أبحاث تتعلق بالملائكة

و اعلم أنه يجب أن تعلم أبحاث متعددة تتعلق بالملائكة و يقصد فيها قصد حكاية المذهب خاصة و نكل الاحتجاج و النظر إلى ما هو مذكور في كتبنا الكلامية . البحث الأول في وجود الملائكة قال قوم من الباطنية السبيل إلى إثبات الملائكة هو الحس و المشاهدة و ذلك أن الملائكة عندهم أهل الباطن . و قالت الفلاسفة هي العقول المفارقة و هي جواهر مجردة عن المادة لا تعلق لها بالأجسام تدبيرا و احترزوا بذلك عن النفوس لأنها جواهر مفارقة إلا أنها تدبر الأبدان و زعموا أنهم أثبتوها نظرا . و قال أصحابنا المتكلمون الطريق إلى إثبات الملائكة الخبر الصادق المدلول على صدقه و في المتكلمين من زعم أنه أثبت الملائكة بطريق نظري و هو أنه لما وجد خلقا من طين وجب في العقل أن يكون في المخلوقات خلق من الهواء و خلق من النار فالمخلوق من الهواء هو الملك و المخلوق من النار الشيطان .

[ 432 ]

البحث الثاني في بنية الملائكة و هيئة تركيبهم قال أصحابنا المتكلمون أن الملائكة أجسام لطاف و ليسوا من لحم و دم و عظام كما خلق البشر من هذه الأشياء و قال أبو حفص المعود القرينسي من أصحابنا إن الملائكة من أجسام من لحم و عظم إنه لا فرق بينهم و بين البشر و إنما لم يروا لبعد المسافة بيننا و بينهم . و قد تبعه على هذا القول جماعة من معتزلة ما وراء النهر و هي مقالة ضعيفة لأن القرآن يشهد بخلافه في قوله وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ و قوله إِذْ يَتَلَقَّى اَلْمُتَلَقِّيانِ عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمالِ قَعِيدٌ فلو كانوا أجساما كثيفة كأجسامنا لرأيناهم . البحث الثالث في تكليف الملائكة حكى عن قوم من الحشوية أنهم يقولون إن الملائكة مضطرون الله جميع أفعالهم و ليسوا مكلفين . و قال جمهور أهل النظر إنهم مكلفون . و حكى عن أبي إسحاق النظام إنه قال إن قوما من المعتزلة قالوا إنهم جبلوا على الطاعة لمخالفة خلقهم خلقة المكلفين و أنهم قالوا لو كانوا مكلفين لم يؤمن أن يعصوا فيما أمروا به و قد قال تعالى لا يَعْصُونَ اَللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ . و قال قوم إن أكثر الملائكة مكلفون و إن فيهم من ليس بمكلف بل هو مسخر للملائكة المكلفين كما أن الحيوانات ما هو غير مكلف بل هو مسخر للبشر و مخلوق لمصالحهم . قالوا و لا ننكر أن يكون الملائكة الذين ذكر منهم أنهم غلظ الأجسام و عظم الخلق و التركيب بحيث تبلغ أقدامهم إلى قرار الأرض قد جعلوا عمدا للسموات و الأرض فهم

[ 433 ]

يحملونها بمنزلة الأساطين التي تحمل السقوف العالية و لم يرشحوا لأمر من الأمور سوى ذلك . البحث الرابع فيما يجوز من الملائكة و ما لا يجوز قال شيخنا أبو القاسم حكى أبو الحسن الخياط عن قدماء المعتزلة أنه لا يجوز أن يعصي أحد من الملائكة و لم يذكر عنهم علة في ذلك . و قال قوم إنهم لا يعصون و لا يجوز أن يعصوا لأنهم غير مطيقين الشهوة و الغضب فلا داعي لهم إلى المعصية و الفاعل لا يفعل إلا بداع إلى الفعل . و قال قوم إنهم لا يعصون لأنهم يشاهدون من عجائب صنع الله و آثار هيبته ما يبهرهم عن فعل المعصية و القصد إليها و كذلك قال تعالى وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ . و قال قوم إنما لم يجز أن يعصوا لأن الله تعالى أخبر عنهم أنهم لا يعصون و لا ينكر مع ذلك أن يكون منهم من يتغير حاله و يتبدل بها حالة أخرى و يعصي على ما ورد من خبر الملكين ببابل و خبر إبليس و إنما يسلب عنهم المعصية ما داموا على حالهم التي هي عليها . و قال شيوخنا أصحاب أبي هاشم رحمه الله تعالى إن المعصية تجوز عليهم كما تجوز علينا إلا أن الله تعالى علم أن لهم ألطافا يمتنعون معها من القبيح لفعلها فامتنعوا من فعل القبيح اختيارا فكانت حالهم كحال الأنبياء من البشر يقدرون على المعصية و لا يفعلونها

