90 ـ و من خطبة له ع تعرف بخطبة الأشباح و هي من جلائل خطبة ع

رَوَى مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ عَنِ اَلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع أَنَّهُ قَالَ : خَطَبَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ اَلْخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرِ اَلْكُوفَةِ وَ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلاً أَتَاهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ صِفْ لَنَا رَبَّنَا مِثْلَ مَا نَرَاهُ عِيَاناً لِنَزْدَادَ لَهُ حُبّاً وَ بِهِ مَعْرِفَةً فَغَضِبَ وَ نَادَى اَلصَّلاَةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ اَلنَّاسُ حَتَّى غَصَّ اَلْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ فَصَعِدَ اَلْمِنْبَرَ وَ هُوَ مُغْضَبٌ مُتَغَيِّرُ اَللَّوْنِ فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى اَلنَّبِيِّ ص ثُمَّ قَالَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لاَ يَفِرُهُ اَلْمَنْعُ وَ اَلْجُمُودُ وَ لاَ يُكْدِيهِ اَلْإِعْطَاءُ وَ اَلْجُودُ إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ وَ كُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلاَهُ وَ هُوَ اَلْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ اَلنِّعَمِ وَ عَوَائِدِ اَلْمَزِيدِ وَ اَلْقِسَمِ عِيَالُهُ اَلْخَلاَئِقُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ وَ نَهَجَ سَبِيلَ اَلرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ وَ اَلطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ وَ لَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ اَلْأَوَّلُ اَلَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ قَبْلَهُ وَ اَلآْخِرُ اَلَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ بَعْدَهُ وَ اَلرَّادِعُ أَنَاسِيَّ اَلْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ مَا اِخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ اَلْحَالُ وَ لاَ كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ اَلاِنْتِقَالُ الأشباح الأشخاص و المراد بهم هاهنا الملائكة لأن الخطبة تتضمن ذكر الملائكة .

[ 399 ]

و قوله الصلاة جامعة منصوب بفعل مقدر أي احضروا الصلاة و أقيموا الصلاة و جامعة منصوب على الحال من الصلاة . و غص المسجد بفتح الغين أي امتلأ و المسجد غاص بأهله و يقال رجل مغضب بفتح الضاد أي قد أغضب أي فعل به ما يوجب غضبه . و يفره المنع يزيد في ماله و الموفور التام وفرت الشي‏ء وفرا و وفر الشي‏ء نفسه وفورا يتعدى و لا يتعدى و في أمثالهم يوفر و يحمد هو من قولك وفرته عرضه و وفرته ماله . و قوله و لا يكديه الإعطاء أي لا يفقره و لا ينفد خزائنه يقال كدت الأرض تكد و فهي كادية إذا أبطأ نباتها و قل خيرها فهذا لازم فإذا عديته أتيت بالهمزة فقلت أكديت الأرض أي جعلتها كادية و تقول أكدى الرجل إذا قل خيره و قوله تعالى وَ أَعْطى‏ قَلِيلاً وَ أَكْدى‏ أي قطع القليل يقول إنه سبحانه قادر على المقدورات و ليس كالملوك من البشر الذين إذا أعطوا نقصت خزائنهم و إن منعوا زادت و قد شرح ذلك و قال إذ كل معط منتقص أي منقوص و يجي‏ء انتقص لازما و متعديا تقول انتقص الشي‏ء نفسه و انتقصت الشي‏ء أي نقصته و كذلك نقص يجي‏ء لازما و متعديا . ثم قال و كل مانع مذموم غيره و ذلك لأنه تعالى إنما يمنع من تقتضي الحكمة و المصلحة منعه و ليس كما يمنع البشر و سأل رجل علي بن موسى الرضا عن الجواد فقال إن لكلامك وجهين فإن كنت تسأل عن المخلوق فإن الجواد هو الذي يؤدي ما افترض الله عليه و البخيل هو الذي يبخل بما افترض الله عليه و إن كنت تعني الخالق

[ 400 ]

فهو الجواد إن أعطى و هو الجواد إن منع لأنه إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له و إن منعه منعه ما ليس له . قوله و ليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل فيه معنى لطيف و ذاك لأن هذا المعنى مما يختص بالبشر لأنهم يتحركون بالسؤال و تهزهم الطلبات فيكونون بما سألهم السائل أجود منهم بما لم يسألهم إياه و أما البارئ سبحانه فإن جوده ليس على هذا المنهاج لأن جوده عام في جميع الأحوال . ثم ذكر أن وجوده تعالى ليس بزماني فلا يطلق عليه البعدية و القبلية كما يطلق على الزمانيات و إنما لم يكن وجوده زمانيا لأنه لا يقبل الحركة و الزمان من لواحق الحركة و إنما لم تطلق عليه البعدية و القبلية إذ لم يكن زمانيا لأن قولنا في الشي‏ء إنه بعد الشي‏ء الفلاني أي الموجود في زمان حضر بعد تقضي زمان ذلك الشي‏ء الفلاني و قولنا في الشي‏ء إنه قبل الشي‏ء الفلاني أي إنه موجود في زمان حضر و لم يحضر زمان ذلك الشي‏ء الفلاني بعد فما ليس في الزمان ليس يصدق عليه القبل و البعد الزمانيان فيكون تقدير الكلام على هذا الأول الذي لا يصدق عليه القبلية الزمانية ليمكن أن يكون شي‏ء ما قبله و الآخر الذي لا يصدق عليه البعدية الزمانية ليمكن أن يكون شي‏ء ما بعده . و قد يحمل الكلام على وجه آخر أقرب متناولا من هذا الوجه و هو أن يكون أراد الذي لم يكن محدثا أي موجودا قد سبقه عدم فيقال إنه مسبوق بشي‏ء من الأشياء إما المؤثر فيه أو الزمان المقدم عليه و أنه ليس بذات يمكن فناؤها و عدمها فيما لا يزال فيقال إنه ينقضي و ينصرم و يكون بعده شي‏ء من الأشياء إما الزمان أو غيره و الوجه الأول أدق و ألطف و يؤكد كونه مرادا قوله عقيبه ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال و ذلك لأن واجب الوجود أعلى من الدهر و الزمان فنسبة ذاته إلى الدهر و الزمان بجملته و تفصيل أجزائه نسبة متحدة .

[ 401 ]

فإن قلت إذا لم يكن قبل الأشياء بالزمان و لا بعدها بالزمان فهو معها بالزمان لأنه لا يبقى بعد نفي القبلية و البعدية إلا المعية . قلت إنما يلزم ذلك فيما وجوده زماني و أما ما ليس زمانيا لا يلزم من نفي القبلية و البعدية إثبات المعية كما أنه ما لم يكن وجوده مكانيا لم يلزم من نفي كونه فوق العالم أو تحت العالم بالمكان أن يكون مع العالم بالمكان . ثم قال الرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه الأناسي جمع إنسان و هو المثال الذي يرى في السواد و هذا اللفظ بظاهره يشعر بمذهب الأشعرية و هو قولهم إن الله تعالى خلق في الأبصار مانعا عن إدراكه إلا أن الأدلة العقلية من جانبنا اقتضت تأويل هذا اللفظ كما تأول شيوخنا قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ فقالوا إلى جنة ربها فنقول تقديره الرادع أناسي الأبصار أن تنال أنوار جلالته . فإن قلت أ تثبتون له تعالى أنوارا يمكن أن تدركها الأبصار و هل هذا إلا قول بالتجسيم . قلت كلا لا تجسيم في ذلك فكما أن له عرشا و كرسيا و ليس بجسم فكذلك أنوار عظيمة فوق العرش و ليس بجسم فكيف تنكر الأنوار و قد نطق الكتاب العزيز بها في غير موضع كقوله وَ أَشْرَقَتِ اَلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها و كقوله مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ

