فصل في شرح ما نسب إلى علي من الدعابة

فأما ما كان يقوله عمرو بن العاص في علي ع لأهل الشام إن فيه دعابة يروم أن يعيبه بذلك عندهم فأصل ذلك كلمة قالها عمر فتلقفها حتى جعلها أعداؤه عيبا له و طعنا عليه . قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في كتاب الأمالي كان عبد الله بن عباس عند عمر فتنفس عمر نفسا عاليا قال ابن عباس حتى ظننت أن أضلاعه قد انفرجت فقلت له ما أخرج هذا النفس منك يا أمير المؤمنين إلا هم شديد . قال إي و الله يا ابن عباس إني فكرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي ثم قال لعلك ترى صاحبك لها أهلا قلت و ما يمنعه من ذلك مع جهاده و سابقته و قرابته و علمه قال صدقت و لكنه امرؤ فيه دعابة قلت فأين أنت من طلحة قال هو ذو البأو بإصبعه المقطوعة قلت فعبد الرحمن قال رجل ضعيف لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته قلت فالزبير قال شكس لقس يلاطم في البقيع في صاع من بر قلت فسعد بن أبي وقاص قال صاحب مقنب و سلاح قلت فعثمان قال أوه أوه مرارا ثم قال و الله لئن وليها ليحملن بني أبي معيط على رقاب الناس ثم لتنهضن إليه العرب فتقتله ثم قال يا ابن عباس إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا حصيف العقدة قليل الغرة لا تأخذه في الله لومة لائم يكون شديدا من غير عنف لينا من

[ 327 ]

غير ضعف جوادا من غير سرف ممسكا من غير وكف قال ابن عباس و كانت هذه صفات عمر ثم أقبل علي فقال إن أحراهم أن يحملهم على كتاب ربهم و سنة نبيهم لصاحبك و الله لئن وليها ليحملنهم على المحجة البيضاء و الصراط المستقيم . و اعلم أن الرجل ذا الخلق المخصوص لا يرى الفضيلة إلا في ذلك الخلق أ لا ترى أن الرجل يبخل فيعتقد أن الفضيلة في الإمساك و البخيل يعيب أهل السماح و الجود و ينسبهم إلى التبذير و إضاعة الحزم و كذلك الرجل الجواد يعيب البخلاء و ينسبهم إلى ضيق النفس و سوء الظن و حب المال و الجبان يعتقد أن الفضيلة في الجبن و يعيب الشجاعة و يعتقد كونها خرقا و تغريرا بالنفس كما قال المتنبي

يرى الجبناء أن الجبن حزم

و الشجاع يعيب الجبان و ينسبه إلى الضعف و يعتقد أن الجبن ذل و مهانة و هكذا القول في جميع الأخلاق و السجايا المقتسمة بين نوع الإنسان و لما كان عمر شديد الغلظة وعر الجانب خشن الملمس دائم العبوس كان يعتقد أن ذلك هو الفضيلة و أن خلافه نقص و لو كان سهلا طلقا مطبوعا على البشاشة و سماحة الخلق لكان يعتقد أن ذاك هو الفضيلة و أن خلافه نقص حتى لو قدرنا أن خلقه حاصل لعلي ع و خلق علي حاصل له لقال في علي لو لا شراسة فيه . فهو غير ملوم عندي فيما قاله و لا منسوب إلى أنه أراد الغض من علي و القدح

[ 328 ]