[ 434 ]

اختيارا من أنفسهم باعتبار الألطاف المفعولة لهم و لو كان لإبليس أو فرعون أو نمرود ألطاف يعلم الله تعالى إذا فعلها فعلوا الواجب و امتنعوا من فعل القبيح لفعلها بهم و لكانوا معصومين كالأنبياء و الملائكة لكنه تعالى علم أنهم لا يؤمنون و لو فعل مهما فعل فلا لطف في المعلوم و هذا عندهم حكم عام لجميع المكلفين من الإنس و الجن و الملائكة . البحث الخامس في أن أي القبيلين أفضل الملائكة أو الأنبياء قال أصحابنا نوع الملائكة أفضل من نوع البشر و الملائكة المقربون أفضل من نوع الأنبياء و ليس كل ملك عند الإطلاق أفضل من محمد ص بل بعض المقربين أفضل منه و هو ع أفضل من ملائكة أخرى غير الأولين و المراد بالأفضل الأكثر ثوابا و كذلك القول في موسى و عيسى و غيرهما من الأنبياء و الذي يحكيه قوم من أرباب المقالات أن المعتزلة قالوا إن أدنى ملك في السماء أفضل من محمد ص ليس بصحيح عنهم . و قال أهل الحديث و الأشعرية أن الأنبياء أفضل من الملائكة . و قال الشيعة الأنبياء أفضل من الملائكة و الأئمة أفضل من الملائكة . و قال قوم منهم و من الحشوية إن المؤمنين أفضل من الملائكة . البحث السادس في قدم الملائكة و حدوثهم أما الفلاسفة القائلون بأنهم العقول المفارقة فإنهم يذهبون إلى قدم الملائكة . و قال غيرهم من أهل الملل إنهم محدثون . و قال قوم من متأخري الحكماء إن نفوس البشر إذا فارقت الأبدان بالموت بقيت قائمة بأنفسها غير مدبرة لشي‏ء من الأبدان فإن كانت خيرة صالحة فهي الملائكة

[ 435 ]

و إن كانت شريرة رديئة الجوهر فهي الشياطين فالملائكة عند هؤلاء محدثون و عندهم أن هذه النفوس تساعد نفوسا أخرى متعلقة بتدبير الأبدان أما على الخير أو على الشر فما ينسب في الكتب الإلهية إلى إغواء الشياطين للناس و إضلالهم فالمراد به تلك النفوس الشريرة و ما ينسب فيها إلى إعانة الملائكة لهم على الخير و الصلاح فالمراد به تلك النفوس الخيرة . البحث السابع في إبليس أ هو من الملائكة أو ليس منها قال شيخنا أبو عثمان و جماعة من أصحابنا إنه من الملائكة و لذلك استثناه الله تعالى فقال فَسَجَدَ اَلْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ . و قال قوم إنه كان من الملائكة بدلالة هذه الآية لكن الله مسخه حيث خالف الأمر فهو بعد المسخ خارج عن الملائكة و قد كان قبل ذلك ملكا قالوا و معنى قوله كانَ مِنَ اَلْجِنِّ أي من خزان الجنة و روي ذلك عن ابن عباس قالوا و يحمل على معناه أنه صار من الجن فيكون كان بمعنى صار كقوله تعالى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا أي من صار لأنها لو كانت كان على حقيقتها لوجب إلا يكلم بعضهم بعضا لأنهم كانوا صبيانا في المهود . قالوا و معنى صيرورته من الجن صيرورته ضالا كما أن الجن ضالون لأن الكفار بعضهم من بعض كما قال تعالى اَلْمُنافِقُونَ وَ اَلْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ .

[ 436 ]

و قال معظم أصحابنا إن إبليس ليس من الملائكة و لا كان منها و إنما استثناه الله تعالى منهم لأنه كان مأمورا بالسجود معهم فهو مستثنى من عموم المأمورين بالسجود لا من خصوص الملائكة . البحث الثامن في هاروت و ماروت هل هما من الملائكة أم لا قال جمهور أصحابنا إنهما من الملائكة و إن القرآن العظيم قد صرح بذلك في قوله وَ ما أُنْزِلَ عَلَى اَلْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ و إن الذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله تعالى للناس فمن تعلمه منهم و عمل به كان كافرا و من تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به و لكن ليتوقاه كان مؤمنا قالوا و ما كان هذان الملكان يعلمان أحدا حتى ينبهاه و ينهياه و ينصحاه و يقولا له إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ أي ابتلاء و اختبار من الله فَلا تَكْفُرْ و لا تتعلمه معتقدا أنه حق . و حكى عن الحسن البصري أن هاروت و ماروت علجان أقلفان من أهل بابل كانا يعلمان الناس السحر و قرأ الحسن على الملكين ببابل بكسر اللام . و قال قوم كانا من الملائكة فعصيا الله تعالى بالحيف في الحكومة و قد كان استقضاهما في الأرض و ركب فيهما الشهوة و الغضب على نحو ما ركب في البشر امتحانا لهما لأنهما قد كانا عيرا البشر بالمعصية فلما عصيا حبسهما الله تعالى و عاقبهما بعذاب معجل و ألهمهما كلاما إذا تكلما به سكن بعض ما بهما من الألم و إن السحرة يستمعون ذلك الكلام فيحفظونه و يفرقون به بين المرء و زوجه فإنهما يتقدمان إلى من يحضرهما عند ما يتكلمان بالزجر عن العمل بذلك الكلام و يقولان إِنَّما نَحْنُ

[ 437 ]

فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ و هما لم يكفرا و لا دعوا إلى السحر و إن عذابهما سيقطع و قد جاء في الأخبار ما يوافق هذا . و قال قوم من الحشوية إنهما شربا الخمر و قتلا النفس و زنيا بامرأة اسمها باهيد فمسخت و هي الزهرة التي في السماء : وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ اَلْأَرْضِ وَ دَحْوِهَا عَلَى اَلْمَاءِ كَبَسَ اَلْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ وَ لُجَجِ بِحَارِ زَاخِرَةٍ تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا وَ تَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا وَ تَرْغُو زَبَدًا كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا فَخَضَعَ جِمَاحُ اَلْمَاءِ اَلْمُتَلاَطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا وَ سَكَنَ هَيْجُ اِرْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا وَ ذَلَّ مُسْتَخْذِياً إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا فَأَصْبَحَ بَعْدَ اِصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِياً مَقْهُوراً وَ فِي حَكَمَةِ اَلذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً وَ سَكَنَتِ اَلْأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ وَ رَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَ اِعْتِلاَئِهِ وَ شُمُوخِ أَنْفِهِ وَ سُمُوِّ غُلَوَائِهِ وَ كَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جَرْيَتِهِ فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ وَ لَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ اَلْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا وَ حَمَلَ شَوَاهِقَ اَلْجِبَالِ اَلشُّمَّخِ اَلْبُذَّخِ عَلَى أَكْتَافِهَا فَجَّرَ يَنَابِيعَ اَلْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا وَ فَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وَ أَخَادِيدِهَا وَ عَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلاَمِيدِهَا وَ ذَوَاتِ اَلشَّنَاخِيبِ اَلشُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا فَسَكَنَتْ مِنَ اَلْمَيَدَانِ لِرُسُوبِ اَلْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا وَ تَغَلْغُلِهَا مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا وَ رُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ اَلْأَرَضِينَ وَ جَرَاثِيمِهَا وَ فَسَحَ

[ 438 ]