[ 402 ]

وَ لَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ اَلْجِبَالِ وَ ضَحِكْتَ عَنْهُ أَصْدَافُ اَلْبِحَارِ مِنْ فِلِزِّ اَللُّجَيْنِ وَ اَلْعِقْيَانِ وَ نُثَارَةِ اَلدُّرِّ وَ حَصِيدِ اَلْمَرْجَانِ مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ وَ لاَ أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ وَ لَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ اَلْأَنْعَامِ مَا لاَ تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ اَلْأَنَامِ لِأَنَّهُ اَلْجَوَادُ اَلَّذِي لاَ يَغِيضُهُ سُؤَالَ اَلسَّائِلِينَ وَ لاَ يُبَخِّلُهُ يُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ اَلْمُلِحِّينَ هذا الكلام من تتمة الكلام الأول و هو قوله لا يفره المنع و لا يكديه الإعطاء و الجود و تنفست عنه المعادن استعارة كأنها لما أخرجته و ولدته كانت كالحيوان يتنفس فيخرج من صدره و رئته الهواء . و ضحكت عنه الأصداف أي تفتحت عنه و انشقت يقال للطلع حين ينشق الضحك بفتح الضاد و إنما سمي الضاحك ضاحكا لأنه يفتح فاه و الفلز اسم الأجسام الذائبة كالذهب و الفضة و الرصاص و نحوها و اللجين اسم الفضة جاء مصغرا كالكميت و الثريا و العقيان الذهب الخالص و يقال هو ما ينبت نباتا و ليس مما يحصل من الحجارة و نثارة الدر ما تناثر منه كالسقاطة و النخالة و تأتي فعالة تارة للجيد المختار و تارة للساقط المتروك فالأول نحو الخلاصة و الثاني نحو القلامة . و حصيد المرجان كأنه أراد المتبدد منه كما يتبدد الحب المحصود و يجوز أن يعنى به الصلب المحكم من قولهم شي‏ء مستحصد أي مستحصف مستحكم يعنى أنه ليس برخو و لا هش و يروى و حصباء المرجان و الحصباء الحصى و أرض حصبة و محصبة

[ 403 ]

بالفتح ذات حصباء و المرجان صغار اللؤلؤ و قد قيل إنه هذا الحجر و استعمله بعض المتأخرين فقال

أدمى لها المرجان صفحة خده
و بكى عليها اللؤلؤ المكنون

و تنفده تفنيه نفد الشي‏ء أي فني و أنفدته أنا و مطالب الأنام جمع مطلب و هو المصدر من طلبت الشي‏ء طلبا و مطلبا . و يغيضه بفتح حرف المضارعة ينقصه و يقال غاض الماء فهذا لازم و غاض الله الماء فهذا متعد و جاء أغاض الله الماء . و الإلحاح مصدر ألح على الأمر أي أقام عليه دائما من ألح السحاب إذا دام مطره و ألح البعير حرن كما تقول خلأت الناقة و روي و لا يبخله بالتخفيف تقول أبخلت زيدا أي صادفته بخيلا و أجبنته وجدته جبانا . و في هذا الفصل من حسن الاستعارة و بديع الصنعة ما لا خفاء به : فَانْظُرْ أَيُّهَا اَلسَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ اَلْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ وَ اِسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ وَ مَا كَلَّفَكَ اَلشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي اَلْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ وَ لاَ فِي سُنَّةِ اَلنَّبِيِّ ص وَ أَئِمَّةِ اَلْهُدَى أَثَرُهُ فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اَللَّهِ عَلَيْكَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَلرَّاسِخِينَ فِي اَلْعِلْمِ هُمُ اَلَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اِقْتِحَامِ اَلسُّدَدِ اَلْمَضْرُوبَةِ دُونَ اَلْغُيُوبِ اَلْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ اَلْغَيْبِ اَلْمَحْجُوبِ فَمَدَحَ اَللَّهُ

[ 404 ]

اِعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً وَ سَمَّى تَرْكَهُمُ اَلتَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ اَلْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ وَ لاَ تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ اَلْهَالِكِينَ تقول ائتم فلان بفلان أي جعله إماما و اقتدى به فكل علمه من وكله إلى كذا وكلا و وكولا و هذا الأمر موكول إلى رأيك و الاقتحام الهجوم و الدخول مغالبة و السدد المضروبة جمع سدة و هي الرتاج . و اعلم أن هذا الفصل يمكن أن تتعلق به الحشوية المانعون من تأويل الآيات الواردة في الصفات القائلين بالجمود على الظواهر و يمكن أيضا أن يتعلق به من نفى النظر و حرمه أصلا و نحن قبل أن نحققه و نتكلم فيه نبدأ بتفسير قوله تعالى وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللَّهُ وَ اَلرَّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ فنقول إن من الناس من وقف على قوله إِلاَّ اَللَّهُ و منهم من لم يقف على ذلك و هذا القول أقوى من الأول لأنه إذا كان لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله لم يكن في إنزاله و مخاطبة المكلفين به فائدة بل يكون كخطاب العربي بالزنجية و معلوم أن ذلك عيب قبيح . فإن قلت فما الذي يكون موضع يَقُولُونَ من الإعراب . قلت يمكن أن يكون نصبا على أنه حال من الراسخين و يمكن أن يكون كلاما مستأنفا أي هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به .

[ 405 ]

و قد روي عن ابن عباس أنه تأول آية فقال قائل من الصحابة وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللَّهُ فقال ابن عباس وَ اَلرَّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ و أنا من جملة الراسخين . ثم نعود إلى تفسير كلام أمير المؤمنين ع فنقول إنه غضب و تغير وجهه لقول السائل صف لنا ربنا مثل ما نراه عيانا و إذا هذا المعنى ينصرف وصية له بما أوصاه به من اتباع ما جاء في القرآن و السنة و ذلك لأن العلم الحاصل من رؤية الشي‏ء عيانا علم لا يمكن أن يتعلق مثله بالله سبحانه لأن ذاته تعالى لا يمكن أن تعلم من حيث هي هي كما تعلم المحسوسات أ لا ترى أنا إذا علمنا أنه صانع العالم و أنه قادر عالم حي سميع بصير مريد و أنه ليس بجسم و لا جوهر و لا عرض و علمنا جميع الأمور السلبية و الإيجابية المتعلقة به فإنما علمنا سلوبا و إضافات و لا شك أن ماهية الموصوف مغايرة لماهية الصفات و الذوات المحسوسة بخلاف ذلك لأنا إذا رأينا السواد فقد علمنا نفس حقيقة السواد لا صفة من صفات السواد و أيضا فإنا لو قدرنا أن العلم بوجوده و صفاته السلبية و الإيجابية يستلزم العلم بذاته من حيث هي هي لم يكن عالما بذاته علما جزئيا لأنه يمكن أن يصدق هذا العلم على كثيرين على سبيل البدل و إذا ثبت أنه يستحيل أن يصدق على كثيرين على سبيل البدل ثبت أنه يستحيل أن يصدق على كثيرين على سبيل الجمع و العلم بالمحسوس يستحيل أن يصدق على كثيرين لا على سبيل الجمع و لا على سبيل البدل فقد بان أنه يستحيل أن يعلم الله تعالى كما يعلم الشي‏ء المرئي عيانا فأمير المؤمنين ع أنكر هذا السؤال كما أنكره الله تعالى على بني إسرائيل لما طلبوا الرؤية قال تعالى وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اَللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ اَلصَّاعِقَةُ .