فيه و لكنه أخبر عن خلقه ظانا أن الخلافة لا تصلح إلا لشديد الشكيمة العظيم الوعورة و بمقتضى ما كان يظنه من هذا المعنى تمم خلافة أبي بكر بمشاركته إياه في جميع تدابيراته و سياسته و سائر أحواله لرفق و سهولة كانت في أخلاق أبي بكر و بمقتضى هذا الخلق المتمكن عنده كان يشير على رسول الله ص في مقامات كثيرة و خطوب متعدة بقتل قوم كان يرى قتلهم و كان النبي ص يرى استبقاءهم و استصلاحهم فلم يقبل ع مشورته على هذا الخلق . و أما إشارته عليه يوم بدر بقتل الأسرى حيث أشار أبو بكر بالفداء فكان الصواب مع عمر و نزل القرآن بموافقته فلما كان في اليوم الثاني و هو يوم الحديبية أشار بالحرب و كره الصلح فنزل القرآن بضد ذلك فليس كل وقت يصلح تجريد السيف و لا كل وقت يصلح إغماده و السياسة لا تجري على منهاج واحد و لا تلزم نظاما واحدا . و جملة الأمر أنه رضي الله عنه لم يقصد عيب علي ع و لا كان عنده معيبا و لا منقوصا أ لا ترى أنه قال في آخر الخبر أن أحراهم أن وليها أن يحملهم على كتاب الله و سنة رسوله لصاحبك ثم أكد ذلك بأن قال إن وليهم ليحملنهم على المحجة البيضاء و الصراط المستقيم فلو كان أطلق تلك اللفظة و عنى بها ما حملها عليه الخصوم لم يقل في خاتمة كلامه ما قاله . و أنت إذا تأملت حال علي ع في أيام رسول الله ص وجدته بعيدا عن أن ينسب إلى الدعابة و المزاح لأنه لم ينقل عنه شي‏ء من ذلك أصلا لا في كتب الشيعة و لا في كتب المحدثين و كذلك إذا تأملت حاله في أيام الخليفتين أبي بكر و عمر لم تجد في كتب السيرة حديثا واحدا يمكن أن يتعلق به متعلق في دعابته و مزاحه فكيف يظن

[ 329 ]

بعمر أنه نسبه إلى أمر لم ينقله عنه ناقل و لا ندد به صديق و عدو و إنما أراد سهولة خلقه لا غير و ظن أن ذلك مما يفضي به إلى ضعف إن ولي أمر الأمة لاعتقاده أن قوام هذا الأمر إنما هو بالوعورة بناء على ما قد ألفته نفسه و طبعت عليه سجيته و الحال في أيام عثمان و أيام ولايته ع الأمر كالحال فيما تقدم في أنه لم يظهر منه دعابة و لا مزاح يسمى الإنسان لأجله ذا دعابة و لعب و من تأمل كتب السير عرف صدق هذا القول و عرف أن عمرو بن العاص أخذ كلمة عمر إذ لم يقصد بها العيب فجعلها عيبا و زاد عليها أنه كثير اللعب يعافس النساء و يمارسهن و أنه صاحب هزل . و لعمر الله لقد كان أبعد الناس من ذلك و أي وقت كان يتسع لعلي ع حتى يكون فيه على هذه الصفات فإن أزمانه كلها في العبادة و الصلاة و الذكر و الفتاوي و العلم و اختلاف الناس إليه في الأحكام و تفسير القرآن و نهاره كله أو معظمه مشغول بالصوم و ليله كله أو معظمه مشغول بالصلاة هذا في أيام سلمه فأما أيام حربه فبالسيف الشهير و السنان الطرير و ركوب الخيل و قود الجيش و مباشرة الحروب . و لقد صدق ع في قوله

إنني ليمنعني من اللعب ذكر الموت و لكن الرجل الشريف النبيل الذي لا يستطيع أعداؤه أن يذكروا له عيبا أو يعدوا عليه وصمة لا بد أن يحتالوا و يبذلوا جهدهم في تحصيل أمر ما و إن ضعف يجعلونه عذرا لأنفسهم في ذمه و يتوسلون به إلى أتباعهم في تحسينهم لهم مفارقته و الانحراف عنه و ما زال المشركون و المنافقون يصنعون لرسول الله ص الموضوعات ينسبون إليه ما قد برأه الله عنه من العيوب و المطاعن في حياته و بعد وفاته إلى زماننا هذا و ما يزيده الله سبحانه إلا رفعة و علوا فغير منكر أن يعيب عليا ع عمرو بن العاص و أمثاله من أعدائه بما إذا تأمله المتأمل علم أنهم باعتمادهم عليه و تعلقهم به قد اجتهدوا

[ 330 ]

في مدحه و الثناء عليه لأنهم لو وجدوا عيبا غير ذلك لذكروه و لو بالغ أمير المؤمنين و بذل جهده في أن يثنى أعداؤه و شانئوه عليه من حيث لا يعلمون لم يستطع إلى أن يجد إلى ذلك طريقا ألطف من هذه الطريق التي أسلكهم الله تعالى فيها و هداهم إلى منهاجها فظنوا أنهم يغضون منه و إنما أعلوا شأنه و يضعون من قدره و إنما رفعوا منزلته و مكانه