بَيْنَ اَلْجَوِّ وَ بَيْنَهَا وَ أَعَدَّ اَلْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا وَ أَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ اَلْأَرْضِ اَلَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ اَلْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا وَ لاَ تَجِدُ جَدَاوِلُ اَلْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا وَ تَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ اِفْتِرَاقِ لُمَعِهِ وَ تَبَايُنِ قَزَعِهِ حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ اَلْمُزْنِ فِيهِ وَ اِلْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ وَ لَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ وَ مُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ يَمْرِي تَمْرِيهِ اَلْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ وَ دُفَعَ شآبِيبِهِ . فَلَمَّا أَلْقَتِ اَلسَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا وَ بَعَاعَ مَا اِسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ اَلْعِبْ‏ءِ اَلْمَحْمُولِ عَلَيْهَا أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ اَلْأَرْضِ اَلنَّبَاتَ وَ مِنْ زُعْرِ اَلْجِبَالِ اَلْأَعْشَابَ فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا وَ تَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا وَ حِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا وَ جَعَلَ ذَلِكَ بَلاَغاً لِلْأَنَامِ وَ رِزْقاً لِلْأَنْعَامِ وَ خَرَقَ اَلْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا وَ أَقَامَ اَلْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا كبس الأرض أي أدخلها في الماء بقوة و اعتماد شديد و يقال لضرب من التمر الكبيس لأنه يكبس حتى يتراص و المور مصدر مار أي ذهب و جاء و مستفحلة هائجة هيجان الفحول و استفحل الأمر تفاقم و اشتد و زاخرة زخر الماء أي امتد جدا و ارتفع . و الأواذي جمع آذي و هو الموج و تصطفق يضرب بعضها بعضا و الأثباج هاهنا

[ 439 ]

أعالي الأمواج و أصل الثبج ما بين الكاهل إلى الظهر فنقل إلى هذا الموضع استعارة . و ترغو تصوت صوت البعير و الرغاء صوت ذات الخف و في المثل كفى برغائها مناديا أي أن رغاء بعير المضيف يقوم مقام ندائه للضيافة و القرى و زبدا على هذا منصوب بفعل مقدر تقديره و ترغو قاذفة زبدا و الزبد ما يظهر فوق السيل يقال قد أزبد البحر و السيل و بحر مزبد أي مالح يقذف بالزبد و الفحول عند هياجها فحول الإبل إذا هاجت للضراب . و جماح الماء صعوده و غليانه و أصله من جماح الفرس و هو أن يعز فارسه و يغلبه و الجموح من الرجال الذي يركب هواه فلا يمكن رده و خضع ذل و هيج الماء اضطرابه هاج هيجا و هياجا و هيجانا و اهتاج و تهيج كله بمعنى أي ثار و هاجه غيره يتعدى و لا يتعدى و هيج ارتمائه يعنى تقاذفه و تلاطمه يقال ارتمى القوم بالسهام و بالحجارة ارتماء و كلكلها صدرها و جاء كلكل و كلكال و ربما جاء في ضرورة الشعر مشددا قال

كأن مهواها على الكلكل
موضع كفي راهب مصلى

و المستخذي الخاضع و قد يهمز و قيل لأعرابي في مجلس أبي زيد كيف تقول استخذأت ليتعرف منه الهمزة فقال العرب لا تستخذئ و همزه و أكثر ما يستعمل ملينا و أصله من خذا الشي‏ء يخذو و خذوا أي استرخى و يجوز خذي بكسر الذال و أذن خذواء بينة الخذاء أي مسترخية . و تمعكت تمرغت مستعار من تمعك الدابة في الأرض و قالوا معكت الأديم أي دلكته و كواهلها جمع كاهل و هو ما بين الكتفين و يسمى الحارك .

[ 440 ]

و اصطخاب أمواجه افتعال من الصخب و هو الصياح و الجلبة يقال صخب الرجل فهو صخبان و اصطخب افتعل منه قال

إن الضفادع في الغدران تصطخب

و الساجي الساكن و الحكمة ما أحاط من اللجام بحنك الدابة و كانت العرب تتخذها من القد و الأبق لأن الزينة لم تكن قصدهم قال زهير

القائد الخيل منكوبا دوابرها
قد أحكمت حكمات القد و الأبقا

و استعار الحكمة هاهنا فجعل للذل حكمة ينقاد الماء بها و يذل إليها . و مدحوة مبسوطة قال تعالى وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها و يجوز أن تكون مدحوة هاهنا بمعنى مقذوفة مرمية يقال دحوت الحصاة أي قذفتها و يقال للاعب الجوز ادح و أبعد المدى و التيار أعظم الموج و لجته أعمقه و البأو الكبر و الفخر تقول بأوت على القوم أبأى بأوا قال حاتم

فما زادنا بأوا على ذي قرابة
غنانا و لا أزرى بأحسابنا الفقر

و هذا الكلام استعارة يقال كسرت الأرض سورة الماء الجامح كما تكسر سورة بأو الرجل المتكبر المفتخر و الاعتلاء التيه و التكبر و الشموخ العلو مصدر شمخ بأنفه أي تكبر و الجبال الشوامخ الشاهقة و السمو العلو و سمو علوائه أي غلوه و تجاوزه الحد .

