84 ـ و من خطبة له ع

وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ اَلْأَوَّلُ لاَ شَيْ‏ءَ قَبْلَهُ وَ اَلآْخِرُ لاَ غَايَةَ لَهُ لاَ تَقَعُ اَلْأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ وَ لاَ تُعْقَدُ اَلْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ وَ لاَ تَنَالُهُ اَلتَّجْزِئَةُ وَ اَلتَّبْعِيضُ وَ لاَ تُحِيطُ بِهِ اَلْأَبْصَارُ وَ اَلْقُلُوبُ في هذا الفصل على قصره ثماني مسائل من مسائل التوحيد . الأولى أنه لا ثاني له سبحانه في الإلهية . و الثانية أنه قديم لا أول له فإن قلت ليس يدل كلامه على القدم لأنه قال الأول لا شي‏ء قبله فيوهم كونه غير قديم بأن يكون محدثا و ليس قبله شي‏ء لأنه محدث عن عدم و العدم ليس بشي‏ء قلت إذا كان محدثا كان له محدث فكان ذلك المحدث قبله فثبت أنه متى صدق أنه ليس شي‏ء قبله صدق كونه قديما . و الثالثة أنه أبدي لا انتهاء و لا انقضاء لذاته . و الرابعة نفي الصفات عنه أعني المعاني . و الخامسة نفي كونه مكيفا لأن كيف إنما يسأل بها عن ذوي الهيئات و الأشكال و هو منزه عنها . و السادسة أنه غير متبعض لأنه ليس بجسم و لا عرض .

[ 346 ]

و السابعة أنه لا يرى و لا يدرك . و الثامنة أن ماهيته غير معلومة و هو مذهب الحكماء و كثير من المتكلمين من أصحابنا و غيرهم . و أدلة هذه المسائل مشروحة في كتبنا الكلامية . و اعلم أن التوحيد و العدل و المباحث الشريفة الإلهية ما عرفت إلا من كلام هذا الرجل و أن كلام غيره من أكابر الصحابة لم يتضمن شيئا من ذلك أصلا و لا كانوا يتصورونه و لو تصوروه لذكروه و هذه الفضيلة عندي أعظم فضائله ع : وَ مِنْهَا فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اَللَّهِ بِالْعِبَرِ اَلنَّوَافِعِ وَ اِعْتَبِرُوا بِالآْيِ اَلسَّوَاطِعِ وَ اِزْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ اَلْبَوَالِغِ وَ اِنْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَ اَلْمَوَاعِظِ فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ اَلْمَنِيَّةِ وَ اِنْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلاَئِقُ اَلْأُمْنِيَّةِ وَ دَهِمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ اَلْأُمُورِ وَ اَلسِّيَاقَةُ إِلَى اَلْوِرْدِ اَلْمَوْرُودِ فَكُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَ شَهِيدٌ سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى مَحْشَرِهَا وَ شَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا العبر جمع عبرة و هي ما يعتبر به أي يتعظ و الآي جمع آية و يجوز أن يريد

[ 347 ]

بها آي القرآن و يجوز أن يريد بها آيات الله في خلقه و في غرائب الحوادث في العالم . و السواطع المشرقة المنيرة . و النذر جمع نذير و هو المخوف و الأحسن أن يكون النذر هاهنا هي الإنذارات نفسها لأنه قد وصف ذلك بالبوالغ و فواعل لا تكون في الأكثر إلا صفة المؤنث . و مفظعات الأمور شدائدها الشنيعة أفظع الأمر فهو مفظع و يجوز فظع الأمر بالضم فظاعة فهو فظيع و أفظع الرجل على ما لم يسم فاعله أي نزل به ذلك . و قوله و السياقة إلى الورد المورود يعني الموت و قوله سائق و شهيد و قد فسر ع ذلك و قال سائق يسوقها إلى محشرها و شاهد يشهد عليها بعملها و قد قال بعض المفسرين إن الآية لا تقتضي كونهما اثنين بل من الجائز أن يكون ملكا واحدا جامعا بين الأمرين كأنه قال و جاءت كل نفس معها ملك يسوقها و يشهد عليها و كلام أمير المؤمنين يحتمل ذلك أيضا لأنه لم يقل أحدهما لكن الأظهر في الأخبار و الآثار أنهما ملكان . فإن قلت إذا كان تعالى عالما بكل شي‏ء فأي حاجة إلى الملائكة التي تكتب الأعمال كما قال سبحانه بَلى‏ وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ و إذا كان تعالى أعدل العادلين فأي حاجة إلى ملك يشهد على المكلف يوم القيامة و إذا كان قادرا لذاته فأي حاجة إلى ملك يسوق المكلف إلى المحشر قلت يجوز أن يكون في تقرير مثل ذلك في أنفس المكلفين في الدنيا ألطاف و مصالح لهم في أديانهم فيخاطبهم الله تعالى به

[ 348 ]

لوجوب اللطف في حكمته و إذا خاطبهم به وجب فعله في الآخرة لأن خبره سبحانه لا يجوز الخلف عليه : وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ اَلْجَنَّةِ دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاَتٌ وَ مَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ لاَ يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا وَ لاَ يَظْعَنُ مُقِيمُهَا وَ لاَ يَهْرَمُ خَالِدُهَا وَ لاَ يَبْأَسُ [ يَيْأَسُ ] سَاكِنُهَا الدرجات جمع درجة و هي الطبقات و المراتب و يقال لها درجات في الجنة و دركات في النار و إنما تفاضلت و تفاوتت بحسب الأعمال و لا يجوز أن يقع ذلك تفضلا لأن التفضل بالثواب قبيح . فإن قلت فما قولك في الحور و الولدان و الأطفال و المجانين قلت يكون الواصل إليهم نعيما و لذة لا شبهة في ذلك و لكن لا ثواب لهم و لا ينالونه و الثواب أمر أخص من المنافع و النعيم لأنه منافع يقترن بها التعظيم و التبجيل و هذا الأمر الأخص لا يحسن إيصاله إلا إلى أرباب العمل . و قوله لا ينقطع نعيمها و لا يظعن مقيمها قول متفق عليه بين أهل الملة إلا ما يحكى عن أبي الهذيل أن حركات أهل الجنة تنتهي إلى سكون دائم و قد نزهه قوم من أصحابنا عن هذا القول و أكذبوا رواته و من أثبته منهم عنه زعم أنه لم يقل بانقطاع النعيم لكن بانقطاع الحركة مع دوام النعيم و إنما حمله على ذلك أنه لما استدل على أن

[ 349 ]

الحركة الماضية يستحيل ألا يكون لها أول عورض بالحركات المستقبلة لأهل الجنة و النار فالتزم أنها متناهية و إنما استبعد هذا عنه لأنه كان أجل قدرا من أن يذهب عليه الفرق بين الصورتين . و يبأس مضارع بئس و جاء فيه يبئس بالكسر و هو شاذ كشذوذ يحسب و ينعم و معنى يبأس يصيبه البؤس و هو الشقاء

[ 350 ]