فصل في ذكر أسباب الغلظة و الفظاظة

و نحن نذكر بعد كلاما كليا في سبب الغلظة و الفظاظة و هو الخلق المنافي للخلق الذي كان عليه أمير المؤمنين فنقول

[ 341 ]

إنه قد يكون لأمر عائد إلى المزاج الجسماني و قد يكون لأمر راجع إلى النفس فأما الأول فإنما يكون من غلبة الأخلاط السوداوية و ترمدها و عدم صفاء الدم و كثرة كدرته و عكره فإذا غلظ الدم و ثخن غلظ الروح النفساني و ثخن أيضا لأنه متولد من الدم فيحدث منه نوع مما يحدث لأصحاب الفطرة من الاستيحاش و النبوة عن الناس و عدم الاستئناس و البشاشة و صار صاحبه ذا جفاء و أخلاق غليظة و يشبه أن يكون هذا سببا ماديا فإن الذي يقوى في نفسي أن النفوس إن صحت و ثبتت مختلفة بالذات . و أما الراجع إلى النفس فأن يجتمع عندها أسقاط و أنصباء من قوى مختلفة مذمومة نحو أن تكون القوة الغضبية عندها متوافرة و ينضاف إليها تصور الكمال في ذاتها و توهم النقصان في غيرها فيعتقد أن حركات غيره واقعة على غير الصواب و أن الصواب ما توهمه . و ينضاف إلى ذلك قلة أدب النفس و عدم الضبط لها و استحقارها للغير و يقل التوقير له و ينضاف إلى ذلك لجاج و ضيق في النفس و حدة و استشاطة و قلة صبر عليه فيتولد من مجموع هذه الأمور خلق دني و هو الغلظة و الفظاظة و الوعورة و البادرة المكروهة و عدم حبه الناس و لقاؤهم بالأذى و قلة المراقبة لهم و استعمال القهر في جميع الأمور و تناول الأمر من السماء و هو قادر على أن يتناوله من الأرض . و هذا الخلق خارج عن الاعتدال و داخل في حيز الجور و لا ينبغي أن يسمى بأسماء المدح و أعني بذلك أن قوما يسمون هذا النوع من العنف و الخلق الوعر رجولية و شدة و شكيمة و يذهبون به مذهب قوة النفس و شجاعتها الذي هو بالحقيقة مدح و شتان بين الخلقين فإن صاحب هذا الخلق الذي ذممناه تصدر عنه أفعال كثيرة يجور فيها على نفسه ثم على إخوانه على الأقرب فالأقرب من معامليه حتى ينتهي إلى عبيده و حرمه فيكون عليهم سوط عذاب لا يقيلهم عثرة و لا يرحم لهم عبرة و إن كانوا برآء الذنوب غير مجرمين و لا مكتسبي سوء بل يتجرم عليهم و يهيج من أدنى سبب يجد به طريقا إليهم

[ 342 ]

حتى يبسط يده و لسانه و هم لا يمتنعون منه و لا يتجاسرون على رده عن أنفسهم بل يذعنون له و يقرون بذنوب لم يقترفوها استكفافا لعاديته و تسكينا لغضبه و هو في ذلك يستمر على طريقته لا يكف يدا و لا لسانا . و أصل هذا الخلق الذي ذكرناه أنه مركب من قوى مختلفة من شدة القوة الغضبية فهي الحاملة لصاحب هذا الخلق على ما يصدر عنه من البادرة المكروهة و الجبة و القحة و قد رأينا و شاهدنا من تشتد القوة الغضبية فيه فيتجاوز الغضب على نوع الإنسان إلى البهائم التي لا تعقل و إلى الأواني التي لا تحس و ربما قام إلى الحمار و إلى البرذون فضربهما و لكمهما و ربما كسر الآنية لشدة غضبه و ربما عض القفل إذا تعسر عليه و ربما كسر القلم إذا تعلقت به شعره من الدواة و اجتهد في إزالتها فلم تزل . و يحكى عن بعض ملوك اليونان المتقدمين أنه كان يغضب على البحر إذا هاج و اضطرب و تأخرت سفنه عن النفوذ فيه فيقسم بمعبوده ليطمنه و ليطرحن الجبال فيه حتى يصير أرضا و يقف بنفسه على البحر و يهدده بذلك و يزجره زجرا عنيفا حتى تدر أوداجه و يشتد احمرار وجهه و منهم من لا يسكن غضبه حتى يصب عليه ماء بارد أو حتى يبول و لهذا ورد في الشريعة الأمر لمن اشتد غضبه أن يتوضأ للصلاة و يصلي . و كان عمر بن الخطاب إذا غضب على واحد من أهله لا يسكن غضبه حتى يعض يده عضا شديدا حتى يدميها . و ذكر الزبير بن بكار في الموفقيات أن سرية جاءت لعبد الرحمن أو لعبيد الله