[ 441 ]

و كعمته أي شددت فمه لما هاج من الكعام و هو شي‏ء يجعل في فم البعير و بعير مكعوم . و الكظة الجهد و الثقل الذي يعتري الإنسان عند الامتلاء من الطعام يقول كعمت الأرض الماء حال كونه مكظوظا لشدة امتلائه و كثرته و ازدحام أمواجه فهمد أي سكن همدت النار تهمد بالضم همودا أي طفئت و ذهبت البتة و الخمود دون الهمود و النزقات الخفة و الطيش نزق الرجل بالكسر ينزق نزقا و النزقات الدفعات من ذلك . و لبد الشي‏ء بالأرض يلبد بالضم لبودا أي لصق بها ساكنا و الزيفان التبختر في المشي زاف البعير يزيف و الزيافة من النوق المختالة و يروى و لبد بعد زفيان وثباته و الزفيان شدة هبوب الريح يقال زفته الريح زفيانا أي طردته و ناقة زفيان سريعة و قوس زفيان سريعة الإرسال للسهم و أكنافها جوانبها و كنفا الطائر جناحاه و يقال صلاء مكنف أي أحيط به من جوانبه و تكنفه القوم و اكتنفوه أحاطوا به . و الجبال الشواهق العالية و مثله البذخ و العرنين أول الأنف تحت مجتمع الحاجبين و الينابيع جمع ينبوع و هو ما انفجر من الأرض عن الماء و السهوب جمع سهب و هو الفلاة و البيد جمع بيداء و هي الفلاة أيضا . و الأخاديد جمع أخدود و هو الشق في الأرض قال تعالى قُتِلَ أَصْحابُ اَلْأُخْدُودِ و الراسيات الثقال و الشناخيب رءوس الجبال و الشم العالية و الجلاميد الصخور واحدها جلمود و الصياخيد جمع صيخود و هي الصخرة الصلبة .

[ 442 ]

و الميدان التحرك و الاضطراب و ماد الرجل يميد أي تبختر و رسوب الجبال نزولها رسب الشي‏ء في الماء أي سفل فيه و سيف رسوب ينزل في العظام . و قوله في قطع أديمها جمع قطعة يريد في أجزائها و أبعاضها و يروى في قطع أديمها بضم القاف و فتح الطاء جمع قطعة و هي القطعة مفروزة من الأرض و حكي أن أعرابيا قال ورثت من أبي قطعة و يروى في قطع أديمها بسكون الطاء و القطع طنفسة الرحل فنقل ذلك إلى هذا الموضع استعارة كأنه جعل الأرض ناقة و جعل لها قطعا و جعل الجبال ثابتة في ذلك القطع . و أديم الأرض وجهها و ظاهرها و تغلغل الماء في الشجر دخوله و تخلله في أصوله . و عروقه متسربة أي داخلة تسرب الثعلب أي دخل السرب و جوبات جمع جوبة و هي الفرجة في جبل أو غيره و خياشيمها جمع خيشوم و هو أقصى الأنف و تقول خشمت الرجل خشما أي كسرت خيشومه و جراثيمها جمع جرثومة و هي أصل الشجر . و فسح أوسع و متنسما يعني موضع النسيم و الأرض الجرز التي لا نبات فيها لانقطاع المطر عنها و هذه من الألفاظ القرآنية و الروابي التلاع و ما علا من الأرض و الجداول الأنهار الصغار جمع جدول و الذريعة الوصلة . و ناشئة سحاب ما يبتدئ ظهوره و الموات بفتح الميم القفر من الأرض و اللمع جمع لمعة و هي القطعة من السحاب أو غيره و تباين قزعه القزع قطع من السحاب رقيقة واحدها قزعة قال الشاعر

[ 443 ]