[ 406 ]

ثم قال للسائل بعد غضبه و استحالة لونه و ظهور أثر الإنكار عليه ما دلك القرآن عليه من صفته فخذ به فإن لم تجده في الكتاب فأطلبه من السنة و من مذاهب أئمة الحق فإن لم تجد ذلك فاعلم أن الشيطان حينئذ قد كلفك علم ما لم يكلفك الله علمه و هذا حق لأن الكتاب و السنة قد نطقا بصفات الله من كونه عالما قادرا حيا مريدا سميعا بصيرا و نطقا أيضا بتنزيهه عن سمات الحدوث كالجسمية و الحلول و الجهة و ما استلزم الجهة كالرؤية فلا إنكار على من طلب في مدارك العقول وجوها تعضد ما جاء به القرآن و السنة و توفق بين بعض الآيات و بعض و تحمل أحد اللفظين على الآخر إذا تناقضا في الظاهر صيانة لكلام الحكيم عن التهافت و التعارض و أما ما لم يأت الكتاب و السنة فيه بشي‏ء فهو الذي حرم و حظر على المكلفين الفكر فيه كالكلام في الماهية التي يذهب ضرار المتكلم إليها و كإثبات صفات زائدة على الصفات المعقولة لذات البارئ سبحانه و هي على قسمين أحدهما ما لم يرد فيه نص كإثبات طائفة تعرف بالماتريدية صفة سموها التكوين زائدة على القدرة و الإرادة . و الثاني ما ورد فيه لفظ فأخطأ بعض أهل النظر فأثبت لأجل ذلك اللفظة صفة غير معقولة للبارئ سبحانه نحو قول الأشعريين إن اليدين صفة من صفات الله و الاستواء على العرش صفة من صفات الله و إن وجه الله صفة من صفاته أيضا ثم قال إن الراسخين في العلم الذين غنوا بالإقرار بما عرفوه عن الولوج و التقحم فيما لم يعرفوه و هؤلاء هم أصحابنا المعتزلة لا شبهة في ذلك أ لا ترى أنهم يعللون أفعال الله تعالى بالحكم و المصالح فإذا ضاق عليهم الأمر في تفصيل بعض المصالح في بعض المواضع قالوا نعلم على الجملة أن لهذا وجه حكمة و مصلحة و إن كنا لا نعرف تفصيل تلك المصلحة كما يقولون في تكليف من يعلم الله تعالى منه أنه يكفر و كما يقولون في اختصاص الحال التي حدث فيها العالم بحدوثه دون ما قبلها و ما بعدها .

[ 407 ]

و قد تأول القطب الراوندي كلام أمير المؤمنين في هذا الفصل فقال إنما أنكر على من يقول لم تعبد الله المكلفين بإقامة خمس صلوات و هلا كانت ستا أو أربعا و لم جعل الظهر أربع ركعات و الصبح ركعتين و هلا عكس الحال و هذا التأويل غير صحيح لأنه ع إنما أخرج هذا الكلام مخرج المنكر على من سأله أن يصف له البارئ سبحانه و لم يكن السائل قد سأل عن العلة في أعداد الصلاة و كمية أجزاء العبادات . ثم إنه ع قد صرح في غضون الكلام بذلك فقال فانظر أيها السائل فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به و ما لم يدلك عليه فليس عليك أن تخوض فيه و هذا الكلام تصريح بأن البحث إنما هو في النظر العقلي في فن الكلام فلا يجوز أن يحمل على ما هو بمعزل عنه . و اعلم أننا نتساهل في ألفاظ المتكلمين فنوردها بعباراتهم كقولهم في المحسوسات و الصواب المحسات لأنه لفظ المفعول من أحس الرباعي لكنا لما رأينا العدول عن ألفاظهم إذا خضنا في مباحثهم مستهجنا عبرنا بعبارتهم على علم منا أن العربية لا تسوغها : هُوَ اَلْقَادِرُ اَلَّذِي إِذَا اِرْتَمَتِ اَلْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ وَ حَاوَلَ اَلْفِكْرُ اَلْمُبَرَّأُ مِنْ خَطْرِ خَطَرَاتِ اَلْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ وَ تَوَلَّهَتِ اَلْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ اَلْعُقُولِ فِي حَيْثُ لاَ تَبْلُغُهُ اَلصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ رَدَعَهَا وَ هِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ اَلْغُيُوبِ مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لاَ يُنَالُ بِجَوْرِ اَلاِعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ وَ لاَ تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي اَلرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلاَلِ عِزَّتِهِ

[ 408 ]

ارتمت الأوهام أي ترامت يقال ارتمى القوم بالنبل أي تراموا فشبه جولان الأوهام و الأفكار و تعارضها بالترامي . و خطر الوساوس بتسكين الطاء مصدر خطر له خاطر أي عرض في قلبه و روي من خطرات الوساوس . و تولهت القلوب إليه اشتد عشقها حتى أصابها الوله و هو الحيرة . و قوله لتجري في كيفية صفاته أي لتصادف مجرى و مسلكا في ذلك و غمضت مداخل العقول أي غمض دخولها و دق في الأنظار العميقة التي لا تبلغ الصفات كنهها لدقتها و غموضها طالبة أن تنال معرفته تعالى . و لفظة ذات لفظة قد طال فيها كلام كثير من أهل العربية فأنكر قوم إطلاقها على الله تعالى و إضافتها إليه أما إطلاقها فلأنها لفظة تأنيث و البارئ سبحانه منزه عن الأسماء و الصفات المؤنثة و أما إضافتها فلأنها عين الشي‏ء و الشي‏ء لا يضاف إلى نفسه و أجاز آخرون إطلاقها في البارئ تعالى و إضافتها إليه أما استعمالها فلوجهين أحدهما أنها قد جاءت في الشعر القديم قال خبيب الصحابي عند صلبه

و ذلك في ذات الإله و إن يشأ
يبارك على أوصال شلو موزع

و يروى ممزع و قال النابغة

محلتهم ذات الإله و دينهم
قديم فما يخشون غير العواقب

و الوجه الثاني أنها لفظة اصطلاحية فجاز استعمالها لا على أنها مؤنث ذو بل تستعمل

[ 409 ]

ارتجالا في مسماها الذي عبر عنه بها أرباب النظر الإلهي كما استعملوا لفظ الجوهر و العرض و غيرهما في غير ما كان أهل العربية و اللغة يستعملونها فيه . و أما منعهم إضافتها إليه تعالى و أنه لا يقال ذاته لأن الشي‏ء لا يضاف إلى نفسه فباطل بقولهم أخذته نفسه و أخذته عينه فإنه بالاتفاق جائز و فيه إضافة الشي‏ء إلى نفسه . ثم نعود إلى التفسير قوله ع ردعها أي كفها و تجوب أي تقطع و المهاوي المهالك الواحدة مهواه بالفتح و هي ما بين جبلين أو حائطين و نحو ذلك و السدف جمع سدفة و هي القطعة من الليل المظلم و جبهت أي ردت و أصله من جبهته أي صككت جبهته و الجور العدول عن الطريق و الاعتساف قطع المسافة على غير جادة معلومة . و خلاصة هذا الفصل أن العقول إذا حاولت أن تدرك متى ينقطع اقتداره على المقدرات نكصت عن ذلك لأنه قادر أبدا دائما على ما لا يتناهى و إذا حاول الفكر الذي قد صفا و خلا عن الوساوس و العوائق أن يدرك مغيبات علمه تعالى كل و حسر و رجع ناقصا أيضا و إذا اشتد عشق النفوس له و تولهت نحوه لتسلك مسلكا تقف منه على كيفية صفاته عجزت عن ذلك و إذا تغلغلت العقول و غمضت مداخلها في دقائق العلوم النظرية الإلهية التي لا توصف لدقتها طالبة أن تعلم حقيقة ذاته تعالى انقطعت و أعيت و ردها سبحانه و تعالى و هي تجول و تقطع ظلمات الغيب لتخلص إليه فارتدت حيث جبهها و ردعها مقرة معترفة بأن إدراكه و معرفته لا تنال باعتساف المسافات التي بينها و بينه و إن أرباب الأفكار و الرويات يتعذر عليهم أن يخطر لهم خاطر يطابق ما في الخارج من تقدير جلال عزته و لا بد من أخذ هذا القيد في الكلام لأن أرباب الأنظار