[ 343 ]

بن عمر بن الخطاب إليه تشكوه فقالت يا أمير المؤمنين أ لا تعذرني من أبي عيسى قال و من أبو عيسى قالت ابنك عبيد الله قال ويحك و قد تكني بأبي عيسى ثم دعاه فقال أيها اكتنيت بأبي عيسى فحذر و فزع و أخذ يده فعضها ثم ضربه و قال ويلك و هل لعيسى أب أ تدري ما كنى العرب أبو سلمة أبو حنظلة أبو عرفطة أبو مرة . قال الزبير و كان عمر إذا غضب على بعض أهله لم يسكن غضبه حتى يعض يده عضا شديدا و كان عبد الله بن الزبير كذلك و لقوة هذا الخلق عنده أضمر عبد الله بن عباس في خلافته إبطال القول بالعول و أظهره بعده فقيل له هلا قلت هذا في أيام عمر فقال هبته و كان أميرا مهيبا . و لذلك قال أيضا أبو سفيان في استلحاق زياد أخاف من هذا العير الجالس أن يخرق علي إهابي فإذا هابه أبو سفيان و هو من بني عبد مناف في المنزلة التي تعلم و حوله بنو عبد شمس و هم جمرة قريش فما ظنك بمن هو دونه . و قد علمت حال جبلة بن الأيهم و ارتداده عن الإسلام لتهدده له و وعيده إياه أن يضربه بالدرة و فساد الحال بينه و بين خالد بن الوليد بعد أن كان وليا مصافيا و منحرفا عن غيره قاليا و الشأن الذي كان بينه و بين طلحة حتى هم أن يوقع به و حتى هم طلحة أن يجاهره و طلحة هو الذي قال لأبي بكر عند موته ما ذا تقول لربك و قد وليت فينا فظا غليظا و هو القائل له يا خليفة رسول الله إنا كنا لا نحتمل شراسته و أنت حي تأخذ على يديه فكيف يكون حالنا معه و أنت ميت و هو الخليفة . و اعلم أنا لا نريد بهذا القول ذمه رضي الله عنه و كيف نذمه و هو أولى الناس بالمدح

[ 344 ]

و التعظيم ليمن نقيبته و بركة خلافته و كثرة الفتوح في أيامه و انتظام أمور الإسلام على يده و لكنا أردنا أن نشرح حال العنف و الرفق و حال سعة الخلق و ضيقه و حال البشاشة و العبوس و حال الطلاقة و الوعورة فنذكر كل واحد منها ذكرا كليا لا نخص به إنسانا بعينه فأما عمر فإنه و إن كان وعرا شديدا خشنا فقد رزق من التوفيق و العناية الإلهية و نجح المساعي و طاعة الرعية و نفوذ الحكم و قوة الدين و حسن النية و صحة الرأي ما يربي محاسنه و محامده على ما في ذلك الخلق من نقص و ليس الكامل المطلق إلا الله تعالى وحده . فأما حديث الرضيخة و ما جعل معاوية لعمرو بن العاص من جعالة على مبايعته و نصرته فقد تقدم ذكره في أخبار صفين المشروحة في هذا الكتاب من قبل

[ 345 ]