كأن رعاله قزع الجهام

و في الحديث كأنهم قزع الخريف و تباينها افتراقها و تمخضت تحركت بقوة يقال تمخض اللبن إذا تحرك في الممخضة و تمخض الولد تحرك في بطن الحامل و الهاء في فيه ترجع إلى المزن أي تحركت لجة المزن في المزن نفسه أي تحرك من السحاب وسطه و ثبجه . و التمع البرق و لمع أي أضاء و كففه جمع كفة و الكفة كالدارة تكون في السحاب . و كان الأصمعي يقول كل ما استطال فهو كفة بالضم نحو كفة الثوب و هي حاشيته و كفة الرمل و الجمع كفاف و كل ما استدار فهو كفة بالكسر نحو كفة الميزان و كفة الصائد و هي حبالته و الجمع كفف و يقال أيضا كفة الميزان بالفتح و الوميض الضياء و اللمعان . و قوله لم ينم أي لم يفتر و لم ينقطع فاستعار له لفظة النوم و الكنهور العظيم من السحاب و الرباب الغمام الأبيض و يقال إنه السحاب الذي تراه كأنه دون السحاب و قد يكون أبيض و قد يكون أسود و هو جمع و الواحدة ربابة و به سميت المرأة الرباب . و المتراكم الذي قد ركب بعضه بعضا و الميم بدل من الباء و سحا صبا و سحابة سحوح و تسحسح الماء سال و مطر سحساح أي يسح شديدا و متداركا يلحق بعضه بعضا من غير انقطاع و أسف دنا من الأرض و هيدبه ما تهدب منه أي تدلى كما يتدلى هدب العين على أشفارها و يمري الجنوب و هو بمعنى يحلب و يستدر و يروى تمريه الجنوب . على أن يعدى الفعل إلى المفعولين كما تقول حلبت الناقة لبنا و يروى تمتري الجنوب و هو بمعنى تمري من مريت الفرس و امتريته إذا استخرجت بالسوط ما عنده من الجري و إنما

[ 444 ]

خص الجنوب بذلك لأنها الريح التي يكون عليها المطر و الدرر جمع درة و هي كثرة اللبن و سيلانه و صبه و الأهاضيب جمع هضاب و الهضاب جمع هضب و هي حلبات القطر بعد القطر و الدفع جمع دفعة بالضم و هي كالدفقة من المطر بالضم أيضا و الشآبيب جمع شؤبوب و هي رشة قوية من المطر تنزل دفعة بشدة و البرك الصدر و بوانيها تثنية بوان على فعال بكسر الفاء و هو عمود الخيمة و الجمع بون بالضم قال الشاعر

أصبر من ذي ضاغط عركرك
ألقى بواني زوره للمبرك

و من روى بوانيها أراد لواصقها من قولك قوص بانية إذا التصقت بالوتر . و الرواية الأولى أصح و بعاع السحاب ثقله بالمطر قال إمرؤ القيس

و ألقى بصحراء الغبيط بعاعه
نزول اليماني بالعياب المثقل

و العب‏ء الثقل و استقلت ارتفعت و نهضت و هوامد الأرض هي الأرضون التي لا نبات بها و زعر الجبال جمع أزعر و المراد به قلة العشب و الخلى و أصله من الزعر و هو قلة الشعر في الرأس قال

من يك ذا لمة يرجلها
فإنني غير ضائري زعري

و قد زعر الرجل يزعر قل شعره و تبهج تسر و تفرح تقول بهجني أمر كذا بالفتح و أبهجني معا أي سرني و من رواه بضم الهاء أراد يحسن و يملح من البهجة و هي الحسن يقال بهج الرجل بالضم بهاجة فهو بهيج أي حسن قال الله تعالى مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ و تقول قد أبهجت الأرض بالهمزة أي بهج نباتها و حسن .

[ 445 ]

و تزدهي أي تتكبر و هي اللغة التي حكاها ابن دريد قال تقول زها الرجل يزهو زهوا أي تكبر و على هذه اللغة تقول ازدهى الرجل يزدهي كما تقول من علا اعتلى يعتلي و من رمى ارتمى يرتمي و أما من رواها و تزدهى بما ألبسته على ما لم يسم فاعله فهي اللغة المشهورة تقول زهي فلان علينا و للعرب أحرف تتكلم بها على سبيل المفعول به و إن كانت بمعنى الفاعل كقولهم عني بالأمر و نتجت الناقة فتقول على هذه اللغة فلان يزدهى بكذا . و الريط جمع ريطة و هي الملاءة غير ذات لفقين و الأزاهير النور ذو الألوان . و سمطت به علق عليها السموط جمع سمط و هو العقد و من رواه شمطت بالشين المعجمة أراد ما خالط سواد الرياض من النور الأبيض كالأقحوان و نحوه فصارت الرياض كالشعر الأشمط و الناضر ذو النضارة و هي الحسن و الطراوة . و بلاغا للأنام أي كفاية و الآفاق النواحي و المنار الأعلام