[ 410 ]

لا بد أن تخطر لهم الخواطر في تقدير جلال عزته و لكن تلك الخواطر لا تكون مطابقة لها في الخارج لأنها خواطر مستندها الوهم لا العقل الصريح و ذلك لأن الوهم قد ألف الحسيات و المحسوسات فهو يعقل خواطر بحسب ما ألفه من ذلك و جلال واجب الوجود أعلى و أعظم من أن يتطرق الوهم نحوه لأنه بري‏ء من المحسوسات سبحانه و أما العقل الصريح فلا يدرك خصوصية ذاته لما تقدم . و اعلم أن قوله تعالى فَارْجِعِ اَلْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ اِرْجِعِ اَلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ فيه إشارة إلى هذا المعنى و كذلك قوله يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ : اَلَّذِي اِبْتَدَعَ اَلْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ اِمْتَثَلَهُ وَ لاَ مِقْدَارٍ اِحْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ وَ أَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ وَ اِعْتِرَافِ اَلْحَاجَةِ مِنَ اَلْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ اَلْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَظَهَرَتْ فِي اَلْبَدَائِعِ اَلَّتِي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنَعْتِهِ وَ أَعْلاَمُ حِكْمَتِهِ فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَ دَلِيلاً عَلَيْهِ وَ إِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ وَ دَلاَلَتُهُ عَلَى اَلْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ

[ 411 ]

المساك بكسر الميم ما يمسك و يعصم به . و قوله ابتدع الخلق على غير مثال امتثله يحتمل وجهين أحدهما أن يريد بامتثله مثله كما تقول صنعت و اصطنعت بمعنى فيكون التقدير أنه لم يمثل لنفسه مثالا قبل شروعه في خلق العالم ثم احتذى ذلك المثال و ركب العالم على حسب ترتيبه كالصانع الذي يصوغ حلقة من رصاص مثالا ثم يصوغ حلقة من ذهب عليها و كالبناء يقدر و يفرض رسوما و تقديرات في الأرض و خطوطا ثم يبنى بحسبها . و الوجه الثاني أنه يريد بامتثله احتذاه و تقبله و اتبعه و الأصل فيه امتثال الأمر في القول فنقل إلى احتذاء الترتيب العقلي فيكون التقدير أنه لم يمثل له فاعل آخر قبله مثالا اتبعه و احتذاه و فعل نظيره كما يفعل التلميذ في الصباغة و النجارة شيئا قد مثل له أستاذه صورته و هيئته . و اعلم أن هذا أحد الأسئلة التي يذكرها أصحابنا في باب كونه عالما لأنهم لما استدلوا على كونه تعالى عالما بطريق إحكام العلم و إتقانه سألوا أنفسهم فقالوا لم لا يجوز أن يكون القديم سبحانه أحدث العالم محتذيا لمثال مثله و هيئة اقتضاها و المحتذي لا يجب كونه عالما بما يفعله أ لا ترى أن من لا يحسن الكتابة قد يحتذي خطا مخصوصا فيكتب قريبا منه و كذلك من يطبع الشمع بالخاتم ثم يطبع فيه مثال الخاتم فهو فعل الطابع و لا يجب كونه عالما . و أجاب أصحابنا عن ذلك فقالوا إن أول فعل محكم وقع منه ثم احتذى عليه يكفي في ثبوت كونه عالما و أيضا فإن المحتذي ليست العالمية بمسلوبة عنه بل موصوف بها

[ 412 ]

أ لا ترى أنه متصور صورة ما يحتذيه ثم يوقع الفعل مشابها له فالمحتذي عالم في الجملة و لكن علمه يحدث شيئا فشيئا . فأما معنى الفصل فظاهر يقول ع إنه ابتدع الخلق على غير مثال قدمه لنفسه و لا قدم له غيره ليحتذى عليه و أرانا من عجائب صنعته و من اعتراف الموجودات كلها بأنها فقيرة محتاجة إلى أن يمسكها بقوته ما دلنا على معرفته ضرورة و في هذا إشارة إلى أن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر و لما كانت الموجودات كلها غيره سبحانه ممكنة لم تكن غنية عنه سبحانه بل كانت فقيرة إليه لأنها لولاه ما بقيت فهو سبحانه غني عن كل شي‏ء و لا شي‏ء من الأشياء مطلقا بغني عنه سبحانه و هذه من خصوصية الإلهية و أجل ما تدركه العقول من الأنظار المتعلقة بها . فإن قلت في هذا الكلام إشعار بمذهب شيخكم أبي عثمان في أن معرفته تعالى ضرورية . قلت يكاد أن يكون الكلام مشعرا بذلك إلا أنه غير دال عليه لأنه لم يقل ما دلنا على معرفته باضطرار و لكن قال ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته فالاضطرار راجع إلى قيام الحجة لا إلى المعرفة . ثم قال ع و ظهرت آثار صنعته و دلائل حكمته في مخلوقاته فكانت و هي صامتة في الصورة ناطقة في المعنى بوجوده و ربوبيته سبحانه و إلى هذا المعنى نظر الشاعر فقال

فو عجبا كيف يعصى الإله
أم كيف يجحده الجاحد
و في كل شي‏ء له آية
تدل على أنه واحد

[ 413 ]

و قال في تفسير قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إنه عبارة عن هذا المعنى : فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ وَ تَلاَحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ اَلْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ وَ لَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ اَلْيَقِينُ بِأَنَّهُ لاَ نِدَّ لَكَ وَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤُ اَلتَّابِعِينَ عَنِ اَلْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ اَلْعالَمِينَ كَذَبَ اَلْعَادِلُونَ بِكَ إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ وَ نَحَلُوكَ حِلْيَةَ اَلْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ وَ جَزَّءُوكَ تَجْزِئَةَ اَلْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ وَ قَدَّرُوكَ عَلَى اَلْخِلْقَةِ اَلْمُخْتَلِفَةِ اَلْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ ساَوَاكَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ وَ اَلْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ وَ نَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ وَ أَنْتَ اَللَّهُ اَلَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي اَلْعُقُولِ فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً وَ لاَ فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا مَحْدُوداً مُصَرَّفاً حقاق المفاصل جمع حقة و جاء في جمعها حقاق و حقق و حق و لما قال بتباين أعضاء خلقك و تلاحم حقاق مفاصلهم فأوقع التلاحم في مقابلة التباين صناعة و بديعا و روي

[ 414 ]

المحتجة فمن قال المحتجة أراد أنها بما فيها من لطيف الصنعة كالمحتجة المستدلة على التدبير الحكمي من لدنه سبحانه و من قال المحتجبة أراد المستترة لأن تركيبها الباطن خفي محجوب . و الند المثل و العادلون بك الذين جعلوا لك عديلا و نظيرا و نحلوك أعطوك و هي النحلة و روي لم يعقد على ما لم يسم فاعله . و غيب ضميره بالرفع و القرائح جمع قريحة و هي القوة التي تستنبط بها المعقولات و أصله من قريحة البئر و هو أول مائها . و معنى هذا الفصل أنه ع شهد بأن المجسم كافر و أنه لا يعرف الله و أن من شبه الله بالمخلوقين ذوي الأعضاء المتباينة و المفاصل المتلاحمة لم يعرفه و لم يباشر قلبه اليقين فإنه لا ند له و لا مثل ثم أكد ذلك بآيات من كتاب الله تعالى و هي قوله تعالى فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ اَلْغاوُونَ وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ قالُوا وَ هُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ اَلْعالَمِينَ حكى سبحانه حكاية قول الكفار في النار و هم التابعون للذين أغووهم من الشياطين و هم المتبوعون لقد كنا ضالين إذ سويناكم بالله تعالى و جعلناكم مثله و وجه الحجة أنه تعالى حكى ذلك حكاية منكر على من زعم أن شيئا من الأشياء يجوز تسويته بالباري سبحانه فلو كان الباري سبحانه جسما مصورا لكان مشابها لسائر الأجسام المصورة فلم يكن لإنكاره على من سواه بالمخلوقات معنى . ثم زاد ع في تأكيد هذا المعنى فقال كذب العادلون بك المثبتون لك نظيرا و شبيها يعنى المشبهة و المجسمة إذ قالوا إنك على صورة آدم فشبهوك بالأصنام التي

