبط برجلين فعظني بعظة أنتفع بها يا ابن أخي فقال ابن عباس هيهات أبا عبد الله صار ابن أخيك أخاك و لا تشاء أن تبلى إلا بليت كيف يؤمر برحيل من هو مقيم فقال عمرو على حينها من حين ابن بضع و ثمانين تقنطني من رحمة ربي اللهم إن ابن عباس يقنطني من رحمتك فخذ مني حتى ترضى فقال ابن عباس هيهات أبا عبد الله أخذت جديدا و تعطى خلقا قال عمرو ما لي و لك يا ابن عباس ما أرسل كلمة إلا أرسلت نقيضها . و روى أبو عمر في كتاب الإستيعاب أيضا عن رجال قد ذكرهم و عددهم أن عمرا لما حضرته الوفاة قال له ابنه عبد الله و قد رآه يبكي لم تبكي أ جزعا من الموت قال لا و الله و لكن لما بعده فقال له لقد كنت على خير فجعل يذكره صحبة رسول الله ص و فتوحه بالشام فقال له عمرو تركت أفضل من ذلك شهادة أن لا إله إلا الله إني كنت على ثلاثة أطباق ليس منها طبق إلا عرفت نفسي فيه كنت أول أمري كافرا فكنت أشد الناس على رسول الله ص فلو مت حينئذ وجبت لي النار فلما بايعت رسول الله ص كنت أشد الناس حياء منه فما ملأت منه عيني قط فلو مت يومئذ قال الناس هنيئا لعمرو أسلم و كان على خير و مات على خير أحواله فسرحوا له بالجنة ثم تلبثت بعد ذلك بالسلطان و بأشياء فلا أدري

[ 325 ]

أ علي أم لي فإذا مت فلا تبكين علي باكية و لا يتبعني نائح و لا تقربوا من قبري نارا و شدوا علي إزاري فإني مخاصم و شنوا علي التراب شنا فإن جنبي الأيمن ليس بأحق من جنبي الأيسر و لا تجعلوا في قبري خشبة و لا حجرا و إذا واريتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور و تقطيعها أستأنس بكم . فإن قلت فما الذي يقوله أصحابك المعتزلة في عمرو بن العاص قلت إنهم يحكمون على كل من شهد صفين بما يحكم به على الباغي الخارج على الإمام العادل و مذهبهم في صاحب الكبيرة إذا لم يتب معلوم . فإن قلت أ ليس في هذه الأخبار ما يدل على توبته نحو قوله و لا مستكبر بل مستغفر و قوله اللهم خذ مني حتى ترضى و قوله أمرت فعصيت و نهيت فركبت . و هذا اعتراف و ندم و هو معنى التوبة قلت إن قوله تعالى وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ يمنع من كون هذا توبة و شروط التوبة و أركانها معلومة و ليس هذا الاعتراف و التأسف منها في شي‏ء . و قال شيخنا أبو عبد الله أول من قال بالإرجاء المحض معاوية و عمرو بن العاص كانا يزعمان أنه لا يضر مع الإيمان معصية و لذلك قال معاوية لمن قال له حاربت من تعلم و ارتكبت ما تعلم فقال وثقت بقوله تعالى إِنَّ اَللَّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً

[ 326 ]

و إلى هذا المعنى أشار عمرو بقوله لابنه تركت أفضل من ذلك شهادة أن لا إله إلا الله