[ 415 ]

كانت الجاهلية تعبدها و أعطوك حلية المخلوقين لما اقتضت أوهامهم ذلك من حيث لم يألفوا أن يكون القادر الفاعل العالم إلا جسما و جعلوك مركبا و متجزئا كما تتجزأ الأجسام و قدروك على هذه الخلقة يعني خلقة البشر المختلفة القوى لأنها مركبة من عناصر مختلفة الطبائع ثم كرر الشهادة فقال أشهد أن من ساواك بغيرك و أثبت أنك جوهر أو جسم فهو عادل بك كافر و قالت تلك الخارجية للحجاج أشهد أنك قاسط عادل فلم يفهم أهل الشام حوله ما قالت حتى فسره لهم قال ع فمن يذهب إلى هذا المذهب فهو كافر بالكتاب و بما دلت عليه حجج العقول ثم قال و إنك أنت الله أي و أشهد أنك أنت الله الذي لم تحط العقول بك كإحاطتها بالأشياء المتناهية فتكون ذا كيفية . و قوله في مهب فكرها استعارة حسنة ثم قال و لا في رويات خواطرها أي في أفكارها محدودا ذا حد مصرفا أي قابلا للحركة و التغير . و قد استدل بعض المتكلمين على نفي كون البارئ سبحانه جسما بما هو مأخوذ من هذا الكلام فقال لو جاز أن يكون البارئ جسما لجاز أن يكون القمر هو إله للعالم لكن لا يجوز أن يكون القمر إله العالم فلا يجوز أن يكون البارئ جسما بيان الملازمة أنه لو جاز أن يكون البارئ سبحانه جسما لما كان بين الإلهية و بين الجسمية منافاة عقلية و إذا لم يكن بينهما منافاة عقلية أمكن اجتماعهما و إذا أمكن اجتماعهما جاز أن يكون القمر هو إله العالم لأنه لا مانع من كونه إله العالم إلا كونه جسما يجوز عليه الحركة و الأفول و نقصان ضوئه تارة و امتلاؤه أخرى فإذا لم يكن ذلك منافيا للإلهية جاز أن يكون القمر إله العالم و بيان الثاني إجماع المسلمين على كفر من أجاز كون القمر إله العالم و إذا ثبتت الملازمة و ثبتت المقدمة الثانية فقد تمت الدلالة

[ 416 ]

وَ مِنْهَا قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ وَ دَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ وَ وَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ وَ لَمْ يَقْصُرْ دُونَ اَلاِنْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ وَ لَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ فَكَيْفَ وَ إِنَّمَا صَدَرَتِ اَلْأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ اَلْمُنْشِئُ أَصْنَافَ اَلْأَشْيَاءِ بِلاَ رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا وَ لاَ قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا وَ لاَ تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ اَلدُّهُورِ وَ لاَ شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى اِبْتِدَاعِ عَجَائِبِ اَلْأُمُورِ فَتَمَّ خَلْقَهُ بِأَمْرِهِ وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ وَ أَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ اَلْمُبْطِئِ وَ لاَ أَنَاةُ اَلْمُتَلَكِّئِ فَأَقَامَ مِنَ اَلْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا وَ نَهَجَ حُدُودَهَا وَ لاَءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي اَلْحُدُودِ وَ اَلْأَقْدَارِ وَ اَلْغَرَائِزِ وَ اَلْهَيْئَاتِ بَدَايَا خَلاَئِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا وَ فَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَ ابْتَدَعَهَا الوجهة بالكسر الجهة التي يتوجه نحوها قال تعالى وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها . و الريث البطء و المتلكئ المتأخر و الأود الاعوجاج و لاءم بين كذا و كذا أي جمع و القرائن هنا الأنفس واحدتها قرونة و قرينة يقال سمحت قرينته و قرونته أي أطاعته نفسه و ذلت و تابعته على الأمر و بدايا هاهنا جمع بدية

[ 417 ]

و هي الحالة العجيبة أبدأ الرجل إذا جاء بالأمر البدي‏ء أي المعجب و البدية أيضا الحالة المبتدأة المبتكرة و منه قولهم فعله بادئ ذي بدي‏ء على وزن فعيل أي أول كل شي‏ء و يمكن أن يحمل كلامه أيضا على هذا الوجه . و أما خلائق فيجوز أن يكون أضاف بدايا إليها و يجوز إلا يكون أضافه إليها بل جعلها بدلا من أجناسا و يروى برايا جمع برية يقول ع إنه تعالى قدر الأشياء التي خلقها فخلقها محكمة على حسب ما قدر و ألطف تدبيرها أي جعله لطيفا و أمضى الأمور إلى غاياتها و حدودها المقدرة لها فهيأ الصقرة للاصطياد و الخيل للركوب و الطراد و السيف للقطع و القلم للكتابة و الفلك للدوران و نحو ذلك و في هذا إشارة إلى

قول النبي ص كل ميسر لما خلق له فلم تتعد هذه المخلوقات حدود منزلتها التي جعلت غايتها و لا قصرت دون الانتهاء إليها يقول لم تقف على الغاية و لا تجاوزتها ثم قال و لا استصعبت و امتنعت إذا أمرها بالمضي إلى تلك الغاية بمقتضى الإرادة الإلهية و هذا كله من باب المجاز كقوله تعالى فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . و خلاصة ذلك الإبانة عن نفوذ إرادته و مشيئته . ثم علل نفي الاستصعاب فقال و كيف يستصعب و إنما صدرت عن مشيئته يقول إذا كانت مشيئته هي المقتضية لوجود هذه المخلوقات فكيف يستصعب عليه بلوغها إلى غاياتها التي جعلت لأجلها و أصل وجودها إنما هو مشيئته فإذا كان أصل وجودها بمشيئته فكيف يستصعب عليه توجيهها لوجهتها و هو فرع من فروع وجودها و تابع له .

[ 418 ]

ثم أعاد معاني القول الأول فقال إنه أنشأ الأشياء بغير روية و لا فكرة و لا غريزة أضمر عليها خلق ما خلق عليها و لا تجربة أفادها أي استفادها من حوادث مرت عليه من قبل كما تكسب التجارب علوما لم تكن و لا بمساعدة شريك أعانه عليها فتم خلقه بأمره إشارة إلى قوله و لم يستصعب إذ أمر بالمضي فلما أثبت هناك كونها أمرت أعاد لفظ الأمر هاهنا و الكل مجاز و معناه نفوذ إرادته و أنه إذا شاء أمرا استحال ألا يقع و هذا المجاز هو المجاز المستعمل في قوله تعالى إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ تعبيرا بهذا اللفظ عن سرعة مواتاة الأمور له و انقيادها تحت قدرته . ثم قال ليس كالواحد منا يعترض دون مراده ريث و بطء و تأخير و التواء ثم قال و أقام العوج و أوضح الطريق و جمع بين الأمور المتضادة أ لا ترى أنه جمع في بدن الحيوانات و النبات بين الكيفيات المتباينة المتنافرة من الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و وصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها لأن اعتدال المزاج أو القرب من الاعتدال سبب بقاء الروح و فرقها أجناسا مختلفات الحدود و الأقدار و الخلق و الأخلاق و الأشكال أمور عجيبة بديعة مبتكرة الصنعة غير محتذ بها حذو صانع سابق بل مخلوقة على غير مثال قد أحكم سبحانه صنعها و خلقها على موجب ما أراد و أخرجها من العدم المحض إلى الوجود و هو معنى الابتداع فإن الخلق في الاصطلاح النظري على قسمين أحدهما صورة تخلق في مادة و الثاني ما لا مادة له بل يكون وجود الثاني من الأول فقط من غير توسط المادة فالأول يسمى التكوين و الثاني يسمى الإبداع و مرتبة الإبداع أعلى من مرتبة التكوين

[ 419 ]

وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ اَلسَّمَاءِ وَ نَظَمَ بِلاَ تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا وَ لاَحَمَ صُدُوعَ اِنْفِرَاجِهَا وَ وَشَّجَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ وَ اَلصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا وَ فَتَقَ بَعْدَ اَلاِرْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا وَ أَقَامَ رَصَداً مِنَ اَلشُّهُبِ اَلثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا وَ أَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ فِي خَرْقِ اَلْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ وَ أَمْرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِهِ وَ جَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا وَ قَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا وَ أَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا وَ قَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ بِهِمَا وَ لِيُعْلَمَ عَدَدُ اَلسِّنِينَ وَ اَلْحِسَابِ بِمَقَادِيرِهِمَا ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا وَ نَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا وَ مَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا وَ رَمَى مُسْتَرِقِي اَلسَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا وَ أَجْرَاهَا عَلَى أَذْلاَلِ تَسْخِيرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا وَ هُبُوطِهَا وَ صُعُودِهَا وَ نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا الرهوات جمع رهوة و هي المكان المرتفع و المنخفض أيضا يجتمع فيه ماء المطر و هو من الأضداد و الفرج جمع فرجة و هي المكان الخالي و لاحم ألصق و الصدع الشق و وشج بالتشديد أي شبك و وشجت العروق و الأغصان بالتخفيف اشتبكت و بيننا رحم واشجة أي مشتبكة . و أزواجها أقرانها و أشباهها قال تعالى وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً أي أصنافا ثلاثة .

[ 420 ]

و الحزونة ضد السهولة و أشراجها جمع شرج و هو عرا العيبة و أشرجت العيبة أي أقفلت أشراجها و تسمى مجرة السماء شرجا تشبيها بشرج العيبة و أشراج الوادي ما انفسح منه و اتسع . و الارتتاق الارتتاج و النقاب جمع نقب و هو الطريق في الجبل و تمور تتحرك و تذهب و تجي‏ء قال تعالى يَوْمَ تَمُورُ اَلسَّماءُ مَوْراً و الأيد القوة و ناط بها علق و الدراري الكواكب المضيئة نسبت إلى الدر لبياضها واحدها دري و يجوز كسر الدال مثل بحر لجي و لجي . و الثواقب المضيئات و تقول افعل ما أمرتك على أذلاله أي على وجهه و دعه في أذلاله أي على حاله و أمور الله جارية على أذلالها أي على مجاريها و طرقها . يقول ع كانت السماء أول ما خلقت غير منتظمة الأجزاء بل بعضها أرفع و بعضها أخفض فنظمها سبحانه فجعلها بسيطا واحدا نظما اقتضته القدرة الإلهية من غير تعليق أي لا كما ينظم الإنسان ثوبا مع ثوب أو عقدا مع عقد بالتعليق و الخياطة و ألصق تلك الفروج و الشقوق فجعلها جسما متصلا و سطحا أملس لا نتوات فيه و لا فرج و لا صدوع بل جعل كل جزء منها ملتصقا بمثله و ذلل للملائكة الهابطين بأمره و الصاعدين بأعمال خلقه لأنهم الكتبة الحافظون لها حزونة العروج إليها و هو الصعود . ثم قال و ناداها بعد إذ هي روي بإضافة بعد إلى إذ و روي بضم بعد أي و ناداها بعد ذلك إذ هي دخان و الأول أحسن و أصوب لأنها على الضم تكون دخانا بعد نظمه رهوات فروجها و ملاحمة صدوعها و الحال تقتضي أن دخانها قبل ذلك لا بعده .

[ 421 ]

فإن قلت ما هذا النداء قلت هو قوله اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً فهو أمر في اللفظ و نداء في المعنى و هو على الحقيقة كناية عن سرعة الإبداع ثم قال و فتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها هذا صريح في أن للسماء أبوابا و كذلك قوله على نقابها و هو مطابق لقوله سبحانه و تعالى لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ اَلسَّماءِ و القرآن العظيم و كلام هذا الإمام المعظم أولى بالاتباع من كلام الفلاسفة الذين أحالوا الخرق على الفلك و أما إقامة الرصد من الشهب الثواقب فهو نص القرآن العزيز وَ أَنَّا لَمَسْنَا اَلسَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ اَلْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً و القول بإحراق الشهب للشياطين اتباعا لنص الكتاب أولى من قول الفلاسفة الذين أحالوا الانقضاض على الكواكب . ثم قال و أمسكها على الحركة بقوته و أمرها بالوقوف فاستمسكت و وقفت ثم ذكره الشمس و القمر تذكرة مأخوذ من قول الله تعالى وَ جَعَلْنَا اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اَللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ اَلنَّهارِ مُبْصِرَةً . ثم ذكر الحكم في جريان الشمس و القمر في مجراهما تذكرة مأخوذ من قوله تعالى وَ اَلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها و قوله وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ و قوله وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَ اَلْحِسابَ .

[ 422 ]

ثم قال ثم علق في جوها فلكها و هذا يقتضي أن الفلك غير السماء و هو خلاف قول الجمهور و قد قال به قائلون و يمكن أن نفسر ذلك إذا أردنا موافقة قول الجمهور بأنه أراد بالفلك دائرة معدل النهار فإنها الدائرة العظمى في الفلك الأعظم و هي في الاصطلاح النظري تسمى فلكا . ثم ذكر أنه زين السماء الدنيا بالكواكب و أنها رجوم لمسترقي السمع و هو مأخوذ من قوله تعالى إِنَّا زَيَّنَّا اَلسَّماءَ اَلدُّنْيا بِزِينَةٍ اَلْكَواكِبِ وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى اَلْمَلَإِ اَلْأَعْلى‏ وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ . ثم شرح حال الدنيا فقال من ثبات ثابتها يعني الكواكب التي في كرة البروج و مسير سائرها يعني الخمسة و النيرين لأنها سائرة دائما . ثم قال و صعودها و هبوطها و ذلك أن للكواكب السيارة صعودا في الأوج و هبوطا في الحضيض فالأول هو البعد الأبعد عن المركز و الثاني البعد الأقرب . فإن قلت ما باله ع قال و نحوسها و سعودها و هو القائل لمن أشار عليه ألا يحارب في يوم مخصوص المنجم كالكاهن و الكاهن كالساحر و الساحر كالكافر و الكافر في النار . قلت إنه ع إنما أنكر في ذلك القول على من يزعم أن النجوم مؤثرة في الأمور الجزئية كالذين يحكمون لأرباب المواليد و عليهم و كمن يحكم في حرب أو سلم أو سفر أو مقام بأنه للسعد أو النحس و أنه لم ينكر على من قال إن النجوم تؤثر سعودا و نحوسا في الأمور الكلية نحو أن تقتضي حرا أو بردا أو تدل على مرض عام

[ 423 ]

أو قحط عام أو مطر دائم و نحو ذلك من الأمور التي لا تخص إنسانا بعينه و قد قدمنا في ذلك الفصل ما يدل على تصويب هذا الرأي و إفساد ما عداه : وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ اَلْمَلاَئِكَةِ ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ وَ عِمَارَةِ اَلصَّفِيحِ اَلْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلاَئِكَتِهِ وَ مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا وَ حَشَى بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا وَ بَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ اَلْفُرُوجِ زَجَلُ اَلْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ اَلْقُدُسِ وَ سُتُرَاتِ اَلْحُجُبِ وَ سُرَادِقَاتِ اَلْمَجْدِ وَ وَرَاءَ ذَلِكَ اَلرَّجِيجِ اَلَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ اَلْأَسْمَاعُ سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ اَلْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا . وَ أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلاَلَ عِزَّتِهِ لاَ يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي اَلْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ وَ لاَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ جَعَلَهُمُ اَللَّهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ اَلْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ وَ حَمَّلَهُمْ إِلَى اَلْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ اَلشُّبُهَاتِ فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ اَلْمَعُونَةِ وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ اَلسَّكِينَةِ وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلاً إِلَى تَمَاجِيدِهِ وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلاَمِ تَوْحِيدِهِ لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ اَلآْثَامِ وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اَللَّيَالِي وَ اَلْأَيَّامِ وَ لَمْ تَرْمِ اَلشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ وَ لَمْ تَعْتَرِكِ اَلظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ وَ لاَ قَدَحَتْ قَادِحَةُ اَلْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ لاَ سَلَبَتْهُمُ اَلْحَيْرَةُ مَا لاَقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ وَ مَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ

[ 424 ]

وَ هَيْبَةِ جَلاَلِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ اَلْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ اَلْغَمَامِ اَلدُّلَّحِ وَ فِي عِظَمِ اَلْجِبَالِ اَلشُّمَّخِ وَ فِي قَتْرَةِ اَلظَّلاَمِ اَلْأَيْهَمِ وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ اَلْأَرْضِ اَلسُّفْلَى فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ اَلْهَوَاءِ وَ تَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ اِنْتَهَتْ مِنَ اَلْحُدُودِ اَلْمُتَنَاهِيَةِ قَدِ اِسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ وَ وَصَّلَتْ وَصَلَتْ حَقَائِقُ اَلْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ وَ قَطَعَهُمُ اَلْإِيقَانُ بِهِ إِلَى اَلْوَلَهِ إِلَيْهِ وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ قَدْ ذَاقُوا حَلاَوَةَ مَعْرِفَتِهِ وَ شَرِبُوا بِالْكَأْسِ اَلرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَ تَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاوَاتِ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ فَحَنَوْا بِطُولِ اَلطَّاعَةِ اِعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ وَ لَمْ يُنْفِدْ طُولُ اَلرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ وَ لاَ أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ اَلزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ اَلْإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ وَ لاَ تَرَكَتْ لَهُمُ اِسْتِكَانَةُ اَلْإِجْلاَلِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ وَ لَمْ تَجْرِ اَلْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ وَ لَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ اَلْمُنَاجَاةِ أَسَلاَتُ أَلْسِنَتِهِمْ وَ لاَ مَلَكَتْهُمُ اَلْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ اَلْجُؤَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ اَلطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ اَلتَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهِمْ . وَ لاَ تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلاَدَةُ اَلْغَفَلاَتِ وَ لاَ تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ اَلشَّهَوَاتِ قَدِ اِتَّخَذُوا ذَا اَلْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ وَ يَمَّمُوهُ عِنْدَ اِنْقِطَاعِ اَلْخَلْقِ إِلَى اَلْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ لاَ يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ وَ لاَ يَرْجِعُ بِهِمُ اَلاِسْتِهْتَارُ

[ 425 ]

بِلُزُومِ طَاعَتِهِ إِلاَّ إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَ مَخَافَتِهِ لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ اَلشَّفَقَةِ مِنْهُمْ فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ اَلْأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ اَلسَّعْيِ عَلَى اِجْتِهَادِهِمْ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَ لَوِ اِسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ اَلرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ اَلشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ اَلتَّقَاطُعِ وَ لاَ تَوَلاَّهُمْ غِلُّ اَلتَّحَاسُدِ وَ لاَ تَشَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ اَلرَّيْبِ اَلرِّيَبِ وَ لاَ اِقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ اَلْهِمَمِ فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَ لاَ عُدُولٌ وَ لاَ وَنًى وَ لاَ فُتُورٌ وَ لَيْسَ فِي أَطْبَاقِ اَلسَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلاَّ وَ عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ اَلطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً هذا موضع المثل إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل إذا جاء هذا الكلام الرباني و اللفظ القدسي بطلت فصاحة العرب و كانت نسبة الفصيح من كلامها إليه نسبة التراب إلى النضار الخالص و لو فرضنا أن العرب تقدر على الألفاظ الفصيحة المناسبة أو المقاربة لهذه الألفاظ من أين لهم المادة التي عبرت هذه الألفاظ عنها و من أين تعرف الجاهلية بل الصحابة المعاصرون لرسول الله ص هذه المعاني الغامضة السمائية ليتهيأ لها التعبير عنها أما الجاهلية فإنهم إنما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات و نحو ذلك و أما الصحابة

[ 426 ]

فالمذكورون منهم بفصاحة إنما كان منتهى فصاحة أحدهم كلمات لا تتجاوز السطرين أو الثلاثة أما في موعظة تتضمن ذكر الموت أو ذم الدنيا أو يتعلق بحرب و قتال من ترغيب أو ترهيب فأما الكلام في الملائكة و صفاتها و صورها و عباداتها و تسبيحها و معرفتها بخالقها و حبها له و ولهها إليه و ما جرى مجرى ذلك مما تضمنه هذا الفصل على طوله فإنه لم يكن معروفا عندهم على هذا التفصيل نعم ربما علموه جملة غير مقسمة هذا التقسيم و لا مرتبة هذا الترتيب بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم و أما من عنده علم من هذه المادة كعبد الله بن سلام و أمية بن أبي الصلت و غيرهم فلم تكن لهم هذه العبارة و لا قدروا على هذه الفصاحة فثبت أن هذه الأمور الدقيقة في مثل هذه العبارة الفصيحة لم تحصل إلا لعلي وحده و أقسم أن هذا الكلام إذا تأمله اللبيب اقشعر جلده و رجف قلبه و استشعر عظمة الله العظيم في روعه و خلده و هام نحوه و غلب الوجد عليه و كاد أن يخرج من مسكه شوقا و أن يفارق هيكله صبابة و وجدا . ثم نعود إلى التفسير فنقول الصفيح الأعلى سطح الفلك الأعظم و يقال لوجه كل شي‏ء عريض صفيح و صفحة . و الفروج الأماكن الخالية و الفجاج جمع فج و الفج الطريق الواسع بين جبلين أو حائطين و أجوائها جمع جو و هو ما اتسع من الأودية و يقال لما بين السماء و الأرض جو و يروى أجوابها جمع جوبة و هي الفرجة في السحاب و غيره و يروى أجوازها جمع جوز و هو وسط الشي‏ء و الفجوات جمع فجوة و هي الفرجة بين الشيئين تقول منه تفاجى الشي‏ء إذا صار له فجوة و منه الفجاء و هو تباعد ما بين عرقوبي البعير . و الزجل الصوت و حظائر القدس لفظة وردت في كلام رسول الله ص و أصل الحظيرة ما يعمل شبه البيت للإبل من الشجر ليقيها البرد فسمى

[ 427 ]

ع تلك المواطن الشريفة المقدسة العالية التي فوق الفلك حظائر القدس و القدس بتسكين الدال و ضمها الطهر و التقديس التطهير و تقدس تطهر و الأرض المقدسة المطهرة و بيت المقدس أيضا و النسبة إليه قدسي و مقدسي و السترات جمع سترة و الرجيج الزلزلة و الاضطراب و منه ارتج البحر و تستك الأسماع تنسد قال النابغة

و نبئت خير الناس أنك لمتني
و تلك التي تستك منها المسامع

سبحات النور بضم السين و الباء عبارة عن جلالة الله تعالى و عظمته و تردع الأبصار تكفها و خاسئة أي سادرة و منه يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ و خسا بصره خسا و خسوءا أي سدر . و قوله على حدودها أي تقف حيث تنتهي قوتها لأن قوتها متناهية فإذا بلغت حدها وقفت و قوله أولي أجنحة من الألفاظ القرآنية . و قوله لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه أي لا يدعون الإلهية لأنفسهم و إن كان قوم من البشر يدعونها لهم و قوله لا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به فيه إشارة إلى مذهب أصحابنا في أن أفعال العباد مخلوقة لهم لأن فائدة هذا القيد و هو قوله انفرد به إنما تظهر بذلك . و أما الآيات المقدسة فالرواية المشهورة مُكْرَمُونَ و قرئ مكرمون بالتشديد و قرئ لا يسبقونه بالضم و المشهور القراءة بالكسر و المعنى أنهم يتبعون قوله و لا يقولون شيئا حتى يقوله فلا يسبق قولهم قوله و أراد أن يقول لا يسبقونه بقولهم فحذف الضمير المضاف إليه و أناب اللام منابه .

[ 428 ]

ثم قال و هم بأمره يعملون أي كما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضا كذلك فرع على أمره لا يعملون عملا ما لم يؤمروا به

و جاء في الخبر المرفوع عن رسول الله ص أنه رأى جبرائيل ليلة المعراج ساقطا كالحلس من خشية الله و الحلس الكساء الخفيف . و الزائغ العادل عن الطريق و الإخبات التذلل و الاستكانة و أبوابا ذللا أي سهلة وطيئة و منه دابة ذلول و تماجيده الثناء عليه بالمجد و المؤصرات المثقلات و الإصر الثقل . و تقول ارتحلت البعير أي ركبته و العقبة النوبة و الجمع عقب و معنى قوله و لم ترتحلهم عقب الليالي و الأيام أي لم تؤثر فيهم نوبات الليالي و الأيام و كرورها كما يؤثر ارتحال الإنسان البعير في ظهره و نوازعها شهواتها النازعة المحركة و روي نوازغها بالغين المعجمة من نزع بينهم أي أفسد . و لم تعترك الظنون أي لم تزدحم الظنون على يقينهم الذي عقدوه . و الإحن جمع إحنة و هي الحقد يقول لم تقدح قوادح الحقد في ضمائرهم . و ما لاق أي ما التصق و أثناء صدورهم جمع ثني و هي التضاعيف و الرين الدنس و الغلبة قال تعالى كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ . و تقترع من الاقتراع بالسهام بأن يتناوب كل من الوساوس عليها و يروى فيفترع بالفاء أي تعلو برينها فرعه أي علاه . و الغمام جمع غمامة و هي السحابة و الدلح الثقال جاء يدلح بجملة أي جاء مثقلا به و الجبال الشمخ العالية الشاهقة . و قوله في قترة الظلام أي سواده و الأيهم لا يهتدى فيه و منه

[ 429 ]

فلاة يهماء و التخوم بضم التاء جمع تخم و هو منتهى الأرض أو القرية مثل فلس و فلوس و يروى تخوم بفتح التاء على أنها واحد و الجمع تخم مثل صبور و صبر . و ريح هفافة أي ساكنة طيبة يقول كان أقدامهم التي خرقت الهواء إلى حضيض الأرض رايات بيض تحتها ريح ساكنة ليست مضطربة فتموج تلك الرايات بل هي ساكنة تحبسها حيث انتهت

و جاء في الخبر أن لإسرافيل جناحين أحدهما في أقصى المشرق و الآخر في أقصى المغرب و أن العرش على كاهله و أنه ليتضاءل أحيانا لعظمة الله حتى يعود مثل الوضع و هو العصفور . ثم قال قد استفرغتهم أشغال عبادته تعالى أي جعلتهم فارغين إلا منها و يروى و وسلت حقائق الإيمان بالسين المشددة يقال وسل فلان إلى ربه وسيلة و الوسيلة ما يتقرب به و الجمع وسيل و وسائل و يقال وسلت إليه و توسلت إليه بمعنى . و سويداوات القلوب جمع سويداء و هي حبة القلب و الوشيجة في الأصل عرق الشجرة و هي هنا استعارة و حنيت ضلعي أي عوجتها و الربق جمع ربقة و هي الحبل . قوله و لم يتولهم الإعجاب أي لم يستول عليهم و الدءوب الجد و الاجتهاد و الأسلات جمع أسلة و هي طرف اللسان و مستدقه و الجؤار الصوت المرتفع و الهمس الصوت الخفي يقول ليست لهم أشغال خارجة عن العبادة فيكون لأجلها أصواتهم المرتفعة خافية ساكنة لا تعدو من عدا عليه إذا قهره و ظلمه و هو هاهنا استعارة . و لا تنتضل الخدائع في هممهم استعارة أيضا من النضال و هو المراماة بالسهام و ذو العرش هو الله تعالى و هذه لفظة قرآنية قال سبحانه إِذاً لاَبْتَغَوْا إِلى‏ ذِي اَلْعَرْشِ

[ 430 ]

سَبِيلاً يعني لابتغوا إلى الله تعالى سبيلا و قال تعالى ذُو اَلْعَرْشِ اَلْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ و الاستهتار مصدر استهتر فلان بكذا أي لازمه و أولع به . و قوله فينوا أي فيضعفوا وني يني و الجد الاجتهاد و الانكماش . ثم قال إنهم لا يستعظمون عبادتهم و لو أن أحدا منهم استعظم عبادته لأذهب خوفه رجاءه الذي يتولد من استعظام تلك العبادة يصفهم بعظم التقوى . و الاستحواذ الغلبة و الغل الحقد و تشعبتهم تقسمتهم و فرقتهم و منه قيل للمنية شعوب أي مفرقة و أخياف الهمم أي الهمم المختلفة و أصله من الخيف و هو كحل إحدى العينين دون الأخرى و منه المثل الناس أخياف أي مختلفون و الإهاب الجلد و الحافد المسرع و منه الدعاء اللهم إليك نسعى و نحفد . و اعلم أنه ع إنما كرر و أكد صفاتهم بما وصفهم به ليكون ذلك مثالا يحتذي عليه أهل العرفان من البشر فإن أعلى درجات البشر أن يتشبه بالملك و خلاصة ذلك أمور . منها العبادة القائمة . و منها ألا يدعى أحد لنفسه الحول و القوة بل لا حول و لا قوة . و منها أن يكون متواضعا ذا سكينة و وقار . و منها أن يكون ذا يقين لا تقدح فيه الشكوك و الشبهات . و منها ألا يكون في صدره إحنة على أحد من الناس . و منها شدة التعظيم و الهيبة لخالق الخلق تبارك اسمه . و منها أن تستفرغه أشغال العبادة له عن غيرها من الأشغال .

[ 431 ]

و منها أنه لا تتجاوز رغباته مما عند الله تعالى إلى ما عند غيره سبحانه . و منها أن يعقد ضميره و قلبه على محبة الله تعالى و يشرب بالكأس الروية من حبه . و منها عظم التقوى بحيث يأمن كل شي‏ء عدا الله و لا يهاب أحدا إلا الله . و منها الخشوع و الخضوع و الإخبت و الذل لجلال عزته سبحانه . و منها ألا يستكثر الطاعة و العمل و إن جل و عظم . و منها عظم الرجاء الواقع في مقابلة عظم الخوف فإن الله تعالى يحب أن يرجى كما يحب أن يخاف